من ذلك أشْفَارُ العَيْنِ يذهب الناس إلى أنها الشَّعرُ النابت على حروف العين، وذلك غلط، إنما الأشفار حروف العين التي ينبت عليها الشعر، والشَّعرُ هو الهُدْب. وقال الفقهاء المتقدمون: في كل شُفْر من أشفار العين رُبْعُ الدية، يعنون في كل جَفْن، وشُفْر كل شيء: حَرْفه، وكذلك شَفِيره، ومنه يقال: شَفير الوادي وشُفْرُ الرَّحم، فإن كان أحد من الفصحاء سمَّى الشعر شُفْرًا فإنما سماه بمَنْبِته، والعرب تسمِّي الشيء باسم الشيء إذا كان مجاورًا له، أو كان منه بسببٍ، على ما بيَّنتُ
[ ٢١ ]
لك في باب تسمية الشيء باسم غيره ومن ذلك: حُمَةُ العقرب والزُّنبور يذهب الناس إلى أنها شوكة العقرب وشوكة الزنبور التي يلسعان بها؛ وذلك غلط، إنَّما الحُمَةُ سمُّهما وضرُّهما، وكذلك هي من الحية لأنها سم. ومنه قول ابن سيرين: " يكره التِّرياق إذا كان فيه الحُمَة ". يعني بذلك السم، وأراد لحوم الحيَّات لأنها سم. ومنه قوله: " لا رُقْية إلا من نَمْلة أو حُمَة أو نَفْس " فالنملة: قُرُوحٌ تخرج في الجنب، تقول المجوس: إن ولد الرجل إذا كان من أخته ثم خطَّ على النملة يشفى صاحبها، قال الشاعر:
ولا عيبَ فينا غيرَ عِرْقٍ لمعشرٍ كِرامٍ وأنَّا لا نخطُّ على النَّمْلِ
يريد أنا لسنا بمجوس ننكح الأخوات. والنفسُ: العين، يقال: أصابت فلانًا نفسٌ. والنافسُ: العائنُ، والحُمَةُ لكل هامَّة ذات سُمّ، فأما شوكة العقرب فهي الإبْرَةُ. ومن ذلك: " الطَّرَبُ " يذهب الناس إلى أنه في الفَرَح دون الجزَع،
[ ٢٢ ]
وليس كذلك، إنما الطرب خفّة تصيب الرجل لشدَّة السرور، أو لشدَّة الجزع، قال الشاعر، وهو النابغة الجعدي:
وأرَانِي طَرِبًا في إثْرِهِمْ طَرَبَ الوالِه أو كالمُخْتَبَلْ
وقال آخر:
يقُلنَ لقدْ بكيتَ فقلتُ كلاَّ وهلْ يَبكي منَ الطَّرَب الجليدُ
ومن ذلك " الحِشْمَة " يضعها الناس موضع الاستحياء، قال الأصمعي: وليس كذلك، إنما هي بمعنى الغضب، وحكى عن بعض فصحاء العرب أنه قال: " إن ذلك لممَّا يُحْشِمُ بني فلان " أي: يغضبهم.
