تاريخ كل شيء غايته ووقته الذي ينتهي إليه، ومنه فلان تاريخ قومه في الجود أي الذي انتهى إليه ذلك.
وسئل بعض أهل اللغة ما معنى ذلك فقال: معنى التأخير. وقال آخر هو إثبات الشيء. ويقال: ورخت الكتاب توريخًا لغة تميم، وأرخته تأريخًا لغة قيس. وتاريخ وتاريخان وتواريخ. وأرخ كتابك هذا وورخه.
ولكل نبوة ومملكة تاريخ: فأما العرب فكانوا يؤرخون بالنجوم قديمًا؛ وهو أصل، ومنه صار الكتاب يقولون: نجمت على فلان كذا حتى يؤديه في نجوم. وأنجمة جمع نجوم. والعرب تخص بالنجم الثريا، يقولون إذا طلع النجم يريدون الثريا ومنه قولهم:
طلع النجم غديه فابتغى الراعي كسيه
والنجم بعد هذا سائر النجوم يدل الواحد على جميعها، كما يقال: أهلك الناس الدينار والدرهم يراد الجنس. وعلى هذا قرأ أبو عمرو بن العلاء: " وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار "، والنجم ما نجم من النبات، ومن الرأي ما ظهر وهو غير هذا.
وكانت العرب تؤرخ بكل عام يكون فيه أمر مشهود متعارف،
[ ١ / ١٧٨ ]
فأرخوا بعام الفيل، وفبه ولد النبي ﷺ، وكان في السنة الثامنة والثلاثين من ملك كسرى أنو شروان.
وأرخت العرب بعام الخنان لأنهم تماوتوا فيه، وعظم عندهم أمره فقال النابغة الجعدي:
فمن يك سائلًا عني فإني من الشبان أيام الخنان
مضت مائة لعام ولدت فيه وعشر بعد ذاك وحجتان
وأرخت قريش بموت هشام بن المغيرة المخزومي لجلالته فيهم، ولذلك قال شاعرهم:
وأصبح بطن مكة مقشعرًا كأن الأرض ليس بها هشام
وروي عن الزهري والشعبي، أن بني إسماعيل أرخوا من نار إبراهيم ﵇ إلى بنائه البيت، حين بناه مع إسماعيل، وأن بني إسماعيل أرخوا من بنيان البيت إلى تفرق معد. ثم كانوا يؤرخون بشيء شيء إلى موت كعب بن لؤي. ثم أرخوا بعام الفيل إلى أن أرخ عمر بن الخطاب ﵁ من هجرة النبي ﷺ.
وكان سبب ذلك أن أبا موسى كتب إليه: إنه يأتينا من قبل أمير المؤمنين كتب ليس لها تاريخ، فلا ندري على أيها نعمل.
[ ١ / ١٧٩ ]
وروي أيضًا أنه قرأ صكًا محله شعبان. فقال: أي الشعابين الماضي أم الآتي؟ فكان سبب التأريخ من الهجرة، بعد أن قالوا: نؤرخ بعام الفيل، وقالوا: من المبعث، ثم أجمع الرأي على الهجرة. وقالوا ما يكون أول التاريخ؟ فقال بعضهم: شهر رمضان، وقال بعضهم: رجب فإنه شهر حرام والعرب تعظمه، ثم أجمعوا على المحرم، فقالوا: شهر حرام وهو منصرف الناس من الحج. وكان آخر الأشهر الحرم فصيروه أولًا لأنها عندهم ثلاثة سرد ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، والفرد رجب، فكانت الأربعة تقع في سنتين، فلما صار المحرم أولًا وقعت في سنة.
قال الصولي وسألت أبا ذكوان عن أرخت وورخت. فقال: مثله أكدت الأمر تأكيدًا، ووكدته توكيدًا لغة تميم، وبها نزل القرآن: " ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ". وأما التاريخ بلغة قيس فهو الذي يستعمله الناس، وأما التواريخ لغة تميم فما استعمله كاتب قط، وإن كانت العرب تتكلم به.
وغلبت العرب الليالي على الأيام في التاريخ، لأن ليلة الشهر سبقت يومه ولم يلدها وولدتهن ولأن الأهلة لليالي دون الأيام، وفيها دخول الشهر، وما ذكرهما الله ﷿ إلا قدم الليالي قال الله تعالى: " سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما ". وقال: " يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ". وقال جل اسمه: " سيروا فيها وأيامًا آمنين ".
