رأينا أنه مما يحتاج إلى تقديمه، ونحن في إيراده كالنائبين عن أبي بكر محمد بن دريد - ﵀ - لأنه مما كان يجب أن يستقصيه في أول كتابه المصنف في اشتقاق الأسماء العربية، وبالله التوفيق.
الذي أراه أن العرب سميت بهذا الاسم لإفصاحهم باللغة، وإيضاحهم سبيل البلاغة، من قولك: أعربت الشَّيءَ، أو عن الشيء، إذا ابنته أو أبنت عنه، وعربت عن فلان: أبنت عنه، وعربت الفارسية: أبنتها، وقال أبو عبيد في حديث رسول الله (" الثيب يعرب عنها لسانها، والبكر تستأمر في نفسها " وقد روى: " يعرب عنها " وهو قول الفراء، وبذلك الحديث الأخر في الذي قتل رجلًا يقول لا إله إلا الله، فقال القاتل: إنما قالها متعوذًا. فقال النبي (: " فهلا شققت عن قلبه "؟! فقال الرجل: هل كان يبين لي في ذلك شيئًا؟ فقال النبي: " فإنما كان يعرب عما في قلبه لسانه ". ومنه حديث رووه عن إبراهيم التيمي الفقيه، وهو إبراهيم بن يزيد بن شريك، بن تيم بن عبد مناة بن أدّ، قال: كانوا يستحبون أن يلقنوا الصبي حين يعرب أن يقول: لا إله إلا الله، سبع مرار، وأعرب الرجل بحجته إذا أفصح عنها، وعرب: إذا فصح فلم يلحن، والمعرب: الفصيح اللسان، والعربي مثله، والمعرب: الذي له خيل عراب، والذي يعرف الخيل العراب أيضًا يقال له معرب، ومنه إعراب النحو، لإبانته مقاصد الألفاظ، وإزالته شبهة الالتباس، ومنه العربون والعربان لأنه إبانة عن موافقة الشيءِ المشترى لمشتريه، وصحة عزمه على وزن الثمن فيه، ومنه في الحديث: " سنأتي سنون مغريات مكلحات " أي مبينات للجدب، وأحسبه في حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه
[ ٨٧ ]
السلام. والعربرب والعبربر: السماق لبيان حمضه وحذاقة طعمه.
ومما يقوي ذلك أن يعرب بن قحطان إنما سمي يعرب لأنه أول من عدل لسانه من السريانية إلى العربية في قول القحطانية، وقولنا للأمة التي يقع فيها الأعراب: عرب، كقولنا: فلان ضارب، إخبارًا بأن الضرب وقع منه، لأنا لا نرى أن الأسماء مشتقة من الأفعال، على ما يذهب إليه قوم يخالفهم البصريون، بل نرى أن الأسماء والأفعال مشتقة من المصادر، على أنه قد يكون في الأسماء ما يشتق من الاسم دون المصدر، على حد قولك: أستحجر الطين، وأستنوق الجمل، وتأله الرجل، فعل الأفعال المقربة إلى الإله، كما قال: سبحن واسترجعن من تألَّهي واستقصينا ذلك كله في مواضعه من غير هذا الكتاب، وبالله التوفيق. هذا أحسن ما يفسر به اشتقاق العرب عندي، ولو كنا نقتصر على ما نتيقن صحته لكفانا هذا الوجه، إلا أنا لإيثار ناشفاء صدر القارئ وترك الاختيار في أقوال الخلف نورد ما يحضرنا ذكره من الوجوه في اشتقاق العرب وهي ثلاثة عشر وجهًا: فالأول ما ذكرته.
والثاني: أن العربي منسوب إلى العرب، والعرب جمع عارب، كالغيب جمع غائب، والعارب الذي أتى عربة وهي جزيرة العرب، كما يقال: جلس فهو جالس إذا أتى جلسًا، وهي نجد، وغار فهو غائر إذا أتى الغور.
والعرب أيضًا جمع عارب كحايل وحول، وغائط وغوط، إلا أنه لا ينسب إلى العرب، لا يقال في كلامهم عربي، وكان العرب ورد مطابقة للعجم، كما أن العرب بازاء العجم، وكما يقال خُشْبٌ وخَشَبُ.
والعجم اسم للجنس، وله اشتقاق يطول ذكره في هذا الموضع، والعجم جمع أعجم. والعرب وإن كان جمعًا كما ذكرناه فإنهم لم يروا أن يتصرفوا فيه بواحد يوردونه له، لأنهم لو قالوا: عارب لجاز أن يدل على أنه فاعل فعلًا من أحد الأقوال التي ذكرناها أن اشتقاق العرب
[ ٨٨ ]
يتوجه منها، ولخرج عن أن يكون دلالة على نسبه، إلى أن يصير دلالة على فعله، فاستغنوا عن ذلك بالنسبة إليه فقالوا: عربيُّ. وقال أبن دريد في مصدره: يقال عربيٌ بين العرابة والعروبة وقد سموا بعربي كما سموا برومي وفي ضبة شاعر محسن يقال له رومي بن شريك، وفي وفي بني عبد الدار رجل يقال له أبو الروم عبد مناف بن عمير العبدري. وممن أسمه عربي: عربيَّ بن منكث أحد بني عبيد الرماح بن معد بن عدنان، وعبيد بن معد هؤلاء انقسموا قسمين: ففرقة دخلت في مزينة، وفرقة دخلت في كنانة والتي دخلت في كنانة هي التي يقال لها عبيد الرماح، وأبن عربي هذا: إبراهيم بن عربي، وكان مكرمًا عند بني أمية، والسبب في ذلك أن أمه كانت فاطمة بنت شريك بن عبدة بن مغيث بن الحد بن عجلان بن حارثة بن ضبيعة بن حرام بن جعل بن عمرو بن جثم بن ودم بن ذبيان بن هميم بن ذهل بن هنيئ أبن بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، وشريك هو الذي يعرف بشريك بن سحماء، وسحماء أمه، وهي في قول بعضهم: سحماء بنت عبد الله الليثية، وقال آخرون هي يمانية. وشريك هو الذي اتهمه عويمر العجلاني من الأنصار بامرأته فنزل بسببها اللعان، في حديث طويل ليس هذا موضعه، فلما كان يوم دار عثمان ضرب مروان بن الحكم وسعيد بن العاص فسقطا، فوثبت فاطمة بنت شريك فأدخلت مروان بيتا فأفلت، فكان بنو مروان يحفظون إبراهيم بن عربي لذلك وولاه عبد الملك اليمامة وأعمالها، فتزوج بنت طلبة بن قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر بن عبيد ين مقاعس - وهو الحارث - بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وأوفد إبراهيم مقاتل بن طلبة إلى عبد الملك ومعه أشراف من تميم وعامر بن صعصعة، وكتب إلى الحجاب أن يحسنوا أذنه فأذن له أول الوفد، فلما دخل على عبد الملك أدناه وأكرمه فقال:
وفضَّلني عند الخليفة أنني عشية وافت عامر وتميم
وجدت أبي عند الإمام مقدَّما لكل أناس حادث وقديم
[ ٨٩ ]
فقال رجل من عبشمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم:
لولا حر قدمته لابن منكتٍ مقلم ناب الاسكتين أزومُ
لما كنت عند الباب أول داخل عشية وافت عامر وتميم
