الباب الأول: - من هذا القسم في ذكر امرئ القيس الأكبر صاحب اللواء وذكر قبيلته كندة.
فصل جعلناه مقدمة لهذا الباب، نذكر فيه الكلام على لفظة " امرئ القيس " من طرق النحو واللغة، وبالله التوفيق. قالوا: يقال مَرء - بوزن فعل - ومُرءٌ - بالضم فيه - وأنثاه مرأة، وقد تحذف الهمزة وتلقى حركتها على الساكن الذي قبلها فيقال: مَرَةٌ، وقد يقال: مراة. قالوا: وهو أبعد اللغات. ويقال: هذا مرء ورأيت مرأ، ومررت بمرءٍ، وقد روي أنه يقال: هذا مرء ورأيت مرأ، ومررت بمرءٍ، فتجعل حركة الميم تابعة للإعراب، وذلك لضعف الهمزة عن تحمل الإعراب فجعلوا الميم تابعة لها، لتقوا بذلك، وتخطوا إلى الميم دون الراء لئلا تخرج إلى الثقل بتحريك عينه، وهم يهربون إلى تسكين المحرك لثقله، ويقال في تثنيه: مران ومرآن، وفي تثنيته مؤنثه: مرأتان ومرتان ومراتان جمع له من لفظه، ما حكى عن أبي سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري - مولى جميلة بنت قبط بن يزيد بن عمرو بن حديدة بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن الأزد، وجميلة هذا زوج مالك بن أنس بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب أبن عامر بن غنم بن عدي بن النجار - وإنما سمي النجار لأنه ضرب رجلًا فقيل: كأنما نجره - وهو تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن حارثة - أنه قال في بعض قصصه: يا أيها المروون،
[ ١٢٧ ]
فجمعه على أصله، ذكر ذلك عنه أبو محمد جعفر بن درستويه النحوي في " شرح الفصيح " ويقال على هذا في جمع المرأة مرآتٍ، فأما امرؤ وامرأة فمنتقل عن أصله بألف وصلةٍ، ونحن نحتاج إلى مزيد في شرحه، وذلك أنه اسم، وألف الوصل من خواص الأفعال، لأنه يعرض فيها ما يحتاج لأجله اليها، وهو أن المستقبل كان من حقه أن يكون مفتوح الأول على قياس ماضيه فيقال: يعمل ويصنع، فثقل عليهم توالي أربع حركات، ولم يكن إلى إسكان الأول سبيل، لتعذر الابتداء بالساكن، ولا إلى إسكان الثالث لأنه عين الفعل، وبحركته يعرف اختلاف الأبنية، ولا إلى إسكان الرابع لأنه مركز الإعراب، فأسكنوا الثاني إذ كان لا يمنع من تسكينه مانع، فصار يعمل، فلما احتاجوا إلى الأمر حذفوا حرف المضارعة الذي هو الياء المخبرة عن فاعل غائب لغناهم عنها، وذلك أنها علامة الاستقبال والأمر لا يكون إلا مستقبلًا، لا يجوز أن تأمر بماضٍِ فأغنت هذه النصبة عن حرف الاستقبال، مع طلبهم التخفيف، فبقيت فاء الفعل ساكنةً، وليس يجوز الابتداء بساكنٍ فاحتاجوا إلى الهمزة ليتوصلوا بها إلى النطق بالساكن، إلا أن يكون معتلًا أو مدغمًا، فيكون اعتلاله أو إدغامه قد حرك أوله، والرباعي وما وراءه من الأبنية يجري هذا المجرى، والتأمل له مع هذا المثال الذي أوردناه يغني عن استقرائه، وقصدوا الهمزة لعلتين: إحداهما أنها أول مخرجا، فكانت أول شيء ليقيم من الحروف عند الاستقراء، والعلة الثانية: تيسر حذفها عند الأدراج، وسميت الهمزة ألفًا لأنها تنقلب إلى الألف قوال " راس " وأصله " رأس " وقد تنقلب ياء في قولك " ذيب " وقد تنقلب واوًا في قولك " سرو " إذا لينت " السرو " وهو البقية، ومنه سائره - مهموزًا - أي أخذت بقيته - والناس كثيرًا ما يغلطون هاهنا فيخبرون بسائره عن جميعه، وذلك خطأ، وأصله ما بينته لك.
وعلة أخرى في تسمية همزة الوصل ألفًا وهي أن الهمزة - كما قلنا - في أول المخارج، والألف فهي أول الحروف المرتبة للمعجم، فكان بينهما بذلك مناسبة أوجبت الاشتراك في التسمية، ولذلك خصت الهمزة باسمها دون الواو والياء، وقد ينقلبان عنها.