قال الأصمعي: ونحوٌ من هذا قول الناس " زَكِنْتُ الأمر " يذهبون فيه إلى معنى ظننتُ وتوهمَّتُ، وليس كذلك، إنما هو بمعنى علمتُ، يقال: زَكِنْتُ الأمر أزْكَنُهُ، قال قَعْنَبُ بن أم صاحب:
[ ٢٣ ]
ولنْ يُراجعَ قلبِي وُدَّهمْ أبدًا زَكِنْتُ منهمْ على مثلِ الَّذي زَكِنُوا
أي: علمت منهم مثل الذي علموا مني ومن ذلك: " القافِلَةُ " يذهب الناس إلى أنها الرُّفقة في السفر، ذاهبةً كانت أو راجعةً، وليس كذلك، إنما القافلة الراجعة من السفر، يقال: قَفَلَتْ فهي قافلة، وقَفَلَ الجُندُ من مبعثهم، أي: رَجَعوا، ولا يقال لمن خرج إلى مكة من العراق قافلة حتى يَصْدُروا، ومن ذلك: " المأتمُ " يذهب الناس إلى أنه المصيبة، ويقولون: كنا في مأتمٍ، وليس كذلك، إنما المأتم النساء يجتمعن في الخير والشر، والجمع مآتم، والصواب أن يقولوا: كنا في مَنَاحة، وإنما قيل لها مَنَاحة من النَّوائح لتاقبلهن عند البكاء، يقال: الجبَلان يتنَاوحان، إذا تَقَابلا، وكذلك الشَّجرُ، وقال الشاعر:
عشيَّةَ قامَ النَّائحاتُ وشُقِّقتْ جيوبٌ بأيدِي مَأْتَمٍ وخدود
أي: بأيدي نساء، وقال آخر:
رَمَتْه أناةٌ مِنْ رَبيعةِ عامرٍ نَؤومُ الضُّحا في مَأْتَمٍ أيِّ مأتمِ
[ ٢٤ ]
يريد في نساء أيّ نساء. ومن ذلك قول الناس: " فلان يتصدَّق " إذا أعطى، و" فلان يتصدَّق " إذا سأل، وهذه غلط، والصواب " فلان يسأل "، وإنما المتصدّق المُعطي، قال الله تعالى:) وتَصَدقْ علينا إن الله يجزي المُتَصَدّقين " ومن ذلك: " الحَمَام " يذهب الناس إلى أنه الدَّواجن التي تُستفرخُ في البيوت، وذلك غلط، إنما الحمام ذوات الأطواق وما أشبهها مثل الفَوَاخِت والقَمارِيّ والقَطَا، قال ذلك الأصمعي، ووافق عليه الكسائي، قال حُميد بن ثور الهلالي:
وما هاجَ هذا الشَّوقُ إلاَّ حَمَامَةٌ دَعَتْ ساقَ حُرّ تَرْحَةً وتَرَنُّما
فالحمامة ههنا قُمريَّة. وقال النابغة الذبياني:
واحكُمْ كَحُكم فتاةِ الحيِّ إذْ نظرتْ إلى حمامٍ شِراعٍ وارِدِ الثَّمَدِ
[ ٢٥ ]
قال الأصمعي: هذه زرقاء اليمامة نظرت إلى قطًا. قال: وأما الدواجن فهي التي تُستفرَخ في البيوت؛ فإنها وما شاكلها من طير الصحراء اليمام، الواحدة يمامة. ومن ذلك: " الرَّبيعُ " يذهب النَّاس إلى أنَّه الفصل الَّذي يتبع الشتاء ويأتي فيه الوَرْدُ والنَّوْرُ، ولا يعرفون الربيع غيره، والعرب تختلف في ذلك: فمنهم من يجعل الربيع الفصل الَّذي تُدرك فيه الثمار - وهو الخريف - وفصل الشتاء بعده؛ ثم فصل الصيف بعد الشتاء - وهو الوقت الذي تدعوه العامة الربيع - ثم فصل القَيْظ بعده، وهو الوقت الذي تدعوه العامة الصيف؛ ومن العرب من يسمي الفصل الذي تدرك فيه الثمار - وهو الخريف - الربيع الأول، ويسمي الفصل الذي يتلو الشتاء وتأتي فيه الكَمْأَةُ والنَّوْرُ الربيع الثاني، وكلهم مجمعون على أن الخريف هو الربيع. ومن ذلك: " الظلُّ والفَيْءُ " يذهب الناس إلى أنهما شيء واحد، وليس كذلك؛ لأن الظل يكون غُدوةً وعشيَّةً، ومن أول النهار إلى آخره،
[ ٢٦ ]
ومعنى الظل السِّتْر، ومنه قول النَّاس " أنا في ظِلِّكَ " أي: في ذَرَاك وسِترك، ومنه " ظل الجنة "، وظل شجرها إنما هو سترُها ونواحيها، وظلُّ الليل: سواده؛ لأنه يستر كل شيء، قال ذو الرُّمة:
قدْ أعسِفُ النازِحَ المجهولَ مُعْسِفُه في ظلِّ أخضرَ يدعُو هامَهُ البُومُ
أي: في ستر ليل أسود، فكأن معنى ظل الشمس ما سترته الشخوص من مَسْقطها، والفيء لا يكون إلا بعد الزوال، ولا يقال لما قبل الزوال فيء، وإنما سمي بالعشي فيئًا لأنه ظلٌّ فاء عن جانب إلى جانب، أي: رجع عن جانب المغرب إلى جانب المشرق، والفيء هو الرجوع، ومنه قول الله ﷿:) حتَّى تفيءَ إلى أمْرِ الله (أي: ترجع إلى أمر الله. وقال امرؤ القيس:
[ ٢٧ ]
تَيَمَّمَتِ العينُ التي عندَ ضارِجِ يَفيءُ عليها الظلُّ عَرْمَضُهَا طامِ
أي: يرجع عليها الظل من جانب إلى جانب؛ فهذا يدلك على معنى الفيء.