وكان إبراهيم اسود، ففيه يقول البعيث - واسمه خداش بن بشر بن أبي خالد، وقد يقال: بشر بن خالد بغير كنية بن بينة بن قرط بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم:
ترى منبر العبد اللئيم كأنما ثلاثة غربانٍ عليه وقوعُ
وفي هذه القصيدة يقول:
وإن لها جارًا إذا ما دعوته تحرد عاري الاشجعين منيع
أغر إذا ما شد عقدًا لذمةٍ حماها وطير في الدماء كروع
وسنقصي - إن شاء الله - ذكر البعيث عند ذكر ضبة بنت البعيث فإنها كانت شاعرةً، وهي التي تقول ترثي أباها، وكان لما مات نعاه رجل من عكلٍ:
نعاه لنا العكلي لا دردره فيا ليته كانت به النعل زلت
فلن تسمعي صوت البعيث مماريًا إذا ما خصومات الرجال تعلت
وإبراهيم هذا هو الذي استعداه منازل بن فرعان بن الأعرف من بني عبد منبه أبن عبادة بن النزال بن مرة بن عبيدٍ، أخوه منقر بن عبيد على أبنه خليج بن منازل وقال:
تظلمني حقي خليج وعقني على حين صارت كالحني عظامي
رجاء لغولٍ من حرامٍ كأنما تسعر في بيتي حريق ضرام
يعني إن أبنه تزوج امرأة من حرام بن كعب بن ربيعة بن سعد بن زيد مناة بن تميم:
[ ٩٠ ]
لعمري لقد ربيته فرحًا به فلا يفرحن بعدي أمرؤ بغلام
- في أبيات - فأراد إبراهيم بن عربي ضرب خليج فقال له: أصلح الله الأمير لا تعجل عليَّ!! أتعرف هذا؟! منازل بن فرعان الذي يقول فيه أبوه:
جزت رحم بيني وبين منازلٍ جزاء مسيء يفتر طالبه
تعمد حقي ظالمًا ولوى يدي لوى يده الله الذي هو غالبه
أأن أرعشت كفا أبيك وأصبحت يداك يدي ليث فإنك ضاربة
في أبيات كثيرة، فرفع عنه إبراهيم الضرب وقال لأبيه: عققت فعققت.
وقد كان في التابعين رجل يقال له أبو سلمة الزبير بن عربي البصري، والنضر بن عربي أيضًا حراني يروي عن عكرمة، وحسين بن محمد بن عربي من أصحاب شعبة، وغيرها هؤلاء ممن لم نعمد لإحصاء اسمه.
ونعود إلى سبيلنا الأول فمن شاهد على أن عربة اسم جزيرة العرب ما أنشده هشام الكلبي في كتابه المسمى " عربة " لأبي طالب عم رسول الله (، واسمه عبد مناف بن عبد المطلب، واسمه شيبة بن هاشم واسمه عمرو بن عبد مناف، واسمه المغيرة، بن قصي، واسمه زيد، ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر، وهو جماع قريش، من ليس من ولد النضر فليس من قريش - بن كنانة بن خزيمة بن مدركة واسمه عمرو، بن الياس أبن مضر بن نزار ين معد بن عدنان:
وعربة أرض لا يحل حرامها من الناس غير الشوتري القنابل
الشوتري: الجريء، ومنه قول غالب العكلي:
بني كليب ساقكم جد شقي حتى رماكم عند آصال العشى
بمطرهم في الشباب شوتري
[ ٩١ ]
والقنابل: الضخم الجسم، وقيل العظيم الرأس، وأنا أرى أن هذا البيت يدل على غير ما استشهد به هشام، لأنه يدل على مكة فقط، وهشام أعرف. وقال أبو سفيان الأكلبي، واسمه أنس بن مدرك من أكلب بن ربيعة بن عفرس بن حلف بن أفتل - وهو خثعم - بن أنمار بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وقيل: هو أكلب بن ربيعة بن نزار، وأنهم دخلوا بحلف فصاروا معهم:
أبونا رسول الله وأبن خليله بعربة بوانا فنعم المركب
أبونا الذي لم تركب الخيل قبله ولم يدر شيخ قبله كيف تركب
وقال ابن منقذ الثوري من ثور أطحل بن عبد مناة بن أد بن طابخة.
لنا إبل يطمث الذل نيبها بعربة مأواها بقرنٍ بأبطحا
ولو أن قومي طاوعني سراتهم أمرتهم الأمر الذي كان أريحا
وقال أسيد بن الحلاحل:
وعربة أرض جد في الشر أهلها كما جد في شرب النقاخ ظماء
وقال أسيد أيضًا:
إذا ما القمر الثريا لثالثة فقد ذهب الشتاء
وتمت مدةٌ، ووفت عهود وبان الود واتصل الجلاء
وبست بالتهام شامخات على أثباجها شجر وماء
[ ٩٢ ]
ورجت باحة العربات رجًا ترقرق في مناكبها الدماء
وقولهم: ما بالدار عريب من هذا، كأنهم قالوا: ما بها قوم من العرب وعريب جمع عارب، كعزيب جمع عازب، ويجوز أن يكون عريب اسمًا واحدًا غير جمع، ويكون بمعنى معربٍ، كما يقال: نذير بمعنى منذر، فكأنهم قالوا: ما بالدار أحد يعرب ولا يصفح، كما يقال: ما بها داع ولا مجيب.
وأما عريب بن زيد بن كهلان وغيره ممن اسمه عريب على فعيل فيجوز فيه الوجهان جميعًا. ويحوز أن يكون جمعًا سمي به رجل مثل كلاب وسباع، ويكون واحدًا، وقد يستعملون عربًا أيضًا بالتنكير، لأنهم يقولون: ما بهذا الدار عرب، كما يقولون: ما بها ناس، أو: ما بها أحد، وما نزل هذا الموضع عرب، كما يقولون: ما نزل هذا الموضع ناس.
وقال عمرو بن معاوية بن المنتفق بن عامر بن عقيل - وقيل أن بين المنتفق وبين معاوية أبا آخر والله أعلم:
تهادي قريش في دمشق لطيمتي وتترك أصحابي، وما ذاك بالعدل
فإني على هول الجنان لنازل منازل لم تنزل بها عرب قبلي
في أبيات يخاطب بها معاوية بن أبي سفيان، وكان صاحب الصوائف له غير مرة. وولاه أرمينة وأذربيجان، وولاه الاهواز، ثم غضب عليه وأغرمه. وكنا أغفلنا في صدر الكلام تفسير جزيرة العرب وحدودها عند ذكرنا عربة خوفًا من تفرط نظام القول وتكدير مهنإ الفائدة، ونحن نذكره، ونبين اختلاف أهل العلم فيه، ونبدأ بقول أبي جعفر محمد بن حبيب مولى بني هاشم والذي بلغنا عنه أن جزيرة العرب خمسة أقسام، وهي الحجاز وتهامة ونجد والعروض واليمن، قال: وذلك أن جبل السراة - وهو أعظم جبال العرب - أقبل من قعر اليمن حتى بلغ أطراف بوادي الشام، فسمت العرب سراته
[ ٩٣ ]
حجازا لأنه حجز بين الغور ونجد. وكذلك تسمي العرب كل جبل يحتجز بين أرضين حجازًا، قال حربث أبن عتاب بن مطر بن كعب بن عوف بن عنين بن غوث بن نابل بن نبهان - واسمه أسود - بن عمرو بن الغوث بن طيء - وهو جلهمة - بن أددٍ:
لنا نسوةٌ لم يجر فيهن مقسما خميس ولا بعد التساهم مربع
حماهن من نبهان جمع عرموم وصم العوالي والحجاز الممنع
يرى خارجيًا لا يزال إذا بدا تشير لهم عين إليه وإصبع
يعني بالحجاز هاهنا جبل طيءٍ، والخارج عنى به أنه ظهر وبدا للعيون.