[ ١٢٨ ]
ومما قد يسأل عنه أنه يقال: كيف كانت صورة عند إحضارها؟! وهل كانت متحرك أو ساكنة؟ فإن كانت متحركة فبما إذن استحقت الحركة، لأن الحروف كلها حقها أن تجيء مرسلة عطلا حتى تستحق الحركة بعد ذلك بأحد الأسباب الموجبة؟ وإن كانت ساكنة فكيف يتوصل بالساكن إلى النطق بالساكن؟ والجواب عن هذا أنها أحضرت ساكنة في نية المتحرك، لأنهم قصدوا بها الابتداء، فوجب لها بهذا القصد شيء من الحراك ووجب عليها بأنها لم تبتدأ بها بعد السكون، فكانت في منزلة بين ذينك، وهي السكون بنية الحركة، فلما ألصقوها بالكلمة حركوها إلى الكسر، وإنما كانت بشريطة التقاء الساكنين " ٠٠٠ " لأن تحريك التقاء الساكنين بناء، ووجدوا الفتحة والضمة ويكونان للإعراب والبناء، ورأوا أن الكسرة لا تكون إلا للبناء فاختاروها لذلك، ولعلل غيره يطول ذكرها. وقد تجيء ألف الوصل مضمومة في الفعل الذي عينه مضمومة مثل " يقتل " والعلة في ذلك أن ألف الوصل لو جاءت هاهنا مكسورة لكان اللسان ينتقل من كسر إلى ضم، لأن فاء الفعل الساكنة حاجز غير حصين فينقل، مع أنه يكون بمنزله " فعل " وليس هذا من أبنيتهم، وعدلوا إلى الضمة دون الفتحة لئلا يلتبس بإخبارك عن نفسك إذا جئت به على الوقف فقلت: " أقتل " وإذا أدرجت سقطت ألف الوصل للغنى عنها بلقاء الساكن متحركًا مما قبله، فلما كانت ألف الوصل من لواحق الأفعال لم يستحقها من الأسماء إلا ما شابهها، وهي أسماء قلائل، جانست الأفعال في حذف الأواخر شيء يلزم الأفعال لكونها متصرفة متقلبة في قواليب الأمثلة، وكانت أواخرها أخص به لا " ٠٠٠ " التعبير بها من جهة كون الإعراب فيها، ولتطرقه في الجزم عليها، فلما جانست هذه الأسماء استحقت ٠٠٠ لمشاركة في بعض الخصائص، فزيدت فيها ألف الوصل، مع دعاء الحاجة إلى ذلك في بعضها أن يكون أولها. فمن تلك الأسماء امرؤ، وكان أصله مرء بوزن فعل،
[ ١٢٩ ]
والدليل على ذلك تصغيرهم إياه على مريءٍ، بوزن فعيلٍ، وقال الشاعر - ويمر خبره مستقصى في باب هلهل إن شاء الله -:
قتلنا مريء القيس غصبًا بربه بواءً وأطلقنا إليهم مهلهلًا
وقد سموا بمريءٍ، وفي دليل من عبد القيس رجل اسمه مريء، وفي الأنصار من الخزرج رجلان اسم كل واحد منها مريء، وليس بشاهد لنا لأنه تصغير مرءٍ، قبل إدخال ألف الوصل، ولذلك لم نسق أنسابهم، فوقعت الهمزة لام الفعل وهي تعتل كاعتلال حروف المد اللين، مع ما فيها من الضعف بكونها أخيرًا، ومن الاستعداد للتغيير بالتخفيف وغيره، فقل احتمالها للإعراب، وكان ضعفها وعجزها من الإعراب الذي هو حلي الكلمة وقيم معناها كعمدها، وحضورها عندهم كمغيبها، فعدوا هذا الاسم مما آخره محذوف، ورأوا أنه يستحق شيئًا من آلات الفعال لمشابهته إياها بهذا النقص، فأعطوه ألف الوصل في أوله، بعد أن اسكنوا فاءه التي هي الميم، ليزيد عذرهم بيانًا في إدخال ألف الوصل، وليكون مورد ألف الوصل على الميم ساكنة كموردها على فاء الفعل الساكنة، ولتستوفي في هذا التعويض الذي أعطته كلية المشاكلة. وحركوا الراء لعلتين: إحداهما أنهم لما أسكنوا الميم - كما قلنا - لم يجز بقاء الراء ساكنه لئلا يلتقي ساكنان، وليس يسوغ ذلك في النطق. والثانية: الاحتزاز من تطرق التغيير على الهمزة بكونها متحركة قبلها ساكن. واختلف بعد ذلك في حركة الراء. فبعض العرب يلزمها الفتح، فيقول: رأيت امرأً، وهذا امرأً، ومررت بامرئٍ، ويقول إنه لما اضطر إلى تحريكها ذهب بها إلى الفتح لأن أخف الحركات. وبعضهم - وهو الأكثر الأشهر - يجعل الراء تابعة للإعراب الواقع على الهمزة، فيقول: هذا امرؤ، ورأيت امرأً، ومررت بامرئٍ، وذلك لأن الهمزة على ما قدمنا من الضعف، فعضدوها بمشاركة الراء لها، وتحملها الإعراب معها، ومن أجل هذا لم يضموا الألف في قولهم: هذا امرؤ، ولم يتبعوها ضمة الراء، كما ضموضها في قولك: " أقتل " اتباعًا لضمة التاء، وذلك لأن الراء ليست الضمة لازمة لها، وإنما هي أحد وجوه تصاريفها. وبعض الناس يرى أن الإعراب واقع على الراء، وإن حركة الهمزة مفحمة لا يعتد بها مثل قولهم: يا طلحة أقبل،
[ ١٣٠ ]
وهم يريدون: يا طلح أقبل. ولو أرادوا المناداة باسمه من غير ترخيم لقالوا: يا طلحة أقبل، بضم الهاء على حكم الاسم المفرد، وهذا القول غير طائل في قولهم: امروء، من أجل أنه يحصل الأعراب في وسط الاسم، وذلك لا يتمكن في كلامهم، والعلة في ذلك أنه لا يكون في أوله من أجل استحقاق الأول للحركة، إذ كان لا يقع الابتداء بساكنٍ، فلما استحق الحركة اللازمة كان بمنزلة ما استحق البناء فلم يعربوه في أوله، لأن الإعراب يتغير وينتقل، ومن رأيهم أن يبنوه، ولم يجز أن يعربوه في وسطه لئلا يختل نظام الأبنية، فلم يبق غير آخر فأعربوه فيه، ووجه آخر: أن الإعراب يستحقه الاسم بعد تمام الاسمية فيه، فكان الوجه على هذا أن يعرب في آخره على نحو قولهم: امرؤ، واتباعهم الراء حركه الهمزة، أجروا قولهم ابنم، وقد استقصينا شرحه بعلله وشواهده في غير هذا الكتاب.