وقال الشمّاخُ:
إذا الأرْطَى تَوَسَّدَ أبْرَدَيْهِ خُدودُ جَوازِئ بالرّمْلِ عِينِ
أبْرَداه: الظل والفيء، يريد وقت نصف النهار، وكأن الظباء في بعض ذلك الوقت كانت في ظل ثم زالت الشمس فتحول الظل فصار فيئًا فحوَّلتْ خدودها. ومن ذلك: " الآل والسَّراب " لا يكاد الناس يَفْرُقون بينهما، وإنما الآل أول النهار وآخره الذي يرفع كل شيء، وسمي آلًا لأن الشخص هو الآل، فلما رفع الشخص قيل: هذا آلٌ قد بدا وتبين، قال النابغة الجعدي:
حتَّى لحقنَا بهمْ تُعْدِي فوارسُنَا كأننا رَعْنُ قُفٍّ يرفعُ الآلا
[ ٢٨ ]
وهذا من المقلوب، أراد كأننا رَعْنُ قُفٍّ يرفعه الآل، وأما السَّراب فهو الذي تراه نصف النهار كأنه ماء، قال الله ﷿:) كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يحْسَبُهُ الظمآنُ ماء (ومن ذلك: " الدَّلَجُ " يذهب الناس إلى أنه الخروج من المنزل في آخر الليل، وليس كذلك، إنما الدَّلج سير الليل، قال الشاعر يصف إبلًا:
كأنها وقد بَرَاها الأخْمَاسْ ودَلَجُ الليل وهادٍ قيَّاسْ
ومَرِجَ الصِّفْرُ وماجَ الأحْلاسْ شرائِجُ النَّبْعِ بَرَاها القَوَّاسْ
يهوِي بهنَّ بَخْتَرِيٌّ هَوَّاسْ
وقال أبو زُبيد يذكر قومًا يَسْرُون:
فباتُوا يُدْلِجونَ وباتَ يَسْري بَصيرٌ بالدُّجَى هادٍ غَمُوس
[ ٢٩ ]
يعني الأسد. وكان رجل من أصحاب اللغة يخطِّئ الشماخ في قوله:
وتشكُو بعينِ ما أَكَلَّ رِكَابَها وقِيلَ المُنادي أصبَحَ القومُ أَدْلِجي
وقال: كيف يكون الإدلاج مع الصبح؟ ولم يرد الشماخ ما ذهب إليه، وإنَّما أراد المنادي كان مرة ينادي " أصبح القوم " كما يقول القائل لقوم أصبحوا وهم نيام " أصْبَحْتم كَمْ تنامون "؟ وكان مرة ينادي " أدلجي " أي: سيري ليلًا. يقال: أدْلَجْتُ فأنا مُدلجٌ إدْلاجًا، والاسم الدَّلَجُ - بفتح الدال واللام - والدَّلْجَة؛ فإن أنت خرجت من آخر الليل فقد ادّلَجْتَ - بتشديد الدال - تَدَّلِجُ ادِّلاجًا، والاسم منه الدُّلجة - بضم الدال - ومن الناس من يجيز الدَّلجة والدُّلجة في كل واحد منهما، كما يقال: بَرهة من الدهر وبُرْهة. ومن ذلك: " العِرْضُ " يذهب الناس إلى أنه سَلَفُ الرجل من آبائه وأمهاته، وأن القائل إذا قال: شَتَمَ عرضي فلان إنما يريد شتم آبائي
[ ٣٠ ]
وأمهاتي وأهل بيتي، وليس كذلك، إنما عِرْض الرجل نفسه، ومن شتم عِرْضَ رجل فإنما ذكره في نفسه بالسوء، ومنه قول النبي ﷺ في أهل الجنة: " لا يَبُولونَ ولا يَتَغَوَّطونَ، إنما هو عَرَق يخرج من أعراضهم مثل المِسْكِ " يريد يجري من أبدانهم، ومنه قول أبي الدرداء " أقْرِض من عِرضك ليوم فقرك " يريد مَن شتمك فلا تشتمه، ومن ذكرك بسوء فلا تذكره، ودَعْ ذلك عليه قَرْضًا لك ليوم القصاص والجزاء، ولم يرد أقرض عرضك من أبيك وأمك وأسلافك؛ لأن شَتْمَ هؤلاء ليس إليه التحليلُ منه، وقال ابن عُيَيْنة: لو أن رجلًا أصاب من عرض رجل شيئًا ثمَّ تَوَرَّع فجاء إلى ورثته أو إلى جميع أهل الأرض فأحَلّوه ما كان في حلٍّ، ولو أصاب من ماله شيئًا ثم دفعه إلى ورثته لكنا نرى ذلك كفاره له، فعِرْضُ الرجل أشد من ماله، قال حسان بن ثابت الأنصاري:
