أنشدنا القاسم بن إسماعيل، قال: أنشدنا محمد بن إسماعيل لأبي
[ ١ / ٦١ ]
النجم العجلي الراجز، وكان له صديق، يقال له زياد يسقيه الشراب، فينصرف أبو النجم من عنده ثملًا:
أقبلت من عند زياد كالخرف تخط رجلاي بخط مختلف
كأنما قد كتبنا لام ألف
وقد عيب أبو النجم بهذا، فقيل: لولا أنه يكتب ما عرف صورة لام ألف كما عيب ذو الرمة في وصف ناقته:
كأنما عينها فيها وقد ضمرت وضمها السير في بعض الأضاميم
يريد كأن عينها دارة ميم لتدويرها، والأضاة الغدير، يقال أضاة وأضا مثل قطاة وقطا وأضأة وآضاء مثل أكمة وآكام. فقيل: لولا أنه يكتب ما عرف الميم.
وحدثنا الغلابي قال: حدثنا عبد الله بن الضحاك، عن الهيثم بن عدي، قال: قرأ حماد الراوية على ذي الرمة شعره قال: نراه قد ترك في الخط لامًا، فقال له ذو الرمة: اكتب لامًا فقال له حماد: وإنك لتكتب! قال: اكتم علي فإنه كان يأتي باديتنا خطاط، فعلمنا الحروف تخطيطًا في الرمال، في الليالي المقمرة، فاستحسنتها، فثبتت في قلبي، ولم تخطها يدي. ومن مليح ما قيل في التشبيه بلام ألف قول بكر بن النطاح:
يا من إذا درس الإنجيل ظل له قلب التقي عن القرآن منصرفا
إني رأيتك في نومي تعانقني كما يعانق لام الكاتب الألفا
فقيل: قلب لحال القافية، لأن المعنى كما تعانق ألف الكاتب اللام لأن الألف تعطف على اللام. والذي عندي أنه صواب لأن كل شيء عانق شيئًا، فإن ذلك الشيء أيضًا قد عانقه. وقال آخر في التشبيه بالهاء:
[ ١ / ٦٢ ]
تنزو إذا مسها قرع المزاج كما تنزو الجنادب أوقات الظهيرات
وتكتسي لؤلؤات في تقلبها من الحباب شبيهات بهاءات
وفي مثله يقول أبو نواس:
ثم شجت، فأدارت فوقها طوقًا فدارا
كاقتران الدر بالد ر صغارًا وكبارا
خلته في جنبات ال كاس واوات صغارا
وقال عبد السلام بن رغبان الحمصي:
فاصرف بصرفك وجه الماء يومك ذا حتى ترى نائمًا منهم ومنصرفا
فقام مختلفًا كالبدر مطلعًا والظبي ملتفتًا والغصن منعطفا
كأن قافًا أديرت فوق وجنته واختط كاتبها من فوقها ألفا
وقال عبد الله بن المعتز:
وكأن السقاة بين الندامى ألفات بين السطور قيام
وقال أبو مقاتل الديلمي واسمه صالح:
شهدت لها لام الطراز بأنها كتبت وكانت قبل عند مهندس
فإذا أدارت قاف صدغ خلتها أخذت قوام الشكل من إقليدس
وقال أحمد بن إسماعيل:
وسال عذاره من تحت صدغ فصارت لام ذاك الصدغ عينا
وقال بعض الأعراب يصف طوق القمرية:
كأن بنحرها والجيد منها إذا راقت عيون الناظرينا
مدادًا لاقه قلم لطيف فصاغ به لطوق النحر نونا
وقال أبو نواس يصف ريش الصقر:
واجتاب من طرازه تفويفًا وشيًا ترى بسيطه مكفوفا
[ ١ / ٦٣ ]
مثل استراق الكاتب الحروفا
وقال أيضًا يصف منسرًا:
في هامة علياء تهدي منسرا كعطفة الجيم بكف أعسرا
يقول من فيها بعقل فكرا لو زادها عينًا إلى فاء ورا
فاتصلت بالجيم فصارت جعفرًا
وقال غيره:
له من عيون الوحش عين مريضة ومن خضرة الريحان خضرة شارب
كأن غلامًا ماهرًا خط خطه فجاء كنصف الصاد من خط كاتب
وقال غيره:
صدغ على خدك أبكاني ورد لي همي وأحزاني
كأنما قومه صائغ وخطه كاتب ديوان
وقال آخر:
وقد بدا صدغه من فوق وجنته كمشقة عطفت من نقطة الراء
وقال محمد بن عبد الملك الزيات:
ماذا تواري ثيابي من أخي دنف كأنما الجسم منه بقة الألف
وقال الثرواني الكوفي:
أما ومطال ذي خلف به أمسيت ذا شغف
وحرمة من خضعت له بلا ميل ولا لطف
[ ١ / ٦٤ ]
خضوع فتى لمالكه بذل الرق معترف
لقد أصبحت ذا كلف بخال غير ذي كلف
كأن معاقد الزنا ر قد عقدت على ألف
ولي من آخر قصيدة إلى بعض الرؤساء أساله حاجة:
سبقتما في حلاب المجد بينكما فرط التجارب ميمون لميمون
فأتبع النون عينًا في المقال ولا تؤخر الميم عن عين وعن نون
وقال عبد الصمد بن المعذل لعلي بن عيسى بن جعفر وقد شرب دواء:
وقد أهديت ريحانًا ظريفًا به حاجيت مستمعي مقالي
وريحان النبات يعيش يومًا وليس يموت ريحان المقال
ولم تك مؤثرًا ريحان شم على ريحان أسماع الرجال
وقال هشام بن عبد الملك لأعرابي: أنظر كم على هذا الميل من عدد الأميال؟ وكان الأعرابي لا يحسن أن يقرأ، فمضى ونظر ثم عاد فقال: رأيت كرأس المحجن، متصلًا بحلقة صغيرة، تتبعه ثلاثة كأطباء الكلبة، تفضي إلى هنة كأنها رأس قطاة بلا منقار. ففهم بصفته أنها خمسة.
وقال أبو نواس يشبه نحوله بقلة حروف لا:
يا عاقد القلب مني هلًا تذكرت حلا
تركت جسمي عليلًا من العليل أقلا
[ ١ / ٦٥ ]
يكاد لا يتجزا أقل في اللفظ من لا
وقال الصولي وأنشدني ابن الخراساني:
مستهتر بالصدود موصوف مؤلف للحاظ مألوف
كأنه في اعتداله ألف ليس لها في الكتاب تحريف
وقال أبو الهندي، وهو أشعث اليربوعي، يخاطب خمارة كانت تبيعه الخمر، فإذا أعطته كوزًا خطت عليه خطًا، فرآها تزيد عليه فقال:
إذا ما بعتني كوزًا بخط فخطي ما بدا لك أن تخطي
وزيدي ثم زيدي ثم زيدي على وغلظي بالله شرطي
وصبي في أبيريق صغير كأن الأذن منه رجع خطي
وقال يهجو ابن حجام:
يا ابن من يكتب في الأ رقاب من غير دواة
لم يكن يكتب فيها غير خط الألفات