وأما قولنا: امرأة فحركت الراء بالفتح، لأنه أخف الحركات، وتحصنت عن أن تتبع حركة الإعراب، لأن الهمزة استغنت عن حرف يعينها في حمل الإعراب، لانتقاله عنها إلى الهاء الموردة للتأنيث مع استفادتها - أعني الهمزة - بعض القوة لتوسطها واحتجازها عن التطرف بالهاء التي بعدها. والكلام في هذه المسألة يتسع لأكثر مما قلناه، ولكنا نرى الاختصار.
وإذا نسبوا إلى امرئ القيس قالوا: امرئي بوزن امرعي بكسر الراء، واقتصروا بالراء على الكسر لمكان ياءي النسبة واستدعائهما الكسر في المشاكلة، هذا القياس عند أبي بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، مولى بني الحارث بن كعب، من مذحج، وعند عامة النحويين، والذي تكلمت به العرب مرئي، بوزن مرعي، وهو عند أهل العربية على الشذوذ، وقال ذو الرمة غيلان بن عقبة بن بهيشٍ - بالشين معجمة - بن مسعود بن حارثة بن عمرو بن ربيعة بن ساعدة بن كعب بن عوف بن ثعلبة بن ربيعة بن ملكان - في قضاعة ملكان وفي السكون ملكان والباقي كله ملكان - بن عدي بن عبد مناة بن ادبن طابخة - واسمه عامر - بن الياس بن مضر، في هجائه هشام بن قيس المرئي:
[ ١٣١ ]
ويسقط بينها المرئي لغوًا كما ألغيت في الدية الحوارا
إذا رئية ولدت غلاما فألام ناشيء نشيغ المحارا
وكرر ذكر المرئي في أبيات كثيرة لا نرى الإطالة بإنشادها، ويجوز أن تنشد بالتخفيف فتكون ألزم لطريق القياس، على أنه منسوب إلى مرءٍ من قولك مرء القيس.
قال أبو بكر الأنباري: يجوز في اللفظ به أربع صيغ: تقول هذا أمرؤ القيس - بضم الراء - وهذا امرؤ القيس - بفتح الراء - وهذا مرء القيس - بفتح الميم وتسكين الراء - وهذا مرء القيس - بتسكين الراء وصم الميم - فيقال على هذا: المرئي، وليس يخل بالوزن إلا أن السماع في هذا البيت وفي غيره من كلامهم مرئي - بالتحريك - ولعلهم حركوه خيفة التباسه بقولهم: رجل مرئي، أي منظور إليه، ومرئي أيضًا من رايته إذا أصبت رئته، مثل: قلبته إذا أصيب قلبه، ومثل قولهم: قتله، وإنما يعنون أصبت قاتله أي نفسه، والقتال النفس قال الشاعر: يدعن الجلس نحلا قتالها وفي نحو منه قولهم: بحت بالشيء، إنما يعنون به أظهرت ما في بوحي، والبوح النفس وقال أبو جعفر محمد بن حبيب مولى بني هاشم: كل امرئ القيس في العرب فالنسبة إليه مرئي كما جاء في شعر غيلان إلا صاحب اللواء فإن النسبة إليه مرقسي، مثل عبشمي وعبدري.
وجمله القول اللغوي في هذه الكلمة أن المرء الرجل والمرأة تأنيثه، وأصل هذا الباب الجري، فيقال: امرأة كما يقال: جارية، لأنها تجري في نمو وشباب، وكذلك الرجل أيضًا، ومنه الشيء المريء، يراد به الذي يجري في مجاريه ويسوغ أن يقصد مصدره المراءة، بوزن المراغة، ويقال: مرأ الطعام يمرأ مراءة، كما يقال: قمأت الماشية تقمأ قماءة، ومرو الرجل يمرو، كما يقال: قمو الرجل يقمو، عن محمد بن زياد الأعرابي. ويقال: استمرأت الطعام وهذا يمريء الطعام أي يسهل جريه وينفذه، ومنه المريء من
[ ١٣٢ ]
الحلق، وهو المسترط، الذي يجري فيه الطعام والشراب إلى المعدة، وجمعه أمرئة على أفعلة، ومرؤ - بوزن فعل مضموم الفاء والعين - وأبو أسامة يروي هذا الحرف في " غريب المصف " مشددًا غير مهموز قال: هو المري، وكأنه من مريت الضرع أي مسحته ولينته، وسهلت مجاري اللبن فيه. قال أبو أسامة: وقد روي المريء مهموزًا وهو جائز حسن، فأما أبو الحسن ثابت فرواه بالهمز لا غير، وقال أبو عبد الله بن الأعرابي في كتابه الذي سماه بكتاب " الإبل ": المري - غير مهموز - التي تحلب على غير ولد، وإنما سميت مريًا لأنها تمري بالأيدي فلا تكون مريًا ومعها ولدها.