هجوتَ محمَّدًا فأجبتُ عنهُ وعندَ الله في ذاكَ الجزاءُ
[ ٣١ ]
فإنَّ أبي ووالدَهُ وعِرْضِي لعِرْضِ محمَّدٍ مِنكمْ وِقاءُ
أراد فإن أبي وجَدِّي ونفسي وقاء لنفس محمد، ومما يزيد في وضوح هذا حديثٌ حدَّثنيه الزيادي عن حمَّاد بن زيد عن هشام عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: " أيعجزُ أحدكمْ أنْ يكونَ كأبي ضَمْضَمٍ، كان إذا خرج من منزله قال: اللهم إني قد تصدَّقتُ بعِرْضِي على عِبادك ". ومن ذلك: " العِتْرَة " يذهب الناس إلى أنها ذُرّيَّةُ الرجل خاصَّة، وأنَّ من قال: " عترة رسول الله ﷺ " فإنما يذهب إلى ولد فاطمة ﵂، وعِتْرَة الرجل ذريته وعشيرته الأدْنَوْنَ: مَنْ مضى منهم، ومن غَبَرَ، ويدُلك على ذلك قول أبي بكر ﵁: " نحن عِتْرَة رسول الله ﷺ التي خرج منها، وبَيْضَته التي تَفَقَّأَتْ عنه، وإنما جِيبَتْ العربُ عنا كما جيبت الرحا عن قُطْبها " ولم يكن أبو بكر رضوان الله عليه ليدَّعي بحضرة القوم جميعًا ما لا يعرفونه.
[ ٣٢ ]
ومن ذلك: " الخُلْف، والكَذِب " لا يكاد الناس يفرِّقون بينهما، والكذب فيما مضى، وهو أن يقول: فعلت كذا وكذا، ولم يفعله، والخلف فيما يُستقبل، وهو أن تقول: سأفعل كذا وكذا، ولا تفعله. ومن ذلك: " الجاعِرة " يذهب الناس إلى أنها حَلْقَة الدبر، وهو تحتمل أن تسمى جاعرة لأنها تجعَرُ، أي: تُخرج الجعْرَ، ولكن العرب تجعل الجاعرتين من الفَرَس والحمار موضع الرَّقْمتين من مؤخر الحمار، قال كعب بن زهير يذكر الحمار والأتُنَ:
إذا ما انْتَحَاهُنَّ شُؤْبُوبُهُ رأيتَ لجاعِرَتَيْهِ غُضُونا
شُؤْبوبه: شدة دَفْعَته، يقول: إذا عَدَا واشتدَّ عَدْوه رأيت لجاعرتيه تكسُّرًا لقَبْضِه قوائمهُ وبَسْطه إياها. وأما قول الهذلي في صفة الضبع:
عَشَنْزَرَةٌ جَوَاعِرُهَا ثَمَانِ
[ ٣٣ ]
فلا أعرف عن أحد من علمائنا فيه قولًا أرتضيه. ومن ذلك: " الفقير، والمسكين " لا يكاد الناس يفرقون بينهما، وقد فَرَق الله تعالى بينهما في آية الصدقات فقال جل ثناؤه:) إنما الصَّدَقَاتُ للفُقَراءِ والمَسَاكين (وجعل لكل صنف سَهْمًَا، والفقير: الذي له البُلْغة من العيش، والمسكين: الذي لا شيء له، قال الراعي:
أمَّا الفقيرُ الَّذي كانتْ حلُوبَتُهُ وَفْقَ العِيالِ فَلَمْ يُتركْ لهُ سَبَد
فجعل له حَلُوبة، وجعلها وَفْقًا لعياله، أي: قوتًا لا فَضْلَ فيه. ومن ذلك: " الخائن، والسارق " لا يكاد الناس يفرُقُون بينهما، والخائن: الذي اؤتمن فأخذ فخان، قال النّمر بن تولبٍ:
وإنَّ بَنِي رَبيعةَ بَعْدَ وَهْبٍ كَرَاعِي البيتِ يحفظهُ فَخَانَا
[ ٣٤ ]
والسارق: مَن سرق سرًا بأي وجه كان. ويقال: كل خائن سارق، وليس كل سارق خائنًا، والغاصب: الذي جاهَرك ولم يستتر، والقطعُ في السَّرَقِ دون الخيانة والغصب. ومن ذلك: " البخيل، واللئيم " يذهب الناس إلى أنهما سواء، وليس كذلك، إنما البخيل الشحيح الضَّنين، واللئيم: الذي جمع الشحَّ ومَهَانة النفس ودناءة الآباء، يقال: كل لئيم بخيل، وليس كل بخيل لئيمًا.