[ ١ / ١٨٠ ]
والعرب تستعمل الليل في الأشياء التي يشاركها فيها النهار دون النهار، لاستثقالهم الليل فيقولون: أدركني الليل بموضع كذا لهيبته. وقال النابغة:
فإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
وقالوا: صمنا عشرًا من شهر رمضان، وإنما الصوم للأيام، ولكنهم أجازوه إذ كان الليل أول شهر رمضان. وأنشد أبو عبيدة:
فصامت ثلاثًا من مخافة ربها ولو مكثت خمسًا هناك لصلت
وأما الشهور فإنها كلها مذكرة، إلا جمادى الأولى وجمادى الآخرة. ويكتبون من شهر كذا إلا في ثلاثة أشهر، يكتبون في شهر رمضان لقول الله ﷿: " إن كنتم تعلمون شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ". ويقولون: في شهر ربيع الأول وشهر ربيع الآخر، لأن الربيع وقت من السنة، فخالوا إذا قالوا: من ربيع ولم يذكروا الشهر أن يظن أنه من الوقت. قال الراعي:
شهري ربيع ما تذوق لبونهم إلا حموضًا وخمةً وذويلًا
كل ما انكسر واسود من النبت فهو ذويل. فإذا رأوا الهلال أول ليلة كتبوا " وكتب ليلة الجمعة غرة كذا ومستهل شهر كذا ومهل شهر كذا "، لأنهم يقولون: استهل الهلال، وأهل الهلال، ولا يقولون: هل ولا أهل ولا استهل،
[ ١ / ١٨١ ]
ومن قال ذلك فقد أخطأ.
والاستهلال الصوت والصياح، ومنه استهلال الصبي صياحه وبكاؤه إذا ولد. فلما كانوا يكبرون عند رؤية القمر كل أول ليلة من الشهر وفي أول سائر الشهور لقربهم بمضي الخارج من وقت الحج، وسرورهم بالموسم، نسبوا الرؤية إلى فعلهم فقالوا: استهل وأهل، وسموا القمر هلالًا لهذا المعنى.
وأهل مكة يجتمعون ويوقدون النار ويلعب ولدانهم وعبيدهم عندها كل أول ليلة، من سائر الشهور، إلى وقتنا هذا لفرحهم بقرب وقت الحج.
ويكتبون ليلة الإهلال لغرة كذا ولا يكتبون لليلة خلت، ولا لليلة مضت إلا من الغد لأن الليلة قد مضت. وإن كتبوا يوم الجمعة قالوا: أول يوم شهر كذا، ولا يكتبون مستهل ولا مهل لأن الهلال إنما يرى بالليل. ويكتبون في اليوم الثاني لليلتين مضتا، فإذا جاز ذلك، كتبوا لثلاث خلون وأربع مضين، وكتبوا لثمان خلون فيحذفون الياء ويثبتون الألف في الخط.
فإذا أضافوا الليالي أثبتوا الياء للإضافة، لأنه لا يكون تنوين مع إضافة وإنما سقط الياء للتنوين، فيسقطون الألف عند ذلك في الخط، فيكتبون لثمان ليال، ومنهم من يثبتها. وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
وإنما أنثوا إلى قولهم: لعشر خلون، لتقدم الليالي على الأيام كما ذكرت، فإذا جاوز العشر قالوا: لإحدى عشرة ليلة خلت ومضت ولاثنتي عشرة ليلة. وإنما قالوا: ههنا خلت ومضت لأن الترجمة
[ ١ / ١٨٢ ]
بليلة فوحدوا الفعل لذلك. ويكتبون: لخمس عشرة ليلة خلت، وإن شاؤوا كتبوا: للنصف من شهر كذا، ولا يكتبون لخمس عشرة ليلة بقيت، كرهوا ذلك لأنه شبيه الاستثناء، ولا يكون إلا أقل مما استثني منه، ولكن يكتبون بعد النصف بيوم: لأرع عشرة ليلة بقيت. وقد كره أهل الورع ذلك، لأنهم لا يدرون كم بقي لنقصان الشهر وتمامه فيكتبون: لإحدى وعشرين ليل خلت، والكتاب على غير هذا. فإذا كان آخر ليلة من الشهر كتبوا: سلخ كذا لأنهم يقولون: انسلخ الشهر انسلاخًا، وسلخت أشهر كذا سلخًا وسلوخًا. ولو كتب كاتب في ربيع الأول ولم يقل في شهر، أو في رمضان ولم يقل في شهر، جاز وليس بالمختار. قال الشاعر:
جارية في رمضان الماضي تقطع الحديث بالإيماض
ولا يدخلون في شهر من الشهور الألف واللام إلا في المحرم
[ ١ / ١٨٣ ]
لأنه أول السنة فعرفوه لذلك كأنهم قالوا: هذا الذي يكون أبدًا أول السنة. ولا يكتبون: لليلة بقيت وأنت فيها كما لم يكتبوا: لليلة خلت وأنت فيها.