ويقال هنيئًا مريئًا: أي جاريًا لذيذًا سائغًا قال الله ﷿ (فكلوه هنيئًا مريئًا) وقال كُثير بن عبد الرحمن - بن الأسود بن عامر بن عويمر بن مخلد بن سعيدة بن سبيع بن جعثمة بن سعد بن مليح بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو مزيقباء بن عامر ماء السماء بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن الأزد - وكان يقال له: أبن أبي جمعة ينسب إلى جدة من قبل أمه وهو أبو جمعة الأشيم بن خالد بن عبيد بن مشبر بن رياح بن سالم بن غاضرة أبن حبشية، وقد رأيت بخطوط رؤساء من أشياخ النسب حبشية - مشدد الياء والأول أثبت - وهو قول ابن حبيب. والحبشية النملة الكبيرة، وحبشية هو ابن كعب بن عمرو وكعب أخو مليح بن عمرو -:
هنيئًا مريئًا غير داءٍ مخامر لعزة من أعراضنا ما استحلت
وقد قيل في نسب كثير قول آخر ما يضرنا ذكره: كان بعض قوم كثير يقولون: أنهم من ولد الصلت بن النضر بن كنانة، وفي ذلك يقول كثير:
أليس أبي بالنضر أم ليس أسرني بكل هجان من بني النصر أزهارا؟
إذا ما قطعنا من قريش عصابة فأي قسي تحمل النبل ميسرا؟
لبسنا ثياب العصب فأختلط السدى بنا وبهم والحضرمي المخضرا
فإن لم تكونوا من بني النضر فاتركوا أراكًا بأذناب الفوائج أخضرا
[ ١٣٣ ]
قال هذا الشعر يخاطب به أبا علقمة ميسر بن حدير بن علقمة بن أبي الجون - واسم أبي الجون عبد العزى - بن سعد بن ربيعة بن أصرم بن ضبيس بن حرام بن حبشية بن كعب فقال ميسرة يرد عليه في رواية النسابة الهاشمي من أهل حلب، وقال غيره: إنها للحوص -:
لعمري لقد جاء العراق كثير بأحدوثة من وحيه المتكذب
اتزعم أني من كنانة والدي وما لي من أم هناك ولا أب
ولما ذكر العراق لأن عبد الملك كان دعا كثيرًا إلى هذا النسب فأجابه، وأجابته خزاعة الحجاز فسار كثير إلى خزاعة العراق يدعونهم فأبوا، وبلغ ذلك الأحوص - أو ميسرة - فقال هذا الشعر، وروى زبير بن بكار عن رجاله أن كثيرًا ينسب نفسه وقومه إلى النضر بن كنانة، وقال لأبي علقمة ميسرة:
أبا علقم أكرم كنانة إنهم مواليك إن أمر نبابك مقلق
بنو النضر ترمي من ورائك بالحصا أولو حسب فيهم حفاظ ومصدق
إذا ركبوا ثارت عليك عجاجة وبالأرض من وقع الأسنة أولق
هم ملوكهم من تهامة منزلًا ولولاهم كنتم أباء يحرق
فلا تكفرن قومًا عززت بعزهم أبا علقم فالكفر بالريق يشرق
في أبيات. قل الزبير: فأجابه الأحوص بن عبد الله بن محمد بن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح - اسم أبي الأقلح قيس - بن عصمة بن مالك بن أمة بن ضبيعة بن زيد ب مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس.
[ ١٣٤ ]
فإنك لو أعذرت أو قلت شبهة لذي الحق فيها والمخاصم مغلق
عذرناك أو قلنا: صدقت وإنما يصدق بالأقوال من كان يصدق
ستأبى بنو عمرٍو عليك وينتهي بهم حسب في جذم غسان ومعرق
يعني بني عمرو مزيقاء
وإنك لا عمرًا أباك حفظته ولا النضر إذ ضيعت شيخك تلحق
فأصبحت كالمهريق فضلة مائه لباقي سراب بالملا يترقرق
وجميع أهل العلم بالنسب يقولون: إن الصلت بن النضر درج، ويباطلون دعوى كثيرٍ.
وقد قال آخرون: إن خزاعة من ولد قمعة وهو عمير بن الياس بن مضر، وأحسب أن القتبي روى ذلك، والأول هو الصحيح. وكثير يكنى أبا صخر، وكان ينسب إلى عزة بنت جميل أبن حفص بن اياس بن عبد العزى بن حاجب بن غفار بن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة.
ونعود إلى سبيلنا الأولى. وقال عبد الله بن همام أحد بني مرة بن صعصعة أبن معاوية بن بكر بن هوزان بن منصور بن عكرمة بن خفصة بن قيس بن الناس بالنون وهو عيلان بن مضر. وأم ولد مرة بن صعصعة سلول بنت ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكاية أبن صعب بن علي بن بكر بن وايل فإليها ينسبون:
اشرب شرابك وانعم غير محسود واكسره بالماء لا تعض أبن مسعود
إن الأمير له في الخمر مأربة فأشرب هنيئًا مريئًا غير تصريد
ويعني عامر بن مسعود بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لوي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة. وكان اسم جمح بن عمرو
[ ١٣٥ ]
تيمًا، واسم أخيه سهم بن عمرو زيدًا، فقعدت يومًا أمهما الألوف بنت عدي بن كعب بن لؤي بن غالب، ومعهما أترجة من ذهب، وقيل من فضة، فدحت بها وقال لأبيها: استبقا إليها فمن أخذها فهي له. فأخذها سهم. فقالت: كأنك والله يا زيد سهم مرق من رميته، وكأن شيئًا جمح بك عنها يا تيم، فسمي هذا جمح وسمي هذا سهمًا.
