قال أبو بكر: سمعت أحمد بن إسماعيل بن الخصيب الكاتب يقول: الأئمة يوقعون في السجلات، ويكتب الإمام في الثلثين من الطومار إلى ملوك الملك وإلى عماله، ويكتب عماله إليه في مثل ذلك، ويكاتبه وزيره في النصف في أمور العامة الديوانية.
فأما الخاص الذي يكتبه بخطه، أو يكتب بين يديه بإملائه، ففي خمسين، ويكاتبونه في مثل ذلك في الخاص والعام، إلا من كان منهم في أدنى الطبقات، فإنه لا يكاتب إلا في النصف في الحالتين جميعًا.
وتتكاتب الأكفاء في الأثلاث والأرباع وتتحمل المودة بينهم كل شيء حملته من التسمح في ذلك، والأسداس للتوقيعات.
وقال بعض الكتاب:
أنت لما ابتدأت تكتب في الأن صاف خفنا من قلة الإنصاف
وعلمنا بأن مثلك لا يج مع بين الإنصاف والأنصاف
وقال آخر وكتب إليه في سدس:
تكاتبني بالسدس جهلًا بقدره لئن كان في التعريف يكتب بالأمس
إذا ما التعاويذي فارق رسمه فليس بمأمون التغير والنكس
ولولا حنين هاجه مثل سائق إلى الخط في التعويذ لم يعن بالسدس
[ ١ / ١٤٨ ]
إذا صح حس المرء صح قياسه وليس يصح العقل من فاسد الحس
واحتج آخر في أن كتب في ظهر فقال:
كتبت إليك في ظهر لعلمي ومعرفتي بحبك للظهور
فقلبه ابن الرومي فقال:
عشقك الغلمان ما أم كنك النسوان أفن
إنما يكتب في الظه ر إذا أعوز بطن
وقد كره الناس الظهور، وأمر بترك استعمالها في النسخ وإنشائها، فكيف في المكاتبة. وقيل هي تفسد النيات، وتذيع الأسرار بما في باطنها، وتشعث الخطوط، وتغض من سمو الدولة، وتحقر من قدر المعنى أكثر مما بقدر منها من الارتفاق والقيمة بينها وبين النقي. وأكثر ما يكون إنصاف كتب مقطوعة، وإذا كانت كذلك كانت جنونا، ولهذا قال أبو تمام:
عذل شبيه بالجنون كأنما قرأت به الورهاء سطر كتاب
واعتذر آخر من كتابته في الظهر فقال:
إن كتابي لك في الظهر يخبر أني ظاهر الفقر
فاعذر بنفسي أنت من سيد فالعذر أولى بالفتى الحر
واعلم وإن كنت الذي علمه يفوق علم البدو والحضر
إن الغنى يصلح دين الفتى والفقر سواق إلى الكفر
[ ١ / ١٤٩ ]