راجع ترجمته في تذكرة الحفاظ: ١٢٩٨، وأزهار الرياض ٣: ١٦٧، ٢٨٣، ووفيات الأعيان ١: ٨٧ وطبقات الشافعية ٤: ٤٣ وشذرات الذهب ٤: ٢٥٥ ومرآة الزمان ١: ٣٦١ والأنساب واللباب في مادة " السلفي ".
اسمه: أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم سلفه.
كنيته: أبو طاهر.
لقبه: صدر الدين.
نسبته: السلفي، نسبة إلى جدة إبراهيم سلفه (بكسر السين وفتح اللام والفاء وفي آخره الهاء) وقيل إن سلفه لقب لجده أحمد. وسلفه لفظ أعجمي أصله " سي لبة " يعني ثلاث شفاه، لأن إحدى شفتيه كانت مشقوقة. وقال بعضهم سلفة: قرية بالمشرق، لكن ياقوتًا لم يذكرها في معجمه، ولم يفسر السمعاني معنى هذه النسبة.
[ ١ ]
بلده: أصبهان، من محلة فيها تدعى جرارواءان ولذلك يقال له: الجراواءاني.
مولده: قال عن نفسه: اذكر مقتل نظام الملك في سنة ٨٥؛ وكان لي من العمر حدود عشر سنين (وفي رواية: عشر سنين دون ذكر لفظة حدود) . وحدث عن نفسه أنه حدث سنة ٤٩٢ وعمره سبع عشرة سنة، وروي عن أنه قال: مولدي بالتخمين لا باليقين سنة ٤٧٨ (وفي رواية أخرى ٤٧٢) . والأرجح أنه ولد في حدود سنة ٤٧٨ ولهذا الاختلاف في عام مولده ظهر الاختلاف في تقدير عمره بين ٩٨؟ ١٠٦ سنوات.
زواجه: تزوج المرأة الصالحة: " ست الأهل " ابنة أبي عبد الله بن أبي موسى الخولاني، وتوفيت في حياته، ولعلها هي نفس المرأة التي تزوجها في الإسكندرية وتصفها المصادر باليسار.
وفاته: توفي على وجه اليقين صبيحة الجمعة خامس ربيع الآخر سنة ٥٧٦.
طلبه العلم:
٤٨٨: - بدأ السماع في اصبهان على علماء بلده.
٤٩٢: - أخذ الناس يكتبون عنه وهو ما يزال في دور الطلب. وفي هذا الدور عمل معجمًا لشيوخه الاصبهانيين وهم أزيد من ستمائة شيخ.
٤٩٣: - ارتحل إلى بغداد فدخلها في رابع شوال وكان همه أن يلقى ابن البطر أحد علمائها، وكان شيخًا عسرًا، فقال له لدى وصوله: " قد رحلت من اصبهان إليك؟ أي لأجلك؟ فقال
[ ٢ ]
اقرأ؟ وجعل بدل الراء غينًا؟ فقرأت عليه وأنا متكئ لأجل دماميل بي، فقال: أبصر ذا الكلب، فاعتذرت إليه بالدماميل وبكيت من كلامه، وقرأت سبعة عشر حديثًا وخرجت ثم قرأت عليه نحو من خمسة وعشرين جزءًا، ولم يكن بذاك ". ثم قرأ على عدد من علماء بغداد، وعمل معجمًا للشيوخ الذين لقيهم ببغداد وصف بأنه معجم كبير.
٤٩٧: - (أو ٤٩٩) ذهب إلى الحج وسمع في طريقه بالكوفة، كما سمع بمكة والمدينة، وكان أمير الحاج اسمه خمارتكين.
٥٠٠: - كان في البصرة وفيها سمع طائفة من علمائها.
