يقال عنوان الكتاب وعنونته وهي اللغة الفصيحة. وبعضهم يقول: علونت فيقلب النون لامًا لقرب مخرجهما من الفم، لأنهما يخرجان من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا. وقد قيل: العلوان فعوال من العلانية لأنك أعلنت به أمر الكتاب وممن هو وإلى من هو. وسمعت أحمد بن يحيى يقول: أعلن أمرنا علونًا وعلنًا.
والعنوان العلامة كأنك علمته حتى عرف بذكر من كتبه ومن كتب إليه. قال حسان بن ثابت يرثي عثمان بن عفان ﵁:
ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحًا وقرآنا
وقال المأمون لرجل رآه في موكبه فلم يعرفه، وكان جسيمًا: ما هذه الجسامة؟ قال: " عنوان نعمة الله ونعمتك يا أمير المؤمنين ".
ويروى أن معاوية قال لبعض العرب مثل ذلك، فأجيب
[ ١ / ١٤٣ ]
بهذا الجواب.
وأول من كتب " من عبد الله فلان أمير المؤمنين ". كان يقال لأبي بكر ﵁ وهو أول من سمي " أمير المؤمنين ". كان يقال لأبي بكر ﵁ " خليفة رسول الله "، ثم قيل لعمر: " خليفة رسول الله "، فدخل المغيرة بن شعبة على عمر فقال: " السلام عليك يا أمير المؤمنين "، قال عمر: وما هذه؟ قال: ألسنا المؤمنين وأنت أميرنا؟ فكان أخف من الأول فجروا عليه.
وكانوا يكتبون في العنوان " بسم الله الرحمن الرحيم " مثل ذكر من كاتب ثم ترك.
قالوا: والأحسن في عنوان الكتاب إلي الرئيس، أن يعظم الخط ويفخمه، إذا ذكرت كنيته أو نسبته إلى شيء، وأن تلطف الخط في اسمك واسم أبيك وتجمعه. وقال المحققون من الكتبة: إن في ذلك إخلالًا للمكتوب له وفي مخالفته غض منه وتطاول عليه. وإن كانت آخر الكلمة ياء مثلًا، كأبي علي وأبي عيسى وأبي يحيى وأبي يعلى، غرقت الياء إلى قدام، ولم تردها إلى خلف، فقد حكي في ذلك شيء مليح.
حدثني أبو المرزيان قال: قال لي محمد بن يزيد الأموي الشاعر: استحسنت من عيسى بن فرخانشاه شيئًا، رأى كاتبًا له قد كتب اسمه عيسى، فرد الياء إلى خلف عيسى، فقال: قولوا لهذا الكاتب لا تعد لمثل هذا، فإن أيسر ما فيه أن الياء إذا كانت إلى قدام كان ذلك فألا للإقبال، وفي ردها فأل
[ ١ / ١٤٤ ]
لللإدبار، وقالوا: مع هذا فهو أبهى للخط وأفسح للشكل.
ويعنون إلى الأمير بالإسم والتأمير، بغير دعاء ولا كنية اكتفاء بجلالة التأمير، والإسم مع التأمير أجل من الكنية لأنه أشبه بمكاتبة الخلفاء لأنهم يقولون في التصدير للإمام " لعبد الله فلان الإمام أمير المؤمنين "، ولا يأتون بكنية فكذلك شبهوا هذا به، فكان الإسم مع التأمير أجل من الكنية. ثم يكتبون في التصدير للإمام " لعبد الله فلان الإمام أمير المؤمنين ". ولولي العهد للأمير أبي فلان فلان بن فلان، كناه الإمام أو لم يكنه فرقوأ بينه وبين الإمام.