قال أبو زيد: المَلُوم الذي يُلام ولا ذنب له، والمُليمُ الذي يأتي ما يُلام عليه، قال الله ﷿:) فالتقَمَهُ الحوتُ وهو مُلِيمٌ (والمِلآم: الذي يقوم بعذر اللئام. ومن ذلك: " التِّلاد، والتَّليد " لا يفرق الناس بينهما؛ والتَّليد: ما ولد عند غيرك ثم اشتريته صغيرًا فنبت عندك، والتِّلاد: ما ولد
[ ٣٥ ]
عندك، ومنه حديث شُريح في رجل اشترى جارية وشرطوا أنها مُوَلَّدة فوجدها تَليدة فردها، فالمولدة: بمنزلة التلاد، وهما ما ولد عندك، والتَّليدة - في حديث شريح - التي ولدت ببلاد العجم وحملت صغيرة فنبتت ببلاد الإسلام. ومن ذلك: " الحمد، والشكر " لا يفرق الناس بينهما؛ فالحمد: الثناء على الرجل بما فيه من حَسَن، تقول: حَمِدْت الرَّجُل إذا أثنيتَ عليه بكرم أو حَسَب أو شجاعة، وأشباه ذلك، والشكر له: الثناء عليه بمعروفٍ أوْلاكَهُ؛ وقد يوضع الحمد موضع الشكر؛ فيقال حمدته على معروفه عندي كما يقال: شكرتُ له عليه جشاعته. ومن ذلك: " الجَبْهة، والجَبِين " لا يكاد الناس يفرقون بينهما؛ فالجبهة: مَسْجِدُ الرجل الذي يصيبه نَدَبُ السجود، والجبينان: يكتنفانها، من كل جانب جبينٌ. ومن ذلك:
" اللَّبّة يذهب الناس إلى أنها النُّقرة التي في النّحر، وذلك غلط، إنما اللَّبّة المَنْحَر، فأما النُّقرة فهي الثّغْرة. ومن ذلك: " الآرِيُّ " يذهب الناس إلى أنه المِعْلَفُ، وذلك
[ ٣٦ ]
غلط إنما الآرِيُّ الآخِيَّة التي تُشدُّ بها الدواب، وهي من تأرَّيْت بالمكان إذا أقمت به، وقال الشاعر:
لا يتأرَّى لمَا في القِدْرِ يرقُبُهُ ولا يعضُّ على شُرسوفهِ الصّفَرُ
أي: لا يتجسس على إدراك القدر ليأكل منها وتقدير آرِيّ من الفعل: فاعول. ومن ذلك: " المَلَّة " يذهب الناس إلى أنها الخُبْزَة، فيقولون: أطعمنا مَلَّةً وذلك غلط، إنما الملة موضع الخُبْزَة، سمي بذلك لحرارته، ومنه قيل: " فلانٌ يتململُ على فراشه " والأصل يتملَّلُ فأبدل من إحدى اللامين ميمًا، ويقال: مَلَلْتُ الخُبزة في النار
[ ٣٧ ]
أَمُلّها مَلًاّ. والصواب أن تقول " أطعمنا خُبْزَ مَلَّةٍ. ومن ذلك: " العَبيرُ " يذهب الناس إلى أنه أخلاطٌ من الطيب.