٥٠٠ -؟ ٥٠٩: نقله التطواف إلى مدن الجبال والدينور وقزوين وساره ونهاوند وذربيجان، ودخل آمد وخلاط ونصيبين، وقرى كثيرة في تلك المناطق. وفي سنة ٥٠٧ كان في سلماس، وآخر بلد أقام فيه غقامة غير قصيرة قبل أن يرتحل إلى دمشق هو ثغر آمد. وفي كل هذه الرحلة كان ينزل في الأربطة.
٥٠٩: - دخل دمشق وقضى فيها قرابة عامين يطلب الحديث.
٥١١: - كان في صور وسمع من علمائها والعلماء المقيمين فيها.
٥١٧: - سافر بحرًا إلى الإسكندرية واتخذها دار إقامة.
٥١٧: - سافر إلى مصر " القاهرة " سفرته الوحيدة فقطع بها رتابة الحياة التي آثرها في الإسكندرية، وروى عن علماء فيها، واشترى كتبًا كثيرة من ابن الموقفي.
٥١١، - ٥٧٦: إقامة دائمة في الإسكندرية؛ بعد أن كان يفكر أن
[ ٣ ]
ارتحاله إليها تتمة لرحلته في الطلب يعود بعدها إلى اصبهان وطنه؛ ومن اجل ذلك كان قد أنفذ تعليقاته من سماعات وأجزاء إلى اصبهان فلما لم تتفق له عودة إليها عهد إلى أبي العباس أحمد بن مروان بن محمد الشاطبي بأن يحملها إليه. كذلك خلف كثيرًا من مقيداته في البلدان التي زارها، فأما ما قيده في آمد وديار بكر فقد تركه في ثغر آمد؛ وترك في ثغر سلماس ما قيده في أذربيجان وأرانيه وشروان وباب الأبواب وغيرها، وكان قد خرج من سلماس على نية الرجوع إليها.
أسباب إقامته في الإسكندرية:
اجتذبته الإسكندرية للإقامة فيها:
(١) لأنه تزوج فيها امرأة ذا يسار، وحصلت له ثروة بعد فقر وتصوف، ووجد الاستقرار أروح لنفسه.
(٢) كان قد شبع من التطواف، وكان موقع الإسكندرية يهيء له لقاء الكثيرين دون الرحلة إليهم، فوجد نفسه في مركز العالم الإسلامي قادرًا على الإفادة والاستفادة دون عناء الرحلة.
(٣) بنى له العادل بن السلار مدرسة، وكان العادل قد ولي الإسكندرية مدة قبل أن يتولى الوزارة، فأصبح الاستقرار أمرًا ضروريًا إذ كان السلفي هو شيخ هذه المدرسة يدرس فيها وفي المدرسة الصالحية الحديث ومسائل الخلاف وفقه الشافعي.
ومن ثم يمكن أن ترى في حياة السلفي مرحلتين: مرحلة التنقل قبل الإسكندرية ثم مرحلة الاستقرار وهي أطولهما، وفيها نال السلفي مكانة عالية، وقصده الناس من كل صوب، وتعرف إلى فئات متفاوتة من
[ ٤ ]
البشر، وقيد كثيرًا مما سمعه؛ وكانت الإسكندرية " محطة " الحجاج من الأندلس والمغرب، وملتقى الأفواج الجالية عن أوطانها من شرق وغرب، فالحروب الصليبية دفعت كثيرين من سكان البلاد المقدسة لاختيار الإسكندرية وطنًا لهم، واحتلال النورمان لصقلية أخرج الصقليين عن وطنهم فوجدوا الأمن في الإسكندرية، والهزات المتلاحقة التي أصابت المدن الأندلسية جعلت كثيرًا من أهلها يهاجرون إلى الإسكندرية، هذا إلى الجوابين من طلاب العلم، وأصحاب الأسفار البعيدة من طبقات التجار والمغامرين. ولقي السلفي كثيرًا من هؤلاء، وقيد عنهم، وبعضهم كان ينزل في رحاب المدرسة العادلية، وبعضهم كان يلقاه مادحًا بأبيات من الشعر فينال جائزته، ولم يكن السلفي يقتصر على لقاء العلماء والمتعلمين بل كان كنفه رحبًا لمختلف الطبقات، وكان شغفه بالتقييد يدفعه إلى تسجيل الفوائد أيًا كان مصدرها، وكثيرًا ما يخبرنا أنه قيد هذه الفائدة أو تلك لغرابة في اسم صاحبها. ولم يصطدم السلفي بالدولة وإن خالفها في المذهب، والعصر عصر الفاطميين والخليفة هو الحافظ، لسببين: أولهما خليقة السلفي على السهولة واليسر، وثانيهما ميل الدولة نفسها إلى شيء من التسامح، لحظه السلفي نفسه ونوه به.