وعامر بن مسعود هذا كان يلقب دحروجة الجعل لقصره، وفي ذلك يقول عبد الله بن همام السلولي:
واشف الأرامل من دحروجة الجعلِ
واصطلح أهل الكوفة على عامر بن مسعود عند موت يزيد بن معاوية، وهرب عبد الله بن زياد، فأمروه عليهم، فأقره عبد الله بن زيد اشهرًا ثم عزل، وخطب أهل الكوفة في أيام إمارته عليهم فقال: إن لكل قوم أشربة ولذات فاطلبوها في مظانها، وعليكم بما يجمل منها ويحل، واكسروا شرابها بالماء، وتواروا عني بهذه الجدارات فلذلك قال عبد الله بن همام الشعر المتدم، وقال فيه غيره من الشعر:
من ذا يحزم ماء المزن خالطه في قعر خابية ماء العناقيد
إني لأكره تشديد الرواة لنا فيها ويعجبني قول ابن مسعود ولما بلغ ابن مسعود قول عبد الله بن همام قال: قطع الله لسانه عدل الحمار فقد أساء القول. ذهب إلى قول الأخطل:
بئس الفوارس عند مختلف القنا عدلا الحمار محاربٌ وسلولُ
وقال آخر - أنشدنيه محمد بن الحسين عن إسحاق بن إسماعيل الطاهري عن المبرد -:
كل هنيئًا وما شربت مريئًا ثم قم صاغرًا فغير كريم
[ ١٣٦ ]
لا اُحب النديم يومض بالعين إذا ما انتشى لعرس النيم
والمروؤة مصدر المرء كالرجولة مصدر رجل، وقال الفراء: أنه سمع إعرابيًا قيل له: فلان امرؤ سوءٍ فقال: وما رأيت من مروؤة سوئه؟ ولا فرق عندي بين أن يقال: في فلان مروؤة وبين أن يقال: فيه رجولة، أو فيه إنسانية، إلا أن المروؤة قد نقات عن أصلها الذي وضعت له إلى صفات خاصة.
وقد أحكمنا أمره وضع الأسماء ونقلها في كتاب غير هذا.
واختلف الناس بعد في المروؤة، وأحسن الأقوال فيها ما أخبرنا به عن أمير المؤمنين على - صلوات الله عليه - إنه قال: المروؤة موصوفة في كتاب الله ﷿ حيث يقول: (إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ، وإِيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاءِ والمنكرِ والبغي) وقال السمي القاضي: المروؤة أن لا تصنع شيئًا في السر تستحيي منه في العلانية. وقال الحسن بن سهل - وأحسن -: نعم العون على المروؤة احتشام العامة. والكلام في هذا طويل لا يقتضيه هذا الموضع.
ويقال للرجل: مريء إذا كان ذا مروؤة، على وزن فعيل، كما يقال له: رجيل، إذا كان ذا رجولة، قال عبد الله بن غويث الفقيمي - من فقيم بن جرير بن دارم -:
وقد علم الجاني الفقيمي أننا مصاليط حمالون عنه مثي الدم
ولا يمنع الإصرام منا مروؤة ال مرئ ولا أكرومة المتكرم
ومنه يقال: أمرؤ القيس، أي رجل القيس، والقيس الشدة، قال الشاعر - أنشدنيه أبو أسامة -:
وأنت على الأعداء قيسٌ ونجدةٌ وللطارق العاني هشامٌ ونوفلُ
النوفل: كثرة العطاء، والهشام نحوه، وما أعرف قائل البيت إلى اليوم، الذي
[ ١٣٧ ]
أعرفه أبيات لحريث بن عناب الطائي يقول فيها:
إلى طلحة الفياض أعلمت نصها تخب برجلي تارة ثم ترقل
إذا ما أتاه سائل عن جنابه يكون شفيعه هشام ونوفل
في شعر طويل يمدح به طلحة بن عبد الله بن عوف وهو أبن أخي عبد الرحمن بن عوف، وقد استقصينا أنسابهم في مواضعها من كتابنا الكبير. وأخبروني بعض أهل البحث أنه وجد الفراء يقول في بعض كتبه: أن القيس الذهب، وأن امرأ القيس قيل له ذلك على معنى كالتفضيل له، والقيس مصدر قاس يقيس قيسًا مثل القياس.
وقال أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري ﵀: فيه وجوهًا "؟ " ثلاثة غير هذه قال: القيس العرد وهو الذكر، والقيس الجوع، والقيس مثل الريس وهو التبخر. ومن الناس من يقول: أن امرأ القيس لقب، وأن اسم امرئ القيس بن حجر حندج، والحندج الرملة، ٠٠٠٠ قال غيلان:
تبسسن عن غر كأن رضابها ندى الرمل مجته الذهاب القوالس
على أقحوان في حناديج حرة يناصي حشاها عانك متكاوس
ولا يبعد هذا عندي، لأنني أرى امرأ القيس اسمًا مستعملًا عند أهل العرب للشريف والدنيء، وهو كعبد القيس، بل أكثر استعمالًا. وقال ثعلب: امرؤ القيس بمنزلة عبد الرحمن وعبد الله، ولو أحصينا كلَّ من اسمه امرؤ القيس لطال، وإنما غرضنا من قال الشعر فقط. والله الموفق.
[ ١٣٨ ]
فصل في نسب امرئ القيس بن حجر وهو المقدم على جميع المراقسة، وغيرهم من الشعراء. قال: اسمه حندج ولقبه امرؤ القيس، والصحيح عندي أن اسمه امرؤ القيس، وكنيته أبو الحارث في قول أبن دريد. وقال غيره " ٠٠٠٠ " وقال آخرون: أبو عمرو وقال آخرون: أبو بهشة باسم بنته. وقول أبن دريد اثبت الأقوال عندي.
وكان يقال له ذو القروح وذو القرح، وفي ذلك يقول عيينة بن مرداس بن شميخ الكعبي كعب بن عمرو بن تميم:
علا الشيب أخداني وخلَّى مكانه أبو طمحان وأبن أمِّ داود
وذو القرح فاخترت القوافي وبعده تراث ثمود الأولين وعادِ
أبو الطمحان القيني حنضلة بن الشرقي، وأبن أم داود: أبو داود الأياديُّ، حارثة أبن الحجاج الشاعرين المعروفين. وفي عقيل رجل يقال له ذو القرح، وهو كعب بن خفاجة، واسم خفاجة معاوية بن عمرو بن عقيل.