قال: وسمت ما خلف ذلك الجبل في غربيه إلى أسياف البحر من بلاد الاشعرين وعك وكنانة وغيرها ودونها إلى ذات عرق والجحفة وما صاقبها وغار من أرضها: الغور غور تهامة، تجمع تهامة ذلك كله.
قال: وسعت ما دون الجبل في شرقيه من الصحارى النجد إلى أطراف العراق والسماوة وما يليها: نجدًا، ويسمى جلسًا أيضًا. إلا في قول أبي عبد الله محمد بن الأعرابي مولى مجالد، ومجالد مولى المنصور أبي جعفر فإنه ذكر أن المدينة هي جلس دون ما سواها، وذلك لارتفاعها عن الغور، وانخفاضها عن نجد، ذهب أبو عبد الله إلى أنها سميت بذلك جلس لانخفاضها، وقد يجوز أن تكون سميت جلسًا لارتفاعها من قولهم: ناقة جلس، أي كوماء مشرفة قال مرة بن محكام السعدي:
فصاف السيف منها ساق متليةً جلس فصادف منها ساقها عطبا
وقال غيلان - وهو شاهد في الغريب -: يدعن الجلس نحلًا قتالها أي يتركن الناقة الضخمة ناحلة ضئيلة الجسم لشدة السير، والقتال والنفس. قال: وسموا
[ ٩٤ ]
بلاد اليمامة والبحرين وما والاها - وفيها نجد وغور لقربهما من البحار وانخفاض مواضع فيها ومسايل أودية بها - العروض، وسموا ما خلف بلاد مذحج تثليث وما دونها وما قاربها إلى صنعاء وما والاها من البلاد إلى حضرموت والشحر وعمان وما يليها إلى اليمن: اليمن اسمًا جامعًا لذلك كله. هذا قول أبي جعفر، وعليه معولي في هذا المعنى.
وكان الهيثم بن عدي يحكي عن مجالد عن عامر أنه قال: سألته عن جزبرة العرب فقال: ما بين القادسية الى حضرموت. وقال معمر بن المثنى: جزيرة العرب ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، وأما العرض فما بين رمل يبرين إلى منقطع السماوة. وقال الأصمعي: جزيرة العرب من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق في الطول، وأما العرض فمن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى اطرار الشام، وإلى هذا القول كان يذهب أبو عبيد القاسم بن سلام في تفسير حديث رسول الله (وعلى آله أنه أمر بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب. قال أبو عبيد: وإنما أستجاز عمر بن الخطاب إخراج أهل نجران من اليمن وكانوا نصارى إلى سواد العراق، وأجلى أهل خيبر إلى الشام وكانوا يهودًا من أجل هذا الحديث.
وأما الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي فكان يذكر عن مالك الفقيه وهو مالك بن أنس بن مالك بم أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان بن خثيل بن عمرو بن ذي أصبح - وإليه تنسب السياط الأصبحية - واسمه الحارث بن مالك بن زيد بن الغوث بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن حمير - واسمه العرنجج بن سبأ - وأسمه عبد شمس، أبن يشجب بن يعرب بن قحطان، وقد قيل في نسبه قول آخر، وهذا أصح وأثبت من طريق الكلبي، ولا بأس عند ذكر مالك يذكر نسب
[ ٩٥ ]
منازعيه الرئاسة من الشافعي وأبي حنيفة، فأما الشافعي فهو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافعي - وإليه ينسب - ابن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف.
وأما أبو حنيفة فهو النعمان بن ثابت مولى بني تيم الله بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، ذكر ذلك ابن أبي خيثمة وهو الذي يروى عنه أبو عبد الله محمد بن داود ابن الجراح - ﵀ - وقد قيل انه ليس له عرق في العرب. ولا ولاء أيضًا، وأنه يدعي ولاء بني تيم الله، وذكر أبو عبد الرحمن المعري قال: قال لي أبو حنيفة ممن أنت؟ قلت: من أهل دورق. قال: ما يمنعك أن تعتزي إلى بعض أحياء العرب فهكذا كنت، حتى إعتزيت إلى هذا الحي من بكر بن وائل، فوجدتهم حي صدق، والله أعلم بالصحيح.
وما أعرف في الثلاثة من يروى له شعر إلا الشافعي، فإن أبا بكر محمد بن شعيب الصيرفي القاضي الحلبي - ﵀ - أنشدني قال: أنشدني بن أبي العقب الدمشقي بإسناد وصله إلى الشافعي، للشافعي:
يا راكبًا قف بالمحصب من منى واهتف بقاع خيفها والناهضِ
سحرًا إذا قاض الحجيج إلى منى دفعًا كملتطم الفرات الفائضِ
إن كان رفضًا حبُّ آل محمد فليشهد الثقلان أني رافضي
فقال الزبير عن مالك: إن جزيرة العرب المدينة، واسمها طيبة، وقد تسمى بأسماء غير ذلك منها طيبة وطابة، ويثرب والعذراء وجابرة ويندد والدار، قال الله ﷿: (والَّذينَ تَبَوَّأوا الدَّارَ والإيمان) ويحتج قائل هذا بقول عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى ابن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب، وقد قال له كعب: إنك تموت شهيدًا. فقال: من أين وأنا في جزيرة العرب؟!
[ ٩٦ ]
وإنما نُحِلَت هذا الاسم من أجل أنه كان بنو عبيل بن عوص أخوة عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح ﵇، ثم نزلها بعدهم بنو عمليق بن يلمع بن عابر بن أشليحا بن لوذ بن سام بن نوح ﵇، ثم نزلها بعدهم قوم من عاد بن عوص، وكل هؤلاء من القبائل القديمة التي تدعى العرب العاربة، وهي عاد وعبيل أبناء عوص، وثمود وجديس ابنا غاثار بن ارم، وطسم وعمليق وجاسم وأميم بنو يلمع بن عابر.