حرصه على الإجازات:
ولم يكتف السلفي بالرحلة ولقاء العلماء والسماع منهم، بل كان؟ على عادة العلماء في عصره؟ يشال من بعدت داره أن يجيزه، كما كان هو نفسه يجيز من يسأله ذلك. فمن مشهور من أجازهم السلفي على البعد القاضي عياض، وكلف أبا الحسن علي بن إبراهيم بن يوسف الأنصاري السرقسطي أخذ إجازات الأندلسيين له سنه ٥١٢، أي العام التالي
[ ٥ ]
لحلوله في الإسكندرية، فأخذ له السرقسطي إجازات ابن عتاب وأبي بحر وابن طريف ونظرائهم بقرطبة، وابن أبي تليد وابن جحدر بشاطبة، وخليص ببلنسية. وتمكنت الصلة بين السلفي والأندلسيين، وزادها الراحلون قوة واستمرارًا، حتى يمكن أن نعده أستاذًا لعشرات منهم. ولا يمثل المذكورون إلا نسبة ضئيلة ممن رووا عن السلفي وحدثوا عنه أو نالوا إجازته، ومن شاء أن يستكمل صورة العلاقة بين السلفي والأندلسيين فعليه أن يراجع كتاب التكملة لابن الأبار، وصلة الصلة لابن الزبير، والذيل والتكملة لعبد الملك المراكشي.
ومن الأحداث النموذجية التي تتصل بالإجازات، ما قام به السلفي نفسه حين أرسل إلى الزمخشري رسالة يطلب إليه فيها أن يجيزه، ويقول: " إن رأى الشيخ الأجل العالم العلامة؟ أدام الله توفيقه؟ أن يجيز جميع سماعاته وإجازاته ورواياته وما ألفه في فنون العلم وأنشأه من المقامات والرسائل والشعر لأحمد بن محمد بن أحمد السلفي الاصبهاني، ويذكر مولده ونسبه إلى أعلى أب يعرفه، ويثبت كل ذلك بخطه تحت الاستدعاء، مضافًا إليه ذكر ما صنفه وذكر شيوخه الذين أخذ عنهم، وما سمع عليهم من أمهات المهمات، حديثًا كان أو لغة أو نحوًا أو بيتًا، فعل مثابًا. وإن تمم إنعامه بإثبات أبيات قصار ومقطوعات في الحكم والأمثال والزهد وغير ذلك من نظمه ومما أنشده شيوخه من قبلهم أو كم قبل شيوخهم بعد تسمية كل منهم، وإضافة شعره إليه، والشرط في كل هذا أن يكون بالإسناد المتصل إلى قائله، كان له الفضل.. ".
وقد رد الزمخشري بما يفيد أنه زهد في الدنيا ونقل كتبه إلى مشهد أبي حنيفة ولم يبق له إلا كتاب الله يطالعه ولاذ بحرم الله المعظم.
[ ٦ ]
ولكن يبدو أنه أجاز له ما طلبه. فكتب إليه السلفي رسالة ثانية من الإسكندرية بعد عام من الرسالة الأولى وفيها طلبات محددة، وعاد الزمخشري يلوذ بالتواضع والاعتذار ثم يوضح في نهاية الرسالة شيئًا مما طلب السلفي توضيحه.