وكان يدعى امرؤ القيس الملك الضِّلِّيل، وللبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب في ذلك قول مشهور، ولا نرى التثقيل بذكره.
قالوا: وهو امرؤ القيس بن حجر الملك الذي قتلته بنو اسد ابن الحارث الملك، بن عمرو المقصور، الذي اقتصر به على ملك أبيه عن يعقوب بن السكيت وقال أحمد بن عبيد: إنما سمي المقصور لأنه قصر على ملك أبيه وجده، كأنه كرهه فملك شاء أو أبى ابن حجر الأكبر، وهو آكل المرار وفي تسميته بذلك أقوال: قال أبو نصر: إنما سمي آكل
[ ١٣٩ ]
المرار لأنه غضب غضبة فجعل يأكل المرار، وهو نبت شديد المرارة ولا يحس به من غضبه، وقيل: إنما سمي بذلك لكبره، والمتكبر كأنه مقلص الشفة. وقال أبن دريد إنما سمي بذلك لأنه كان أفوه، والبعير إذا اكل المرار تقلص مشفراه، فشبه به وهو لقبه، وقال أحمد بن عبيد وغيره: إنما سمي بذلك لأن ملكًا من ملوك اليمن أسر امرأته وقال قوم: بنته فقال لها: ما ظنك بحجر؟ فقالت: كأنك به وقد طلع عليك كأنه جمل آكل مرار. قال: والجمل إذا أكل المرار أزبدَ، وقيل: بل أرادت كشره عن أسنانه. وهو حجر بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن معاوية والنسابون يسمونه بكندي الأصغر بن ثور بن مرتع وسمي مرتعًا لأنه كان يأتيه الرجل يسأله أن يقطع له من أرضه قطيعة ليرتع فيها سائمته من أبله وغنمه فيرتعه واسمه عمرو بن معاوية بن كندي وهو كندة وهما اسمان له، قالوا: لأنه كند أباه أي عقه وكفره وقال: بل كنَّد على أخيه فقتله واصل الكند القطع، وقال الله ﷿: (إن الإنسان لربه لكنود) أي قطوع لما بينه وبينه بالكفر. نعوذ بالله من سخطه، ومن حرمان توفيقه، ومع هذا التأويل فالله أعلم بكتابه.
وقال الأعشي الكبير:
احدث لها تحدث لوصلك إنها كند لوصل الزائر المعتاد
أي قطاعة وقال أيضًا:
اميطي تميطي بطب الفؤاد وصول حبالٍ وكنَّادها
أي قطاعها وقال أيضًا:
ولكن لا يصيد إذا رماها ولا تصتاد عاتية كنود
[ ١٤٠ ]
أي قطوع للوصل. وقال سوار بن قطن الهميمي بن هميم بن عبد العزي بن يقدم بن عنترة بن ربيعة ويقال: إن هميم من قسرٍ من بجيلة، ورأيت أبن الكلبي يثبت ذلك والأول اشهر:
سأل حنيفة يوم وقعتنا بنحاة إذ جاروا عن القصد
وتيمَّموا بأمر يمامتهم وتكندوا غدرا على عمد
تكندوا: أي أبطنوا الغدر والكفر وقد سميت العرب بكندي غير هذا، وفي طيء فارس جليل، يقال له كندي بن حارثة بن لام بن عمرو بن طريف بن عمرو بن ثمامة بن مالك بن جدعا مقصور مثل سكرى، واسم جدعا لوذان بن ذهل بن رومان بن جندب بن خارجة بن سعد بن قطرة بن طيء، وفي طيء أيضًا كندة بن الضحاك بن هذيم بن خبأ بن الصهو بن باعث بن خويص وباعث هو الذي أغار على إبل امرئ القيس، وسيرد خبره ونسبه إن شاء الله.
وأسم كندة ثور بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة بن ادد، وأم مرة مدلة بنت ذي منجشان بن كلَّة بن ردمان بن حمير كذا قال الكلبي وغيره، وما يحضرني صلة نسبها، والذي اذكره أن في حمير ردمان بن وائل بن رعين بن زيد بن شهل وكنت رأيته بخط شبل بن بكير النسابة في عدة مواضع، شهل معجمةً ثلاثًا من فوق، ولا أدري ما صحة ذلك.
وكان أدد تزوج بها فولدت له مرة هذا ونبتًا وهو الأشعر وتزوج بعدها أختها دلة بنت ذي منجشان فولدت جلهمة ين أدد، وهو طيء، ومالك بن أدد. ودلة هذه هي التي يقال لها مذحج، باسم اكمة ولدت ابنيها عليها، وقال أبن الأعرابي في ذلك قولًا اعجب إلي من هذا القول، وذاك أنه قال: اذحجت على ولدها فسميت بمذحج لذلك، واذحجت: لزمت عند ابن الأعرابي، وغيره من اللغويين يقول: ذحجته الريح إذا جرته
[ ١٤١ ]
من موضع إلى موضع، والذحج عندهم مثل السحج. وأدد هو أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبا وأسمه عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان. قال هشام الكلبي: ذكر بعض النساب أن كندة بن ثور بن عفير بن معاوية بن حيدة بن معد بن عدنان، ويحتجون بقول امرئ القيس:
تالله لا يذهب شيخي باطلًا خير معدُّ حسبًا ونائلًا
ومن غير هذه الرواية: يا خير شيخٍ حسبًا ونائلًا
وقال آخرون أن كندة من ولد عامر بن ربيعة بن نزار بن معد، قالوا: ولذلك كانت محلة كندة وربيعة ودارهما في الجاهلية الجهلاء واحدة، ومناخهم في المواسم معًا، وكانوا متحالفين، متعاقدين، ومما يحقق هذا عندهم قول أبى طالب بن عبد المطلب:
٠٠ - ٠٠ إذ ترمي ٠٠٠٠ عشيها يجوزها حجاج بكر بن وائلِ
حليفان شدًا عقد ما اختلفا له وردا عليه عاطفات الوسائلِ
قالوا: يعني بعاطفات الوسائل هاهنا الأرحام، والله اعلم بالصحيح، وأم امرئ القيس في قول الحذاق من رواة الشعر فاطمة بنت ربيعة، أخت مهلهل بن ربيعة. فأما النسابون فقالوا: أمه قتيلة بنت يزيد بن امرئ القيس بن عمرو بن حجر الأكبر والله أعلم.