وروى أبو أسامة: أَميم - بفتح الهمزة - وغيره قال: أُميم - بضمها - وحضرموت والسلف والموذ، بنو يقطان بن عابر، وجدهم بن عامر بن سابن يقطان بن عابر بن حمير، فهم فيهم، قالوا: فأقام أولئك القوم من عاد بيثرب برهة، حتى جاءهم قوم من الأزد - واسم الأزد دراء بوزن فعال، ويقال فيه: الأسد بالسين، وذكر يعقوب أنه أفصح في الزاي والنسابون يقولون: إن الأسد إنما سمي الأسد لكثرة إسدائه المعروف، وهذا اشتقاق لا يصح عند أهل النظر، والصحيح في اشتقاق ما أخبرني به أسامة عن رجاله قال: العسد والأسد والأزد هذه الثلاث كلمات معناها كلها الفتل قال: والأزد يكون أيضًا بمعنى العزد، وهو النكاح. فنفى الأزديون العاديين عن يثرب وتدبرها، وأقاموا بها، وفي ذلك يقول شاعر من الخزرج ثم أحد بني زريق في قصيدة طويلة يصف قومه:
ملوكًا على الناس لم يملكوا من الدهر يومًا كحل القسم
فأنبوا بعادٍ وأشياعها ثمود وبعض بقايا ارم
بيثرب قد شيدوا في النخيل خصونًا ودجن فيها النعم
وفيما أشتهوا من عصير القطاف والعيش رخو، على غيرهم
فساروا إليهم بأثقالهم على كل فحل هجانٍ قطم
[ ٩٧ ]
فما راعهم غير معج الخيول والزحف من خلفهم قد دهم
فابنا بسادتهم والنساء رغمًا، وأموالهم تُقتسم
ورثانا مساكنهم بعدهم فكنا ملوكًا بها لم نرم
وقد استقصيت ذكر هذه القبائل وأصل نقلها ومناهي أمورها في موضعه من هذا الكتاب، وبالله التوفيق.
وإنما نعني بجزيرة العرب محلها الأقدم، ومركز بيضهم الأول، لأنهم بع ذلك تفسحوا وحازوا كثيرًا من الأرض خارجًا من هذه الجزيرة، ألا ترى إلى قول الأخنس بن شهاب - وسيأتي نسبه وخبره مستقصى في كتاب تغلب إن شاء الله:
لكل أناس من معد غمارة عروض إليها يلجأون وجانبُ
لكيز لها البحران والسيف كله وإن يأتها بأس من الهند كاربُ
تطاير على أعجاز حوش كأنها جهام أراق ماءه فهو آيبُ
- أبو عمرو الشيباني: يطيروا - لكيز: بن أقصى بن عبد القيس بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة ابن نزار.
وبكر لها طهر العراق وإن تشا يحل دونها من اليمامة جانبُ
يعني بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أقصى بن جديلة بن أسد بن ربيعة ابن نزار، ومن قبائل بكر: يشكر، وزمان وشيبان وعجل ولخم وبنو قيس بن ثعلبة وغيرهم.
[ ٩٨ ]
وصارت تميم بين قف ورملة لها من حبال منتاى ومذهبُ
وكلب لها خبث فرملة عالجٍ إلى الحرة الرجلاء حيث تحابُ
في الكلام على نسب كلب طويل، ونحن نذكره في موضعه إن شاء الله.
وغسان حي عزهم في سواهم يجالد عنهم مقنب وكتائب
- يعني أنهم عمال الروم - قد شرحنا نسب غسان في غير هذا الموضع من كتاب كندة، وبالله التوفيق.
وبهراء حي قد علمنا مكانهم لهم شرك حول الرصافة لاحبُ
بهراء بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، زهط المقداد بن عمرو.
وغارت إياد في السواد ودونها برازيق عجم تبتغي من تضارب
يعني إياد بن نزار بن معد، وكان يقال لهم الطبق لشدة إطباقهم بالشر والعُرام على الناس، ومنهم قيل: وافق شنٌّ طبقةً، يعنون شنَّ بن أقصى بن عبد قيس كذا قال الكلبي:
ولخم ملوك الناس تجبى إليهم إذا قال منهم قائل فهو واجبُ
لخم بن عدي بن الحارث بن أددٍ، وكان اسم لخم مالك، ومن لخم بنو نصر قوم النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وسنستقصي هذا في موضعه إن شاء الله.
ونحن أناس لا حجاز بأرضنا مع الغيث ما نلقى ومن هو غالبُ
يعني أنا مصحرون لا نخاف أحدًا، نكون مع الغيث حيث أغن ومع الغلب حيث عن، ومثل نحو من هذا القول قول ذباب بن معاوية العكلي:
ونحن أناس لا حجاز بأرضنا نلوذ به إلا السيوف البواترُ
[ ٩٩ ]
وقال سويد بن كراع العكلي وقال اللغويون: إن كراع اسم أمه، وإن اسم أبيه عمرو أو عمير، الشك مني:
ونحن أناس لا حجاز بأرضنا نلوذ به إلا السيوف القواطعُ
ولم يبق منا القتل إلا عصابة تطاعن عن أحسابنا وتقارعُ
وأبيض لا يشترى بشيءٍ أفاته أسنّتنا والنقع أغبر ساطعُ
تركنا عليه قصدتي سمهريةٍ وجريان سيفٍ سلَّه إذ تُماصعُ
وفي هذا البيت الرابع غرض حسن، ومعنى بديع، ويشبه قول ناجية بن الأسود الجرمي، وكان بعض السلاطين جلده، فأخذ سيفه من عنقه وضربه به:
ولما علاني بالقطيع علوته وبالكف صافٍ كالعقيقة قاطعُ
فطار بكفي نصله ورياسه وفي جيد سعدٍ غمدهُ والرصائعُ
وفي نحو من هذا يقول ابن زيانة التميمي - زيابة بوزن فعالة مشددة كذا فرآنا على جماعة من الأشياخ، وروى محمد بن داود بن الجراح عن رجاله: ابن زيانة بوزن فعالة تخفيفا ً - والزيابة الفأرة - وفي المثل: أسرق من زيابة، يعنون به الفأرة، ولا أحسب أبا عبد الله محمد بن داود إلا وقد أوهم في هذه اللفظة، لأن الرجل يقول في شعره:
أنا ابن زيابة إن تدعني آتيك والظن على الكاذب
قال محمد بن داود: واسمه عمرو بن الحارث بن همام أحد بني تيم الله ابن ثعلبة، والبيت الذي أردنا إنشاده لمشابهته ما تقدم قوله:
والله لو لاقيته خالدًا لآب سيفانا مع الغالب
والثالث: - من وجوه اشتقاق العرب - أنه مأخذه من العرب وهي النفوس، وأحدثها عربهٌ، مثل قصبةٍ وقصبٍ وأنشدنني أبو أسامة لابن ميادة الرماح بن أبرد المري:
[ ١٠٠ ]
لما أتيتك أرجو فضل نائلكم نفحتني نفحة طابت لها العربُ
وقال: العرب هاهنا النفوس.
