قال أبو بكر: يروى عن طاوس أن رسول الله ﷺ قال: " عادي الأرض لله ولرسوله ثم هي لكم " يعني أنها تقطع للناس.
وروي عن رسول الله ﷺ أنه أقطع جماعة من المهاجرين والأنصار من أموال بني النضير وكانت صفيًا لرسول الله ﷺ خالصة. فكان فيمن سمي ممن أعطى أبو بكر ﵁ أعطاه بئر حجر؛ وعمر ﵁ أعطاه بئر جرم، وعبد الرحمن بن عوف سؤالة، وأقطع صهيبًا الصراطة، وأقطع الزبير وأبا سلمة بن عبد الأسد البريلة، وأقطع أبا دجانة وسهل بن حنيف مالًا يقال له حرسة، وأقطع رجلًا من الأنصار أرضًا، فكان يخرج إليها فيرجع فيقال: نزل بعدك من القرآن كذا أو قضى رسول الله ﷺ بكذا. فقال: يا رسول الله إن هذه أرض تشغلني، فاقبلها مني فلا حاجة لي
[ ١ / ٢١٠ ]
فيها فقبلها منه رسول الله ﷺ. فقال: أقطعينها فأقطعه إياها، وأقطع الزبير أيضًا بخيبر أرضًا فيها شجر ونخل، وقصرها، وكتب له بذلك كتابًا، وأقطع عتبة بن فرقد موضع داره بمكة مما يلي المروة.
ولما أسلم تميم الداري قال: يا رسول الله إن الله يظهرك على الأرض كلها فهب لي قريتين من بيت لحم، قال: " هي لك "، وكتب له بها كتابًا فلما ظهر عمر ﵁ على الشام جاءه بكتاب رسول الله ﷺ فقال عمر: " أنا شاهد ذلك فإعطاه إياها ". وبيت لحم هذه من القرية التي ولد فيها عيسى ﵇.
واستقطعه أبيض بن جمال المازني الملح الذي بمأرب، فأقطعه إياه، فلما ولى قال رجل: إنما أقطعته الماء العد، فرده ولم يمضه له كأنه ﵊، لما قال له: الماء العد، رأى أنه شيء بين الناس جميعًا. ولم يكن ﷺ يقطع حق مؤمن ولا معاهد. فبهذا جرت السنة في الإقطاعات.
وأقطع أبو بكر الزبير الجرف أيضًا مواتًا، وأقطع طلحة أرضًا، وكتب له كتابًا وأشهد له ناسًا فيهم عمر، فأتى طلحة عمر بالكتاب ليختمه فقال: هذا كله لك دون الناس! لا أختم هذا. فرجع طلحة مغضبًا إلى أبي بكر، فقال: أنت الخليفة أم عمر؟ فقال عمر ولكنه أبى وأبطل الإقطاع.
وأقطع أبو بكر لعيينة بن حصن الفزاري قطيعة، وكتب له بها كتابًا، فأتى عيينة عمر فأعطاه الكتاب، فبصق فيه ومحاه وسأل
[ ١ / ٢١١ ]
عيينة أبا بكر أن يجدد له الكتاب فقال: لا أجد شيئًا رده عمر.
وأقطع عمر بن الخطاب الزبير العقيق أجمع.
وخرج رجل من أعل البصرة، يقال له نافع إلى عمر فقال: إن قبلنا أرضًا بالبصرة وليست من أرض الخراج ولا بأحد من المسلمين، فإن رأيت أن تقطعينها أتخذ فيها قضاء لخيلي، فكتب له أبي موسى: إن نافعًا سألني أرضًا على شاطئ دجلة، فإن لم تكن أرض جزية ولا خراج ولا أرضًا يجري إليها ماء جزية فأعطه إياها.
وأقطع عثمان خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ: الزبير، وسعدًا، وابن مسعود، وأسامة بن زيد، وخبابًا، من صوافي كسرى ومما جلا عنه أهله. ثم أقطع الخلفاء بعد ذلك.
حدثنا فهد بن إبراهيم الساجي، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن نافع قال: قدم المهدي البصرة، وقاضيه عليها عبيد الله بن الحسن العنبري، فقال له: انظر بيني وبين أهل المرعات نهر من أنهار البصرة، فجلس لهم وحضر المهدي وحضر من يناظره، فقال عبيد الله: ما تقول يا أمير المؤمنين؟ فقال: المسلمين كافة وفي مصالحهم إذا إقطاع من إمام فلا سبيل لأحد عليه. فقال رسول الله ﷺ لأنه قال: " من أحيا أرضًا مواتًا فهي له " وهذه موات. فقال: فوثب المهدي ووثب الناس حتى ألصق خده بالتراب عند ذكر النبي ﷺ، وقال: قد سمعت
[ ١ / ٢١٢ ]
وأطعت. ثم عاد فقال: نفي أن يكون مواتًا والماء محيط بها من جوانبها، فإن أقاموا البينة على هذا سلمت لهم. فلم يأتوا ببينة. وأحب عبيد الله أن يتحدث الناس بأنه حكم على المهدي بحكم، فخلط حكمًا بسؤال فضج المهدي ووثب، وتفرقوا. فعزله المهدي وقال: والله ما أردت إلا أن يقول الناس حكم على المهدي وإلا علمت أن الحق معي!.
وبلاد المسلمين عامر وموات، فالعامر لأهله والموات شيئان: شيء ملكه الناس فأحيوه ثم خرب ومات، فهذا الموات لأهله لا يملكه عليهم أحد، إلا بإذنهم وهو كالعامر. والموات الثاني ما لم يملكه أحد قط، فهذا الذي قال رسول الله ﷺ: " من أحيا أرضًا مواتًا فهي له "، والإحياء أن يأتي إلى موضع لا ينازعه فيه أحد ولا لأحد فيه أثر فيحوزه ويسوق إليه بكلفة ومشقة أو يبني فيه بناء.
والعروق أربعة: عرقان ظاهران وهما البناء والغرس، وعرقان باطنان كالبئر والنهر.
وقيل: من أقطع معدنًا ملكه ملك الأرض وقيل: لا يملكه ملك الأرض إلا إن عمل فيه وإلا دفع إلى من يعمل فيه.