[ ١٤٢ ]
فصل: يتعلق بهذا الفصل المفرد لذكر نسب امرئ القيس: ذكرنا عند ذكر ذي القرح لقب امرئ القيس عيينة بن مرداس الذي يقول فيه:
وذي القرح فاخترت القوافي بعده تراث ثمود الأولين وعاد
وعلمنا أن قارئ الكتاب ستتطلع نفسه إلى الوقوف على مقدار هذا الشاعر من الشعر لسعة دعواه، وتجاوزه مداه فأوردنا أبياتًا من شعره ليستدل بها على قدره، وبالله التوفيق.
قال عيينة بن مرداس بن شنيخ الكعبي كعب بن عمرو بن تميم ويقال له أبن فسوة وإنما قيل له ذلك لأنه كان في قومه رجل آخر يقال له أبن فسوة فأتى عيينة فباعه اللقب فاشتراه منه فلصق به وقال ذلك الرجل:
حول مولانا عليه اسم أمنا ألا رب مولى ناقص غير زائد
أعاذل إن اهلك فلم اقض لذة من الدين والإسلام والمرء تالف
من البيض أجيادًا كأن خدودها دنانير يجلوها لتنفق شائف
وأنّا لقوامون وسط رحالنا إلى الصف قارٍ في الإناء ولاحف
ولا ننكر الأضياف إن ينزلوا بنا وكل كريم للنزالة عارف
ومن قوله يهجوا بني سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، وكان نزل عليهم بأرضهم وهي زمُّ فلم يحمدهم:
إذا ما لقيت الحيَّ سعد بن مالك على زمَّ فأرحل خائفًا أو تقدم
أناس أجارونا فكان جوارهم شعاعًا كلحم الجازر المتقسم
[ ١٤٣ ]
ومن قوله:
نحن إلى برق بنعمان بعد ما مضت أربع يعددن من أول الشهر
فحنت حنينًا مثله هيج الذي به الشوق مشغوف الفؤاد وما يدري
ومن قوله وكان هجاءً خبيثًا يذم عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بقصيدة أولها:
ذكرت لبرق آخر الليل ضوءه يضيء حبيَّ المنجد المتغوِّر
يسور ويرقى في رواءٍ غمامه ركام تصداه الجنوب وتمتري
إذا سنحت نجدية برحت لها صبًا فأدرَّت ودق اوطف ممطر
ثم قال:
أتيت أبن عباس أرجِّى حباءه فلم يرج معروفي، ولم يخش منكر
وقال لبوابيه: لا تدخلنَّه وسدُّوا خصاص الباب من كل منظر
وتسمع أصوات الخصوم وراءه كصوت الحمام في القليب المغور
ولو كنت من زهران لم تقص حاجتي ولكنني مولى جميل بن معمر
أتيح لعبد الله يوم لقيته شميلة ترمى بالحديث المفتر
وما أنا إذ زاحمت مصراع بابه بذي ضولة فانٍ ولا بحزور
فليت قلوصي عربت أو رحلتها إلى حسن في داره وأبن جعفر
إلى معشر لا يخصفون نعالهم ولا يلبسون السِّبت ما لم يخصَّر
وما زلت في التَّسيار حتى أنختها إلى أبن رسول الأمة المتخير
وقامت تصدى في العقال فواجهت بي الصبح وردا كالرداء المحبَّر
فما قمت حتى راعني ثوباؤها وصوت مناد بالصلاة مكبِّر
[ ١٤٤ ]
زهران بن كعب بن الحارث بن عبد الله بن نصر بن الأزد. وكان أبن عباس تزوج شميلة بنت أبي حناءة بن أبي ازيهر حليف قريش بن أنيس بن الخيسق بن مالك بن كعب بن سعد بن كعب بن الغطريف الأصغر وهو الحارث بن عبد الله بن عامر وهو الغطريف بن بكر بن يشكر بن مبشر بن صعب بن دهمان بن نصر بن زهران، وكان أعداد أبي ازيهر في دوس، فكان يقال له الدوسي، فكانت شميلة هذه عند مجاشع بن مسعود السلمي من بني سمَّال بن عوف.
[ ١٤٥ ]
" ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ " " ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ " ويقال له محرق لأنه حرق بني تميم. ينسب إلى هند، عمه امرئ القيس، وهي هند بنت الحارث بن عمرو بن الحارث الملك بن عمرو بن حجر الأكبر.
وهو عمرو بن المنذر ذي القرنين المعزو إلى أمه ماء السماء، وهو المنذر بن امرئ القيس وأبوه امرؤ القيس يقال له محرق، وهو أول من عذب بالنار في قول الكلبي وامرؤ القيس بن النعمان بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس بن عمرو، وهو الذي يقال له: كبر عمرو عن الطوق هذا أول من تنصر من ملوك آل نصر في قول محمد بن جرير بن عدي بن نصر بن ربيعة بن عمرو بن الحارث بن مسعود بن مالك بن عمم بن تمارة بن لخم واسمه مالك بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد.