ويكون وجه هذا الاشتقاق على معنيين: أحدهما: أنهم من الخلق بمنزلة النفس من الجسم، وثانيهما: أنهم أعز الخليقة نفوسًا، والمعروف ما انفردوا به من صلابة الأكباد وقوه الأرواح وعزة النفوس أشهر من أن نطلب عليه شاهدًا، ومنه قول شاعرهم:
لا شيء أحسن منها إذ تودعنا وجيبها برشاش الدمع مغتسل
يبكي علينا ولا نبكي على أحد لنحن أغلظ أكبادًا من الابل
وقائل هذا الشعر قدير بن منيع، أو أبوه منيع بن معاوية بن فروة ابن الاحمس بن عبدة بن خليفة بن جرول بن منقرٍ، خلاف هذا الشعر أنشدني لهدبة بن خشرم بن كرز بن أبي حية بن الاحسم بن عامر بن ثعلبة بن قرة بن خنبس بن عمرو بن ثعلبة بن عبد الله بن ذبيان بن الحارث بن سعد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة:
باتوا وأتبعهم عينًا مملاة دمعًا وما ذاك إلا الشوق والطرب
نبكي عليهم ولا يبكون فرقتنا أنا وجيراننا من جيرة عجب
وليس بالمطرح في إباء النفس قول إبراهيم بن إسماعيل بن يسار بن فيروز أبن باذام، مولى بني تيم بن مرة:
ونفسي النفس تأبى أن أواتيها على الصغار وتأبى أن تواتيني
من نفس إبليس شقت في حميتها لا نفي آدم في عطفٍ وفي لين
وكان أبوه إسماعيل شاعرًا في زمن عبد الملك ووالده. ولمصنف الكاتب شعر في الإبا قد أطاع هواه فورده وهو:
[ ١٠١ ]
قارعت الأيام مني امرأ قد أعلق المجد بامراسه
تستنزل النجدة من رأيه ويستدر العز من باسه
أروع لا ينحط عن تيهه والسيف مسلول على رأسه
ولعلي بن محمد بن يوسف جد أبي شعر يقول فيه:
وإني على الإقتار همة لها مسلك بين المجرة والنسر
أؤمل نفسي لا أؤمل غيرها من الناس أو يأتي الغنا وهو ذو صغر
وقد أنشدوني لشاعر من قريش، قريش الأندلس شعرًا يقول فيه:
ولو صدت نجوم الليل عني كصدك ما نظرت إلى السماء
وكيف تظن نخوة عبشمي تكون فيه قلب مزيقياءٍ
ولما قدمناه من التفسير سموا يوم الجمعة العروبة لاستكمال خلق النفوس وغيرها من المخلوقات فيه على ما يذكره رواة مبتدأ العالم. ومن ذلك أيضًا قيل له: الجمعة، لأن فيه اجتماع المخلوقات. ومما يدل على شرف هذا اليوم واستحقاقه لهذا الاسم أن الأيام تسمي بأسماء مشتقة لها من العدد في أكثر اللغات غيره، فأنه خص باسم عليه وقال رسول الله (لما قيل له: إن السبت لليهود والأحد للنصارى: " نحن الآخرون السابقون " يعني الآخرون زمانًا والسابقون يومًا، ويروى أن رياح بن الربيع التميمي أخا حنظلة الذي يدعى بحنظلة الكتاب، وهو حنظلة ابن الربيع بن صيفي بن رياح بن الحارث بن مخاشن بن جهور بن غوى بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم - قال لرسول الله (: للنصارى يوم ولليهود يوم، فلو كان لنا يا رسول الله يوم!! فنزلت سورة الجمعة. ويقال: عروبة بلا ألف ولام، وأنشد أهل اللغة: يومًا كيوم عروبة المتطاول.
[ ١٠٢ ]
ويرون أن تعريفه بنفسه أفصح من تعريفه بالألف واللام على انه قد جاء في الشعر الفصيح، وقال الأعشي الكبير:
فبات عذوبًا للسماء كأنما يوائم رهطًا للعروبة صيَّما
يوائم: يشابه. وفي المثل: لولا الوئام هلك الأنام - يعني لولا تشبههم بالكرام. وقد يقال فيها: العروب - بلا هاء - قال عباية بن شكس العنزي ثم الهزاني:
أنا العنزي بن الأسود الذي بهم أسامي إذا ساميت أو أتبحجُ
هم أسروا يوم العروب ابن طالم وأردوا مريئًا فهو للشق مجنحُ
ويروى: الغروب، والأول أثبت.
وإذ قد فسرنا عروبة فالوجه اتباعه بتفسير بقية الأسماء العربية للحاجة إلى ذلك. فأولها: الأحد، واسمه عندهم أول، لأنه أول الأيام، ولذلك أيضًا سمي الأحد، لأن منه ابتداء العدد، وأصله واحد، وأبدل من الواو ألفًا استثقالًا للابتداء بالواو، وقال نابغة ذبيان:
كأن رحلي وقد زال النهار بنا بذي الجليل على مستأنسٍ وحدِ
ويجمع على آحاد وأوحاد، ومثله أناة ووناة للجارية الجميلة الخريدة فأما الأناة الاسم من التأني فلا يكون إلا بالالف لأن أصلها من تأنيت، تفعلت بمعنى تنظرت الشيء إذا آن، أي حان ودنا وقته، ومنه قول يحيى بن يعمر الوشقي - من وشقة بوزن فعلة - بن عوف بن بكر بن يشكر بن عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان: أي مالٍ أديتَ زكاته فقد ذهب أبلته، قال أبو عبيدة: أصله وبلته - أي شره ومضرته - مأخوذ من الوبيل، وهو الضار.
ويسمى يوم الاثنين أهون، لأنه مكروه عندهم، ولكنه أهون طيرة، وأيسر كراهية من يوم الأربعاء، ويسمى أوهد أيضًا مشتقًا من الوهدة وهي الانحطاط، لانخفاض العدد من الأول إلى الثاني.
[ ١٠٣ ]
ويسمى الثلاثاء جبارًا لأنه هدر لا يكره ولا يستحب، وكذلك كل ما لم يعتد به قيل له جبارًا، ومن هاهنا قيل ذهب دمه جبارًا أي هدرًا. قال الأفوه - واسمه صلاءة بن عمرو أبن عوف بن منبه بن أود بم صعب بن سعد العشيرة بن مالك بن أددٍ، قال ابن الكلبي: أود ابن معد بن عدنان وإنما انتقلوا فقالوا: أود بن صعب -:
حكم الدهر علينا أنه ظلف ما نال منا وجبار
جبار: يعني هدرًا ومنه: جرح العجماء جبار، وأصله من جبرت العظم وكأن هذه الأشياء السهلة الهنية يلغى ذكرها جبرًا للمسلم، واعتمادًا لشمل الصلح، ويقال: جبرت العظم، فجبر هو، قال العجاج: قد جبر الدين الإله فجبر ومنه الجباير الاسورة، شبهوها بحبائر العظم الكسير، وواحدها جبارة، وقال الأعشى: وأرتاك كفًا في الخضا - ب ومعصما ملء الجبارة وجمعها جبائر وأنشد الخليل في كتاب " العين " وهو مليح:
وتناولت كفها فاتقت بالجبائر
ثم قالت واستضحكت: هكذا غير صاغر
وأما الظلف فهو الهدر أيضًا قال اللغويون: الظلف شبه الأخذ للشيء ومنه الظلف وقد جاء الظليف بوزن فعيل بمعنى الظلف، قال رجل من بني ربيعة بن ذهل بن شيبان، يصف رجلًا منهم عقر فرسه لضيفه:
هو العاقر الحواء ليلة لم يصب لأضيافه إلا الشريعة في اللبد
فقال: كلوها في ظليف فإنني سأورثها من وارثٍ باخل بعدي
[ ١٠٤ ]
ويسمى الأربعاء دبارا لشدة ثقله عليهم، وتقرير الطيرة منه في نفوسهم منه، يرون أن المزوج فيه لا يلقى خيرًا والمبضع لا يصادف ربحًا، والمسافر لا يصيب نجحًا، مأخوذ من الدبرة، وهي الهزيمة يقال: كانت الدبرة على بني فلان ٠٠٠٠الهزيمة. ومن٠٠٠٠ الدبري.