وقد يذكر الإمام في سكة الضرب باسمه، ويذكرون ولي العهد يكنيته كما ذكرت لك. وقولهم لأبي فلان حقيقتها إلى أبي فلان، والأصل من فلان إلى فلان، فلما قدم ذكر المكتوب إليه أقاموا اللام مقام إلىن وقد قال الله ﷿: " بأن ربك أوحى لها " أي أوحى إليها. وحروف الخفض ينقل بعضها من بعض قال الله ﷿: " ولأصلبنكم في جذوع النخل " أي على جذوع النخل.
وقال الشاعر:
إذا رضيت علي بنو قشير لعمر الله أعجبني رضاها
وهذا كثير جدًا. وقال بعض الكتاب: اللام لمخاطبة الجليل، وإلى لمخاطبة الأدنى فالأجل يكتب من فلان بن فلان إلى فلان
[ ١ / ١٤٥ ]
بن فلان، والنظراء ومن دون يكتبون لأبي فلان من فلان.
وقد عنون أحمد بن يوسف كتابه بشعر، فكتب إلى طاهر بن الحسين:
للأمير المهذب المكنى بطيب
ذي اليمنين طاهر بن الحسين بن مصعب
وكتب عقال بن شيبة إلى المسيب بن زهير الصبي:
للأمير المسيب بن زهير من عقال بن شبة بن عقال
وكتب آخر إلى نصر بن حمزة الخزاعي:
لأبي القاسم بن حمزة نصر من فتى قائم بحمد وشكر
وكتب إليه ابن الحباب:
لأبي الفضل شبة الغسان المرجى لدفع ريب الزمان
من أخ لم يزل يجد له الوص ل على حين جفوة الإخوان
وعنون أبو نواس كتابًا له:
هذا كتاب بدمع عيني أملاه قلبي على لساني
إلى حبيب كنيت عنه أجل ذكر اسمه لساني
حدثنا اليزيدي قال: كتب أحمد بن إسماعيل إلى عرام، وهو بالكوفة مع مولاه كتابًا عنوانه:
دموع العين مذروفه ونفس الصب مشغوفه
من المشوق إلى البدر ال ذي يطلع بالكوفه
[ ١ / ١٤٦ ]
وحدثني أحمد بن محمد الأسدي، قال: كتب رجل إلى المهدي كتابًا عنوانه " عبده فلان "، فقال: لا أعلمن أحدًا نسب نفسه إلى عبودة في كتاب أو عنوان، فإنه ملق كاذب وليس يقبله إلا غبي أو متكبر.
وحدثني عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، قال: رأى طاهر بن الحسين رقعة، كتبها ابنه عبد الله بن طاهر إلى المأمون، عليها " عبده " فقال: يا بني سميتك عبد الله وكذلك أنت، فلا تشركن في الملك أحدًا، فإنه جعلك بإنعامه حرًا لا مولى لك سواه.
وقال إبراهيم بن الحسن بن سهل يرثي أخاه:
قد كنت عنوان كرام مضوا فمت فاختلت أصول الكرام
وحدثنا أبو ذكوان عن التنوخي، قال: يقال: عنوان الكتاب وعينانه وعلوانه. والعنوان الأثر الذي يعرف به الشيء. وتقول العرب: ما عنوان بعيرك؟ أي ما أثره الذي يعرف به. وتقول علونت الكتاب أعلونه علونة وعلوانًا، فإذا أمرت قلت: علون يا معلون، وعنونته عنونة وعنوانًا، فإذا أمرت قلت: عنون يا وعنون. ومن قال: عنيت الكتاب قال: عنن. ومن قال: عنيت الكتاب أبدل مكان إحدى النونان ياء، فقال: عنِّ يا معنى مثل غنِّ يا مغني.
قال أبو بكر: حدثنا أحمد حدثنا أحمد بن يحيى قال: كتب رجل إلى الزبير بن بكار يستجفيه فكتب إليه الزبير:
ما غير الدهر ودًا كنت تعرفه ولا تبدلت بعد الذكر نسيانا
ولا حمدت وفاء من أخي ثقة إلا جعلتك فوق الحمد عنوانا
[ ١ / ١٤٧ ]