صورة من شخصية السلفي:
كان السلفي سمح الطبع متحملًا حليمًا لا تبدو منه جفوة لأحد، فإذا جلس في مجلس الدرس أخذ نفسه بالشدة فلم يشرب الماء ولم يتورك ولم تبد له قدم. وكان على سهولة عشرته آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، أزال من جواره منكرًا كثيرًا وتاب على يديه عدد ممن يشربون الخمر.
وكان يقضي أكثر وقته في التدريس والعبادة والمطالعة. أقام خمسًا وستين سنة في الإسكندرية لم يسافر خلالها إلا مرة واحدة، بل إنه لم يكن يخرج في الإسكندرية إلى متنزه أو متفرج. وما أبعد البون بين السلفي الذي قضى المرحلة الأولى من حياته دائب التنقل وبين السلفي الذي عاش ما عاش في الإسكندرية؟ في المرحلة الثانية؟ دون أن يرى منارة الإسكندرية إلا من طاقة بيته.
وكان شغوفًا بجمع الكتب، ينفق في ذلك أموالًا طائلة، وتجمعت لديه خزائن لم يتفرغ للنظر فيها، فعفنت وتلصقت بسبب الرطوبة فكانوا يخلصونها بالفأس حتى تلف أكثرها.
منزلته في العلم:
جمع السلفي بين علو الإسناد وعلو الانتقاد فهو من كبار المحدثين في عصره، وكان دقيقًا ضابطًا لما يحسن، يكتب خطًا سريعًا إلا أنه
[ ٧ ]
صحيح، ولم يكن يحدث إلا من أصل كتبه وكان يقول: متى لم يكن الأصل بخطي لم أفرح به. ولذلك شهد له العلماء بالتقدم في علم الحديث فقال ابن المفضل: كان أوحد زمانه في علم الحديث، وأعرفهم بقوانين الرواية والتحديث، وقال السمعاني: أبو طاهر ثقة ورع ثبت فهم حافظ. وقال ابن شافع: السلفي شيخ العلماء. ولذلك فلا غرابة إذا قصده طلاب الحديث من كل صوب.
أما منزلته في غير الحديث فإنها دون ذلك. فكان ذا حظ من العربية وله رسائل وينظم الشعر، وما وصلنا من شعره يدل على إيثاره للنواحي التعليمية والأخلاقية، وكان يؤثر رواية هذا اللون منه، ويحب ما اندرج في باب الزهد والحكمة. وكان متقنًا للقراءات، قرأ بحروف متعددة، وحصل هذا العلم في دور مبكر (عام ٤٩١) . وأما في الفقه فلم يصلنا من آرائه إلا اليسير. فنحن نعلم مثلًا أنه كان ينكر القراءة بالألحان ويراها بدعة، مخالفًا بذلك من يرون جوازها. وفي زمنه رفع اليهود إلى صلاح الدين يسألونه أن يتحاكموا إلى مقدم شريعتهم وأن يتوارثوا حسب شرعهم من غير أن يعترضهم في ذلك معترض، فألقى صلاح الدين هذه المسألة على الفقهاء من المالكية والشافعية ليفتوه فيها فكتب السلفي: " الحكم بين أهل الذمة إلى حاكمهم إذا كان مرضيًا باتفاق منهم كلهم، وليس لحاكم المسلمين النظر في ذلك إلا إذا أتاه الفريقان ". ولما ناقش السبكي (والد صاحب الطبقات) هذه الفتيا قال في التعليق عليها: " وأما السلفي فهو محدث جليل حافظ كبير وماله وللفتوى، وما رأيت له قط فتوى غير هذه، وما كان ينبغي له أن يكتب فإن لكل عمل رجالًا ".
[ ٨ ]