ويسمى الخميس مونسا، لخفته على قلوبهم، وطلاقته عندهم. ورشاد من يفعل فيه فعلًا ويمن من يطلب فيه أمرًا، وهو كذلك في الإسلام، قد كان رسول الله (يتبرك به ويحب السفر فيه. وقال شاعر قديم:
فلو أنه أغنى لكنت لخندف على اليأس حتى ملها العمر تندب
إذا مونس لاحت خراطيم شمسه بكت غدوة حتى ترى الشمس تغرب
يعني ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة المسماة بخندف أم ولد الياس بن مضر، وكان مات يوم الخميس فكانت تبكي كل خميس من الغدوة إلى الليل، ونستورد الخبر والشعر، بالشرح من هذا القول في موضعه إن ساء الله. ويسمى الجمعة عروبة - وقد مر تفسيره.
ويسمى السبت شيار مشتقًا من الشارة وهي الحسن والجمال لبركته عندهم، ألا ترى إلى قول رسول الله (: " بورك لأمتي في بكورها، يوم سبتها وخميسها " أو كما قال. وقد روى بعض أهل النقل: " اللهم بارك لأمتي في بكورها " فقط دون الاقتصار على السبت والخميس.
أخبرني أبو مسلم قال أنبأنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن بكر المعروف بابن حمدون البالسي حدثنا بباليس سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة قال حدثني عماي إبراهيم وجعفر أبنا محمد بن بكر قال "؟ " أنبانا إبراهيم بن مهدي عن علي بن مسهر عن عبد الرحمن
[ ١٠٥ ]
بن أسحق عن النعمان بن سعد عن علي ﵇ أنه قال: قال رسول الله (: " اللهم بارك لأمتي في بكورها " وهذا أشبه بما روي عنه (من التسوية بين الأيام بما في جميعها من البركة والإحسان.
ومن هذا المعنى يقال هو أشور منه أي أحسن منه، قال كبد الحصاة العجلي - واسمه عمرو بن قيس -:
صبرت وبعض الجهل ما يتذكر وصبرك عن ليلى أعف وأشور
وعداك عنها نأيها ومشيبة من الحراب لا يصلى بها المعتذر
أعف وأشور: أراد أحسن وأجمل، كذا حكي لنا في اشتقاق شيار عن العرب أنفسها، وفي هذا الاشتقاق بعض النظر، لأنه لو كان من الشارة لكان شوار مثل شوار البيت وأصل الشارة شورة، وانقلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، على أصل القوم، ولذلك جاء: أعف وأشور بالواو منه، وأنشد ثعلب: أفز عنها كل مستشير أي كل طالب للشارة والجمال، ومنه الشوران الزعفران لجمال لونه وإشراق منظره. ومنه يقال: شار الدابة يشورها شورًا إذا عرضها وأظهر محاسنها، ويقال للمكان الذي يكون فيه ذلك المشوار، وإلى هذا تذهب العامة في قولها لفلان نشوار - بالنون - والنشوار ليس من هذا في شيء، وهو ما يلقيه الدابة من فضلات علفه على نواحي آريه، وما دري كيف يجيء شيار من هذا وأصله الواو، على أن أبا بكر أبن دريد قد قال: إن الشير بالياء على وزن فعل فخفف، من قولهم: شير وصبر إذا كان حسن الصورة والشارة مثل قولهم: ميت وقيل هو تخفيف وقيل وميت، فيجوز أن يكون شيار جمعه، لأن فعالًا في جمع فعل باب مطرد، مثل عذب وعذب وجبال وجبل، ومن ذلك قولهم: جاءت الإبل شيارًا، وجاءت الخيل شيارًا، إذا جاءت سمانا حسانا. وقال عمرو بن عدي بن معدي كرب بن عبد الله بن عصم
[ ١٠٦ ]
بن عمرو منبه - وهو زبيد الأصغر - بن ربيعة بن سلمة بن مازن بن ربيعة بن منبه بن سعد العشيرة:
أعباس لو كانت شيار جيادنا بتثليث ما ناصيت بعدي الاحامسا
فيكونون سموا اليوم باسم جامع، وهو سائغ، حسن، وكان أبو الحر عبيد الله بن حفص التغلبي يقول: إن الشيار من الاضداد يكون خيار الشيء وحسنه، ويكون رديئه وعفنه، وروى أن رجلًا من العرب ذم رجلا فقال: والله ما أطعمني إلا خبر شيار، يعني خبزًا عطنًا. وإن كان هذا ثبتًا فيجوز أن يكون السبت سمي شيارًا لأنه آخر الأيام في الخلق، ولأن العطن إنما يكون من تأخر مدة الشيء وطول عهده، وأهل اللغة ينشدون هذين البيتين:
أومل أن أعيش وإن يومي بأول أو بأهون أو جبار
أو التالي دبار فإنه أفته فمونس أو عروبة أو شيار
وقال بعض أهل العلم: إنهما مصنوعان، ودليل ذلك تكلفهما ومنع ما يستحق الصرف من أسمائهما.
والسبت نفسه معناه لأن الأعمال انفطعت، والخليفة تمت يوم الجمعة، فكان يوم السبت منفصلا منقطعًا، أو لأنه قطعة من الدهر.
وفي السبت وجوه عدة يطول بإيرادها القول.
ولولا خوف شتات الغرض لذهبنا شوطا في تفسير الشهور والسنة والعام والحول والعصر، والشتاء والصيف والربيع والخريف، والليل والنهار، والساعة والإنى، وغير ذلك من تفصيل الزمان. ولعل أكثره أن يرد مبددًا في أثناء التصنيف، وبالله التوفيق.
والقول الرابع: أنه مشتق من العرب وهو حسن العشرة وجمال الخليقة. ومن ذلك العروب للمرأة الحسنة الخلق، والمحببة لزوجها، المتحببة إليه، المتجردة في التبعل له، قال الله ﷿: (أبكار عربًا أترابًا) وهي جمع عروب. وقال الأعمش: - سلمان بن
[ ١٠٧ ]
مهران الأسدي -: كنت أسمعهم يقولون: عربًا بالتخفيف مثل الرسل الكتب. ولغة بكر وتميم التخفيف في مثل هذه الأشياء، والوجه التثقيل، وعليه جاءت القراءات. وقال الشاعر في العروب أنشده محمد بن زياد:
وعروب غير فاحشةٍ قد ملكنا ودها حقيا
ثم آلت لا تكلمنا كل حي معقب عقبا
وقال أوس بن حجر:
وقد لهوت بمثل الريم آنسةٍ تصبي الحليم عروب غير مكلاح
ويقال أيضًا في معنى عروب: عربة بوزن فعلةٍ مكسورة العين، ذكر أبو عبيد، وكون وزنها فعلة يصح أن المصدر العرب محركًا، ويكون وجه هذا الاشتقاق أنهم لكرم أخلاقهم، واتساع جودهم وبشرهم لعارفيهم سموا بذلك. وقد سموا عرابة، وهو عرابة بن أوس الأوسي، وسنستقصي ذكره عند ذكر الشماخ من كتاب " ذبيان " إن شاء الله. وقد كنوا بأبي عروبة، وفي عنزة رجل يقال له أبو عروبة بن شاس من بني جلان وكان شاعرًا فاتكا. وأغار الحطم - واسمه شريح بن ضبيعة بن شرحبيل بن عمرو بن مرئد بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة - على بهراء، فأصاب منهم رجلًا شريفًا فأسره، وكان معه ناس من عنزة، منهم أبو عروبة، فقتل أخ لأبي عروبة، فقالوا لأخيه: ما تدع هذا الأسير؟! آلا تقتله بأخيك؟ فشد عليه أبو عروبة فقتله، فأخذه الحطم فأوثقه في القد فكان الأسير، فقال في ذلك أبو عروبة.
