التأييد في اللغة التقوية. والأيد القوة، قال الله ﷿: " بنيناها بأيد " أي بقوة. فإذا قال: وأيدك، فكأنه قال: قواك. فإذا قالوا: وتأييده وكلاءته، فإنما قولون وحفظه. وفلان يكلأ القوم يحفظهم، فهو كالئ لهم. فإذا قالوا: وزاد في إحسانه وآلائه لديك. فإن الآلاء النعم، واحدها إلى وألى مثل عنب وأعناب. قال الله
[ ١ / ١٧٥ ]
﷿: " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي فبأي نعمه لما عدد في سورة الرحمن نعمه على عباده، أتبع كل نعمة بذلك توبيخًا لمن كفر به، وجحد نعمه. فإذا قالوا: " وأدام عزك " فإن العز ضد الذل وأصله المنعة، وعز الشيء إذا امتنع وهو من قولهم: أرض عزاز إذا كانت صلبة وقولهم " من عز بز " أي من غلب سلب، لأنه يقال بزه كذا أي أخذه منه.
قال الصولي: ودخلت يومًا على بعض الوزراء، وهو يقرأ كتابًا، من عامل له، فمر فيه على " قد علم الله نصحي واجتهادي وإيالتي " فقال ما معنى إيالتي؟ قلت يريد حسن قيامي. حدثنا أحمد بن يحيى ثعلب قال: سمعت ابن الأعرابي يقول: سمعت العرب تقول: آل ايلة فلان يؤولها أو لا وإيالة إذا كان حسن القيام عليها.
فأما قولهم: وجميل بلائه لديك، فإني سمعت أبا العباس أحمد بن يحيى ثعلب وقد سئل عن بيت زهير:
رأى الله بالإحسان ما فعلا بكم فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو
فقال المعنى رأى الله إحسانهما فصنع إليهما خير الصنيع الذي يبتلي به عباده لأنه يبتلي بالخير والشر والصحة والسقم. قال محمد بن يحيى الصولي: وقال أبو عبيدة: فاختبرهما بخير ما يختبر به لا بشره، لأن الابتلاء عنده الاختبار، ومنه " لنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين "، أي ولنختبرهم، وقد علم ذلك ﷿ كيف يكون، ولكنه يريد أن يقع منهم فعل له يقع عليه الجزاء والعقاب، لأنه لا يعذب على علمه ماذا فعلوا، فقد علم كيف كان، وعلمه ﷿ سواء فيما يكون وفيما كان إلا أنه لا يوجب الجزاء للعباد، وعليهم على ما يعلم منهم من إحسان وإساءة إلا بعد وقوع الفعل من العباد.
وسئل محمد بن يزيد النحوي عن قول العجاج في الثور:
[ ١ / ١٧٦ ]
وفي الحجوز وفتى الولي ونية حيث انتوى منوي
فقال: يريد الدعاء له كأنه يكون بمكان فيه وسمي ثم يأتي الولي. ونية يريد وجهة يفتقدها الثور حيث انتوى توجيه منوى، أراد حين ذهب فأي مصرف فاعلًا إلى مفعول فيريد رزق تبنًا بهذا المطر حيث توجه إما دعاء له وإما إخبار عنه وعن حاله، فكان هذا عندي مما تفرد بالقول فيه حتى أنشدنا أحمد بن يحيى ثعلب بعد ذلك للأعشى أعشى شيبان:
يا عمرو اقصد نواك الله بالرشد وأقر السلام على الإبقاء والقصد
وبك عيشًا تولى بعد جدته طابت أصائله في ذلك البلد
فقيل له: ما معنى نواك الله؟ فقال: رعاك الله الرشد حين انتويت وحين نويت، فصح ذلك عندي، وعلمت أنه من كلام العرب.
ومن ملح ما قيل في " مت قبلك " ما حدثنا به المبرد قال: كنت عند أبي العباس بن ثوابة، فوردت عليه رقعة البحتري وفيها:
اسلم أبا العباس واب ق ولا أزال الله ظلك
وكن الذي يحيا لنا أبدًا ونحن نموت قبلك
[ ١ / ١٧٧ ]
لي حاجة أرجو لها إحسانك الأوفى وفضلك
والمجد مشترط علي ك قضاءها والشرط أملك
فلئن كفيت مهمها فلمثلها أعددت مثلك
فكتب إليه: قد قضاها الله، ولو أفنيت المال، وهدمت الحال.