وقال أبو عبيدة: العَبير عند العرب الزَّعفران وحده، وأنشد للأعشى:
وتبرُدُ بَرْدَ رِداءٍ العَرُو سِ في الصَّيفِ رقرقْتَ فيهِ العَبِيرا
ورقرقت بمعنى رقَّقت، فأبدلوا من القاف الوسطى راء، كما قالوا: حَثْحَثْتُ والأصل حَثَّثْتُ، أي: صبغته بالزعفران، وصقلته. وكان الأصمعي يقول: إن العبير أخلاط تجمع بالزعفران، ولا أرى القول إلا ما قال الأصمعي؛ لقول رسول الله ﷺ للمرأة: " أتعجزُ إحداكنَّ أن تَتّخذَ تَوْمَتَيْنِ ثمَّ تَلْطَخْهُما بعَبِيرٍ أو وَرْس أو زعفران " ففرق ﷺ بين العبير والزعفران؛ والتَّوْمة: حبة تعمل من فضة كالدُّرَّة.
وكان بعض أصحاب اللغة يذهب في قول الناس خرجنا ننتزَّه -
[ ٣٨ ]
إذا خرجوا إلى البساتين - إلى الغَلَطِ، وقال: إنما التنزه التباعد عن المياه والريف، ومنه يقال فلان يتنزه على الأقذار أي: يُباعد نفسه عنها، وفلان نزيهٌ كريمٌ إذا كان بعيدًا عن اللؤم، وليس هذا عندي خطأ؛ لأن البساتين في كل مصر وفي كل بلد إنما تكون خارج المصر؛ فإذا أراد الرجل أن يأتيها فقد أراد أن يتنزه، أي: يتباعد عن المنازل والبيوت، ثم كثر هذا واستعمل حتى صارت النزهة القعود في الخضَرِ والجِنان. ومن ذلك: " الأعجميُّ، والعجميُّ " و" الأعرابيُّ، والعربيُّ " لا يكاد عوامُّ الناس يفرقون بينهما؛ فالأعجمي: الذي لا يُفصح وإن كان نازلًا في البادية، والعجميُّ: المنسوب إلى العجم وإن كان فصيحًا، والأعرابي: هو البدوي وإن كان بالحضر، والعربيُّ: المنسوب إلى العرب وإن
[ ٣٩ ]
لم يكن بدويًا. ومن ذلك: " إشْلاء الكَلْب " هو عند الناس إغراؤه بالصيد وبغيره مما تريد أن يحمل عليه، وذلك غلط، وإنما إشْلاء الكلب أن تدعُوَهُ إليك، وكذلك الناقة والشاة، قال الراجز:
أشْلَيْتُ عَنْزِي ومَسَحْتُ قَعْبِي
يريد أنه دعا عنزة ليحلبها، فأما إغراء الكلب بالصيد فهو الإيساد، تقول: آسَدْتُهُ وأوْسَدْته، إذا أغريته. ومن ذلك: " حاشية الثوب " يذهب الناس إلى أنها جانبه الذي لا هُدْبَ له، وذلك غلط، وحواشي الثوب: جوانبه كلها، فأما جانبه الذي لا هدب له فهو طُرَّته وكُفَّتُه. ومن ذلك: " الهُجْنَة، والإقْرَاف " في الخيل لا يكاد يفرق الناس
[ ٤٠ ]
بينهما، فالهجنة إنما تكون من قِبَل الأم، فإذا كان الأب عتيقًا والأم ليست كذلك كان الولد هَجينًا، والإقْرَاف: من قِبَل الأب، فإذا كانت الأم من العتاق والأب ليس كذلك كان الولد هجينًا، والإقراف: من قبل الأب، فإذا كانت الأم من العتاق والأب ليس كذلك كان الولد مُقْرِفًا، وأنشد أبو عبيدة لهند بنت النعمان بن بشير في رَوْح ابن زِنْبَاعٍ:
وهلْ هندُ إلاَّ مُهرةٌ عربيَّةٌ سَليلةُ أفراسٍ تَجَلّلها نَغْلُ
فإنْ نُتِجَتْ مُهرًا كريمًا فَبِالحَرَى وإنْ يكُ إقْرافٌ فقدْ أقْرَفَ الفَحلُ