غادرت ثأري مضرجًا بدمٍ ولم تغلني مقالة الحطم
وقال في أبيات يهجو بها الحطم:
يبيت يثني أيره فوق فخذه إذا فلت أسرى أصبح المرء باركا
[ ١٠٨ ]
واستغاث أبو عروبة وهو في قدة بعباد بن مرثد بن عمرو بن مرثد بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، وعمل إليه أبياتا منها:
يا من لهم يبيت الليل يكلوني كأنه موفق بالنبل يرميني
من ذا أعوذ به منه فيمنعني ولن أعوذ بذي رجلين ممحون
يعني نفسه - وممحون محبوس - فلم يصنع شيئًا فأتاه أبجر بن جابر العجلي فاشتراه بمائةٍ من الإبل واعتقه فقال:
قولا لأبجر والمعروف نافلة عندي وعمد بني عمي وأعمامي
رأبت ما لم يكن حي ليرأبه إلا الهمام على بوسي والنعام
فالله يجزيك عما لم تجاز به وعن شوابك أصهار وأرحام
وقال أبو عروبة أيضًا:
رضينا بعجل في اللقاء فوارسًا إذا أزمات الموت حبت حياتها
يسود عجلًا صبرها برمحها ويحمدها مضرورها وعنانتها
وقد كان بحران بأخرة رجل محدث من بقية أهل الإسناد يقال له أبو عروبة الحراني، واسمه الحسين بن محمد بن مودود، وكان أبو الفضل الوزير - ﵀ - يذكر لنا أن أباه سمع منه شيئًا كثيرًا، وكان أبو الفضل نفسه - ﵀ - يروى عنه شيئًا كثيرًا بالمكاتبة والإجازة، وقد كان سعيد بن عروبة أحد المصنفين الثقات، وسعيد يكنى أبا النضر، وأسم أبى عروبة مهران مولى بني يشكر. وكان سعيد يروى عن سعيد عن قتادة بن دعامة السدوسي وحدثني الحسن أبن عبد الصمد بن الحسين بن يوسف عن أبيه عن أحمد بن إبراهيم الأشناني عن أحمد بن عبيد النحوي عن الواقدي عن قيس بن ربيع الأسدي عن السدي عن أبي مالك قال: لم يؤمن مع لوط أحد من الناس ألا بنتان له يقال لأكبر هما رية والصغرى عروبة.
والقول الخامس: انه مشتق من العرب وهو فساد المعدة يقال: عربت معدته نعرب
[ ١٠٩ ]
عربًا، مثل ذربت تذرب ذربًا، ذكره أبن دريد والجماعة وأنشدوا: لا يشتكي معدته من العرب ويكون وجه هذا الاشتقاق أنهم لحدة شوكتهم وخشونة ملمسهم وصرامة بأسهم أشجوا جميع الأمم المخالفة لهم، وكانوا فيهم بمنزلة هذا الداء من المعدة في مبالغته أذاها وإضراره بها. والقول السادس: أنه مشتق من العرب وهو الفجور والفساد، قال أبن الأعرابي أبو عبد الله، وأنشد شاهدًا عليه:
فما خلف من أم عمران سلفع من السود ورهاء العنان عروب
قال: أراد فاجرة فاسدة، فأما كون مصدره على فعل فليس مما يوجبه القياس إلا أن أبا عمر الزاهد ذكره مسندًا عن أبن الأعرابي، والشعر للأقرع بن معاذ بن سنان بن حزن بن عامر أبن سلمة الخبر بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن الناس، واسم الأقرع الأشيم وقيل: الأشم وإنما سمي الأقرع بقوله، وأول القصيدة التي البيت الشاهد منها:
ألا حبذا ريح الغضاحين زعزعت بقضبانه بعد الطلال جنوب
وقد قال أبو الحسن علي بن حازم النحوي اللحياني: هي العاشق الغلمة.
وقال يحيى بن زياد بن عبد الله الفراء: هي الغنجة، فأطافا بالمعنى الذي صرح به أبو عبد الله وهو الفجور، ومن ذلك سمي النكاح الأعراب. وقال أبن عباس في قوله: فلا رفث ولا فسوق قال الرفث الذي ذكر هاهنا التعريض بذكر النكاح، قال أبن عباس: وهو العرابة في كلام العرب. يقال عربت وأعربت إذا أفشحت. قال روبة بن عبد الله العجاج: والعرب في عفافةٍ وإعراب
[ ١١٠ ]
أراد بالعرب المتحببات إلى الأزواج، والإعراب من الفاحش، فمعناه أنه يقول: يجمعن العفافة عند الغرباء، والإفحاش عند الأزوج كما قال الفرزدق:
يأنس عند بعولهن إذا خلوا وإذا هم خرجوا فهن خفار
ومنه قول أبي محمد عطاء بن أبي رباح: أنه كره الأعراب للمحرم، يوميء به إلى النكاح،.
ويكون اشتقاق اسم العرب من هذا المعنى وهو الفجور أنهم عاملوا الناس في الجعجعة بهم والغلظة عليهم معامله الفجار، فسموا بذلك وأن لم يكونوا فجارًا، وعلى مثل هذا فسر بعض المفسرين قول الله ﷿: (يخادعون الله والذين آمنوا، وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون) وقال: معنى " يخادعون " يفعلون أفعال المخادعين، وإن لم تكن الخديعة واقعةً منهم، إذ كان أصل الخدع إخفاء الشيء، والله تخفى عليه خافية، هذا قول بعض أهل العلم والله أعلم بكتابه. وعلى نحو منه فسر صاحب اللواء:
حلفت لها بالله حلفة فاجر لناموا فما إن من حديث ولا صال
وذلك أنه لما كان من شأن الفاجر أن يغلظ يمينه، ويؤكد أليته حلف لها أمرؤ القيس كيمين الفاجر، وأن لم يكن فاجرًا في قسمه، ويوضح ذلك أنه قال بعد هذا البيت:
سموت إليها بعد ما نام أهلها سمو حباب الماء حالا على حال
فقد صح ما أقسم عليه من نومهم، وبطل أن يكون في يمينه، ولم يبق إلا حمله على الوجه الذي ذكرناه، وكذلك هؤلاء فعلوا أفعالًا ساء موقعها عند من فعلوها معه من أعدائهم سوءًا شابهوا به أفعال الفجار وإن لم يكونوا فجارًا، ويجوز أن يكون محمولًا على أصل الفجور وهو الظهور والبروز ومنه: في فلان فجر، أي كرم ظاهر وجود فائق، ويكونون سموا بذلك ليرزوهم عن الأمم وظهورهم على الطوائف.
[ ١١١ ]
والقول السابع: أنه مشتق من العرب وهو مصدر عرب الجرح يعرب عربًا، إذا بقيت له آثار بعد البرء، عن أبي زيد سعيد بن أوس الأنصاري، ويكون وجه هذا الاشتقاق أنهم لبروز أفعالهم وبقاء آثارهم وخلود نكايتهم لأعدائهم سموا بذلك.
