تسمي العرب ما يكتب فيه القرطاس، وجمعه قراطيس، ومهرقًا وجمعه مهارق، وصحيفة وجمعها صحائف، وسفرًا والجميع أسفار، قال الله ﷿: " يمحل أسفارًا "، وقد نزل القرآن بجميعها إلا المهرق. قال الله تعالى: " تجعلونه قراطيس "، وقال تعالى: " ولو نزلنا عليك كتابًا في قرطاس "، وقال تعالى: " إن هذا لفي الصحف الأولى ". والعرب تشبه المنزل، إذا خلا ودرجت عليه
[ ١ / ١٠٥ ]
الريح وصار أرضًا، بالمهرق. قال الأعشى:
سلا دار ليلى هل تبين فتنطق وأنى ترد القول بيضاء سملق
وأنى ترد القول دار كأنها لطول بلاها والتقادم مهرق
وشبه أبو نؤاس الناقة البيضاء بالقرطاس فقال:
واحتازها لون جرى في جلدها يقق كقرطاس الوليد هجان
قيل: خص قرطاس الوليد لأنه معه كالرسم لم يكتب فيه بعد، والهجان أيضًا الكرام من الإبل وغيرها وما أعلم أحدًا استوفى في وصف القرطاس إلا جعفر بن حمدان المصري الكاتب فإنه قال:
في يديه من القراطيس كالمز نة جادت بواكف مدرار
كالملاء الرحيض كالبيض بيض الهند كالبيض كالمياه الجواري
كالسراب الرقراق في عنفوان الصيف نصف النهار في أيار
ما تبالي أجلت عينك فيه حين يطوي أم في حضور العذاري
[ ١ / ١٠٦ ]
يسبح الخط فيه عفوًا فما يك بو بوعث فيه ولا بحبار
حدثني أبو تذكوان القاسم بن إسماعيل قال: سمعت عمك أحمد بن عبد الله بن العباس، المعروف بطماس، يقول - وكان حسن البلاغة: القرطاس أمره ما لم تكحله مل الدواة.
ومن مليح الأخبار التي ذكر فيها القرطاس ما حدثني به أحمد بن محمد الأنصاري، قال حدثنا أبو العيناء عن الجماز قال: أراد أبو نؤاس أن يكتب إلى إخوانه له، فلم يجد شيئًا يكتب فيه فحلق رأس غلامه، وكتب عليه ما أراد، وفي آخرها كتب: وإذا قرأتم الخطاب فخرقوا القرطاس قال: فردوه بلا جلدة رأس. ورأى جرير رجلًا أسود عليه ثياب جد فقال:
كأنه لما بدا للناس أير حمار لف في قرطاس
وقال أبو نؤاس:
لم يقو عندي على تخريق قرطاسي إلا فتى قلبه من صخرة قاسي
إن القراطيس من قلبي بمنزلة تكون كالسمع والعينين في الراس
لولا القراطيس مات العاشقون معًا هذا بغم وهذا كم بوسواس
فأما الكراريس فواحدها كراسة، قال الأصمعي: كرست الكتب والورق جعلت شيئًا منه إلى شي وأكرس الغنم اجتماع
[ ١ / ١٠٧ ]
بعرها وبولها في مواضعها حتى يتطارق بعضه إلى بعض، قال العجاج:
يا صاح هل تعرف رسمًا مكرسًا
قال أبو عبيد: اكرس البعر عليه فهو مكرس، ويروى مكرسًا كأنه أكرس فهو مكرس وأصله ما ذكرت لك. وتكارس ورق الشجر تحته وقع بعضه فوق بعض.
ويقال دفتر ودفتر. وما سمع شيء في اشتاقه إلا أنه عربي فصيح. قال جندل بن المثنى الطهوري:
هل لا بحجر يا ربيع تبصر قد قضي الدين وجف الدفتر
ويروى الدفتر. وأنشدني الحسين بن يحيى:
هل تذكرين إذا الرسائل بيننا تأتيك في الشجر الذي لم يغرس
إذ سر نفسي في يديك ومثله لك في يدي من الفصيح الأخرس
وقال ابن الأحنف:
صحائف عندي للعتاب طويتها ستنشر يومًا والعتاب طويل
عتاب لعمري لا بنان يخطه وليس يؤديه إليك رسول
آخر:
جاء الرسول بقرطاس فهيج لي شوقًا وأحببت منه كل قرطاس
فيه معاتبة منها تذكرني عهد الوصال كأني غافل ناس
وقال:
أتاني كتاب منمليكي بخطه فما أعظم النعمى وما أصغر الشكرا
فظلت تناجيني بما في ضميره أنامل قد صاغت بأقلامها سحرا
قال وكتب إلى فوز كتابًا أغضبها:
كتبت وليته شلت يمينه ولم أكتب إليك بما كتبت
كتبت وقد شربت الكأس صرفًا فلا كان الشراب ولا شربت
[ ١ / ١٠٨ ]
وقال ابن الأحنف أيضًا:
أهدت إلى صحيفة مختومة نفسي الفداء لخط ذاك الكاتب
ففكتها فقرأت ما قد حبرت فإذا مقالة مستزيد عاتب
حدثني أبو عبد الله الأسباطي قال: كان رجل من الكتاب يهودي مغنية ويكاتبها، فكانت تخرق كتبه وتأمره بتخريق كتبها، فكتب إليها: إني أحتفظ بكتبك وتتهاونين بكتبي فتخرقينها فكتبت إليه:
يا ذا الذي لام في تخريق قرطاس كم مر مثلك في الدنيا على راسي
الحزم تخريقه إن كنت ذا نظر وإنما الحزم سوء الظن بالناس
إذا أتاك وقد أدى أمانته فاجعل كرامته دفنًا بأرماس
وشق قرطاس من تهوى وكن حذرًا يا رب ذي ضيعة من حفظ قرطاس
فكتب إليها: الصواب رأيك وخرق رقاعها.