وعمرو بن هند هو عم أبي قابوس النعمان بن المنذر، لأن هندًا ولدت للمنذر ابن امرئ القيس عمرًا أبا المنذر ووالد النعمان.
وقد قيل: انهم من ولد قنص بن معد، وكان هاشمينا الحلبي النسابة يقول: عمرو بن قنص بن معد. والحكاية عن جبير لعمر في ذلك معروفة، لم نر الإطالة بها. وكان محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي يقول: قنص بضم القاف والنون.
وكان السبب في نكاح المنذر ذي القرنين هند بنت الحارث أن قباذ لما ملك وهو قباذ
[ ١٤٧ ]
بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور بن يزدجرد الأثيم بن نيسابور ذي الأكتاف بن هرمس بن نرسي بن بهرام الأوسط بن بهرام الأكبر بن هرمز البطل بن سابور الجند بن أردشير بابكان سمي بذلك لكثرة من يسمي في عصره بابك، واردشير بابكان هو أردشير بن بابك بن ساسان بن بهمن " الملك الأعظم " بن اسفيدياذ وقال محمد بن جرير: اسفنديار وهو الملقب بالشديد بن بشتاشيب ويقال: استاسف، وعلى زمانه ظهر زردشت الذي تزعم المجوس أنه نبيًّ، وروى المؤرخون أنه كان أثيرًا عند بعض تلاميذ أرميا النبيّ ﵇ فكذب عليه وخافه فدعا عليه فبرص، ولحق ببلاد أذربيجان، فشرع بها دين المجوسية، وتبعه قوم كثير ممن هناك، وقال لي أبي عن أبيه أنه زردشت بن بورشسم، وأن ماني الذي ينسب إليه المانوية هو ماني بن فتق، ويشتاشب هو ابن لهراسب بن قيوجي بن كيمش بن كيباشين بن كيانية وقيل: كينة بن كيقباذ بن زاب، وقيل زاع بن توذكاب بن ماني شوى بن توذر بن منوشهر بن منشحورجر وقيل: منشحوريز بن تبرك بن نبروسنج بن بابريح، بن ثرت بن فزرش بن زش بن فركون بن كرزك أو كوزك بن جوزك بن ايرح بن أفريذون بن أثفيان بن جم شيد بن ويجهان بن إيشتجهذ بن أوشهنج بن فرواك بن سامك بن نرسي بن جيومرث ويفسر ذلك حيٍّ ناطق ميت، فالحي " جي " والناطق " يو " والميت " مرث " وقد يسمى كلشاة، وتفسير ذلك فيما قيل: ملك الطين.
وإلى جيممرث يرجع نسب الفرس كله، والفرس تزعم أنه آدم أبو البشر ﵇ ونسابُ العرب يزعمون أنه حامر بن يافث بن نوح ﵇. وحامر غير مذكور في التوراة، والذي خبرني به أهل العلم بها أنها دلت على أن الفرس من ولد يافث محمًا وأن في أولاد يافث ولد اسمه ثيراس، يقول المفسرون أنه الفرس، وأن الفرس ولده، ولعله حامر بالعربية أو بلغة أخرى. فأما هشام بن محمد فقال: ولد فارسور بن سام بن نوح ﵇ بيرس به سميت فارس. وقال آخرون: الفرس ولد فارص بن يهوذا بن يعقوب ﵇ فأما جرير بن عطية فإنه نسب الفرس والروم إلى إسحاق فقال:
[ ١٤٨ ]
وأبناء إسحاق الليوث إذا ارتدوا محامل موت لابسين السنورا
إذا أفتخروا عدوًا الصهبذ منهم وكسرى وآل الهرمزان وقيصرا والله أعلم بالصحيح.
فكان قباذ لما ملك ضعيفًا فوثبت ربيعة على عامله بالحيرة، وهو النعمان بن الأسود بن المنذر بن النعمان بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس بن عمرو بن عديّ، فخرج منهم هاربًا حتى نزل بأياد، فمات فيهم، وكان معه المنذر بن ماء السماء، وهو أقرب منه في قُعدُدِ النسب، وسنذكر نسب أمه وخبرها بعد هذا الفصل إن شاء الله وكان مع المنذر بن ماء السماء ابنه عمرو بن هند.
وانطلقت ربيعة إلى كندة وكان الناس في الأول يقولون: إن كندة من ربيعة على ما قدمنا ذكره فجاءوا بالحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار فملكوه على بكر بن وائل، وحشدوا له، وقاتلوا معه، فظهر على ما كانت العرب تسكن من أرض العراق، وأبى قباذ لضعفه أن يمد المنذر بجيش فكتب إلى الحارث بن عمرو إنني في غير قومي، وأنت أحق من كنفي فحوله إليه، وزوجه ابنته هند بنت الحارث فولدت له عمرًا المذكور، ومنذرًا في قول هانئ بن المنذر البهيلي النسابة وقابوسًا في قول غيره.
فلما هلك قباذ وملك ابنه كسرى وهو أنو شروان ملك المنذر بن ماء السماء على الحيرة، فأساء مكافأة بني آكل المرار، وطلبهم وسفك دماءهم، وجرى من ذلك ما ذكرناه في موضعه.
والمنذر بن ماء السماء هو الذي قتله الحارث بن أبي شمر الغساني، وجرى من أولاد الحارث أعمام امرئ القيس ما سنذكره في موضعه إن شاء الله.
وملكت بنو أسد عليها حجر بن الحارث بن عمرو، وقيل: إن أباه كان ملكه عليها وهو أشبه، وتمليك ربيعة للحارث بن عمرو عليها قول خراش بن إسماعيل العجلي، وغيره يقول: إن قباذ هو الذي ملك الحارث بن عمرو على العرب، وليس ذلك بثبت.
[ ١٤٩ ]