والقول الثامن: أنه مشتق من العرب وهو كثرة الماء، ومنه بئر عربة إذا كثر ماؤها، ذكره ابن حبيب، واستشهد بقول طفيل الغنوي:
ولا أكون وكاء الزاد أحسبه لقد علمت بأن الزاد مأكول
ولا أقول وجم الماء ذو عرب من الحرارة: أن الماء مشغول
وقال محمد بن زياد الإعرابي أيضًا: يقال: ماء عرب ونهر عرب وبئر عربة، كله يراد به كثرة الماء.
ولهذا الاشتقاق وجوه: إحداها أنهم لاشتباه حسن أفعالها ووجدان الكرم في كافتهم سموا بذلك، وقد قيل في المثل: أشبه به من الماء بالماء.
وثانيهما: أنهم لكرم أنسابهم وخلوص أعراقهم وصفاء أصولهم سموا بذلك، كما قيل للحصان الصحيحة النسب من النساء: ماء السماء. وكما يقال: حصان كماء المزن.
وثالثها: أنهم لاستغنائهم بأنفسهم. واكتفائهم دون الحاجة إلى غيرهم وتحيزهم بتدبير أموالهم عن أكثر أغراض سواهم سموا بذلك، لأن الماء يوصف بالغنى عن الأشياء وبحاجتها إليه كما قال سهل بن هارون بن راهبون البليغ - ﵀، في بعض حكمه، يصف بعض الملوك في جلالة قدره، واستغنائه عن آراء اتباعه وعن مساعي أعوانه -: كالماء الذي ليس به إلى شيءٍ حاجة، ولكل شيء إليه أمس الضرورة.
ورابعها: أنهم لما أحيوه من الأرض الميتة، وأقاموه من الأعلام الدارسة، وأهلوه من القفار العازبة، سموا بذلك، تشبيهًا بالماء الذي به حياة كل شيء قال الله ﷿: (وجعلنا من الماءِ كلَّ شيءٍ حيٍّ) .
[ ١١٢ ]
والقول التاسع: أنه مشتق من العرب، وهو النشاط قال النابغة الذبياني:
والخيل تمزع عربًا في أعنتها كالطير تنجو من الشؤبوب ذي البردِ
وقد رواه الناس قاطبة بالغين معجمة إلا أن الخليل أورده في باب العين، وقد نوزع فيه، ووجه هذا الاشتقاق أنهم سموا بذلك لنشاطهم إلى إحراز المآثر، وتسرعهم إلى معونة الثائر وإجابة دعاء الجار المجرور، واشتياقهم إلى اغتنام الثناء، وإدراك مناقب الكرماء، كما قال شاعرهم:
ومستنبحٍ قال الصدى مثل قوله حضأتُ له نارًا لها حطبٌ جزلُ
وقمت إليه مسرعًا فغنمته مخافة قومي أن يفوزوا به قبلُ
والقول العاشر: أنه مشق من العرب وهو يبيس البهمى، وأحدتها عربة وقال أبو زياد - وهو يزيد بن عبد الله بن الحارث بن همام بن دهر بن ربيعة بن عمرو بن نفاثة بن عبد الله بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة - إن البهمى خير أحرار البقل رطبًا ويابسًا.
ووجه هذا الاشتقاق أنهم سموا بذلك لأنهم من البشر بمنزلة البهمى من البقل. ويكون فيه وجه آخر أقوى من هذا وهو أن يبيس البهمى هو سفاها، والعرب تضرب به المثل في حدة شوكه، وتذلق غربه، حتى أنهم يسمونه نصالًا، قال القحيف العقيلي:
على كل ذيال أطار نسيله عياب الحيا والخصب حتى تفيلا
رعى الروض والقربان حتى إذا رأى نصال السفا من حيث ركبن نصلا
وقال الآخر، وأنشده ابن الأعرابي: إذا استنصل الهيف السفا برحت به عراقية الأقياظ نجد المرابع
[ ١١٣ ]
فيكونون سموا بذلك لحدة شجاعتهم، ونفوذ عزائمهم، وقد قيل في العرب إنه بالغينمعجمة، والعين أثبت.
والقول الحادي عشر: أنه مأخوذ من التعريب، وهو الجبه بالغلط والرد، ومنه قول عمر: ما لكم إذا رأيتم الرجل يخرق أعراض الناس أن لا تعربوا عليه؟ فقالوا: نخاف لسانه. قال ذلك أدنى أن لا تكونوا شهداء، رواه أبو عبيد وابن الأعرابي وغيرهما. ومعنى تعربوا عليه أي تردونه، وتدفعون قوله. وقال أوس بن حجر:
ومثل ابن عثم إن ذحول تذكرت وقتلي تياس عن صلاح تعربُ
ابن عثم: أحد بني جشم بن سعد. وتياس: أرض التقت فيها بنو سعد وبنو عمرو وكانت المعلاة لبني عمرو، قوم أوس يقول: فمثل هذه القتلى يمنع تذكره من الصلح.
ويكون وجه هذا الاشتقاق أنهم سموا بذلك لأنهم يردون حكومة الظالم، ويعصون أمر الغاشم.
والقول الثاني عشر: أنه مشتق من العبة، وهو النهر الشديد الجري، عن ابن دريد. ووجه هذا الاشتقاق أنهم شبهوا بالماء الجاري في قوة مسيله. وأعتياص رده وجره ما وجد في جريته.
فأما العربة لهذه المنصوبات على دجلة والفرات فمولد، إلا أن ثعلبة قد ذكره وصححه وقال: سميت بذلك من العربة وهو الشديد الجري من الأنهار، ولذلك لسرعة مدارها واتصال جريانها.
والقول الثالث عشر: أنه مشتق من التعريب، وهو مداواة للخيل بالنار، تسمى التبزيغ، وسميت العرب من ذلك لبلوغهم في شفاء الصدور بدرك الثأر، وإحكام ما عقدوه
[ ١١٤ ]
من عهد وذمام مبلغ الكي الذي هو آخر الأدوية وأصعبها.
والأعراب جمع العرب. كالأعزاب جمع العزب، ولكن الشعراء استعملته بعد ذلك على اللفيف وسواد القبائل، ألا ترى إلى قول مكيث بن معاوية الكلبي - وقيل: مكيث بالضم -.
وما أسل الأعراب أرجو به الغنا ولو سلبت مالي سنون سوالبُ
وقول الأشهب العكلي:
يسموننا الأعراب والعرب اسمنا ونحن نسميهم رقاب المزاودِ
وقال أبو فرعون السائل العدوي من عدي بن عبد مناة بن أد بن طابخة - واسمه شاكر ابن:
ولست بسائل الأعراب شيئًا حمدت الله إذ لم يأكلوني
وقد كنا ذكرنا مصدر عربي، فأما أعرابي فمصدره الأعرابية، قال بعض الشعراء:
وإني لأهذي بالأوانس كالدمى وإني بأطراف القنا للعوبُ
وإني على ما كان من أجنبيتي ولوثة أعرابيتي لأديبُ
وأذكرني هذان البيتان بيتين لأبي الشغب العبسي:
لعمرك إني يوم راح ابن كوكب لصب وإني للهوى لغلوبُ
وإني على بعض الأناة ورسلتي لأبعد ما يرجو الفتى لطلوبُ
[ ١١٥ ]