والعرب تسمي أول ليلة من الشهر ليلة البراء لتبرء القمر من الشمس، ويسمونها النحيرة، لأن الهلال نحرها، أبي رؤي في نحرها وأولها. قال ابن أحمر:
ثم استمر عليها واكف همع في ليلة نحرت شعبان أو رجبا
نحرت شعبان كان في نحره وصدره لأنها أوله كما نحرها الهلال إذا رؤي في أولها، ونحيرة فعيلة من نحرت مثل قتلت فهي قتيلة.
قال بعض الكتاب: التاريخ عمود اليقين، ونافي الشك، وبه تعرف الحقوق وتحفظ العهود.
قال: ولا يقع التاريخ في شيء من الكتب السلطانية من رئيس أو مرؤس إلا في أعجاز الكتب. وقد يؤرخ النظير والتابع ما خلص من الكتب في صدورها.
وقيل: الكتاب بغير تاريخ نكرة بلا معرفة، وغفل بغير سمة. قال بعض الشعراء في تاريخ وفاة:
وكان يؤرخ علم القرو ن فها هو ذا اليوم قد أرخا
فأما الذي يروي للمستوغر بن ربيعة فهو قوله - وهو عجيب من العمر في مثل زمانه:
ولقد سئمت من الحياة وطولها وازددت من عدد السنين سنينا
مائة أتت من بعدها مائتان لي وازددت من عدد الشهور مئينا
[ ١ / ١٨٤ ]
هل ما بقي إلا كما قد فاتنا يوم يكر وليلة تحذونا
ويقال: سبت وسبتان وأسبت وسبوت وأسبات وأسابت وأسابيت. وأحد وأحد وأحدان وأحاد وآحاد وأحدات. واثنين واثنايان وأثان وأثانين. وثلاثاء وثلاثاوان وثلاثوات. وأربعاء وأربعاوان وأربعاوات. وخميس وخميسان وأخمسة وخميسات. وجمعة وجمعتان وجمع وجمعات.
ومحرم ومحرمان ومحرمات ومحاريم ومحارم، وصفر وصفران وصفرات وصفارى وأصفار وصفارين، وربيع وربيعان وربيعات وأرابيع، وتقول: شهر ربيع وشهرا ربيع وأشهر ربيع، وجمادى وجماديان وجماديات، ورجب ورجبان ورجبات وأرجبة وأرجاب وأرجب وأراجيب ورجائب ورجابي. وشعبان وشعبانان وشعبانات وشعابين. ورمضان ورمضانان ورمضانات وأرمضة وأرامضة وأراميض ورماضى ورماضين، وشوال وشوالان وشوالات وشواويل، وذو القعدة وذوا القعدة وذوات القعدة وذوو القعدة، وذو الحجة مثله.
وتقول: أكريت الدار مشاهرة ومسانهة ومياومة ومناهرة وملايلة ومساوعة من الساعات.
قال أبو بكر محمد بن يحيى: حدثني محمد بن سهل الأحوال ابن أبي يوسف قال: سمعت ابن إسرائيل يذكر قلة مدة الوزراء فقال: كان هذا الأمر مزامنة، ثم صار معاومة، ثم صار مشاهرة، ثم
[ ١ / ١٨٥ ]
صار مياومة، ثم صار مسا وتلجلج ثم قال: مساعات، وأخطأ أراد مساوعة فلم يفهم.