قال أبو بكر: حدثنا القاضي عمرو بن تركي قال: حدثنا القحذمي قال: كان بالبصرة والكوفة ديوانان لإعطاء الجند والمقاتلة والذرية بكتاب بالعربية، وديوان بالفارسية. وبالشام ديوان بالعربية لمثل ذلك، وديوان بالرومية. فحول ديوان العراق إلى العربية أبو الوليد صالح بن عبد الرحمن البصري، وهو مولى بني مرة بن عبيد من بني سعيد بن زيد مناة بن تميم وكان من سبي سجستان. وكان صالح يكتب لزادان فروخ على الدواوين أيام الحجاج، وكان أول من جمع له الغزاة أن زيادًا قال: فاستكتب عليها زادان فروخ الأعور، فبقي إلى هذا الوقت قال: فلما رأى الحجاج ذكاء صالح قربه، فقال لزادان فروخ: إن الأمير يقدمني عليك، وأنت سببي منه، وما أحب ذلك، فلم يزل يؤخره عنه والحجاج يطلبه، فقال له زادان فروخ: لابد للحجاج مني لأنه لا يجد من يقوم بحساب ديوانه غيري، فقال له صالح: إنه إن أمرني بنقل الحساب إلى العربي فعلت، قال: فانقل شيئًا منه بين يدي ففعل، فقال زادان فروخ: لكتابه الفرس التمسوا مكسبًا غير هذا.
قال وقدم الحجاج صالحًا فقلب صالح الديوان إلى العربي وكان كتاب العراقين كلهم غلمانه وتلاميذه. وكان ديوان الشام إلى سرجون بن منصور، وكان روميًا نصرانيًا، كتب لمعاوية ولمن بعده إلى عبد الملك بن مروان، ثم رأى عبد الملك منه توانيًا، فقال عبد الملك لسليمان بن سعد مولى
[ ١ / ١٩٢ ]
لحسين - وكان على مكاتبات عبد الملك والرسائل: ما أحتمل سحب سرجون، أفما عندك حيلة في أمره؟ فقال: بلى أنقل الحساب إلى العربية من الرومية، فقال: افعل. فحوله، فولاه عبد الملك جميع دواوين الشام وصرف سرجون فلم يزل سليمان بن سعد على ذلك إلى أيام عمر بن عبد العزيز ﵀. ثم إن عمر بن عبد العزيز وجد عليه فعزله، واستكتب مكانه صالح بن كثير الصداي من أهل طبرية.
قال الصولي: حدثنا علي بن الصباح يقول: سمعت الحسن بن رجاء يقول: ناظر فارسي عربيًا بين يدي يحيى بن خالد البرمكي فقال الفارسي: " ما احتجنا إليكم قط في عمل ولا تسمية، ولقد ملكتم فما استغنيتم عنا في أعمالكم ولا لغتكم، حتى إن طبيخكم وأشربتكم ودواوينكم وما فيها على ما سمينا، ما غيرتموه كالإسفيداج والسكباج والدوغباج، وأمثاله كثيرة وكالسكنجبين والخلنجبين والجلاب، وأمثالها كثيرة وكالروزنامج والاسكدار والفراونك، وإن كان روميًا ومثله كثير، فسكت عنه العربي. فقال له يحيى بن خالد: قل له: " اصبر لنا نملك كما ملكتم ألف سنة بعد ألف سنة كانت قبلها لا نحتاج إليكم ولا إلى شيء كان لكم ".
قال: وما سمعته العرب فاحتاجت إلى استعماله في نظم أو نثر، فقد أعربته فصار عربيًا بتكلمها به وإعرابها إياه. ألا ترى إلى امرئ القيس لما خرج يريد ملك الروم فرأى الفراونك، وفعله وإنه مقطوع الذنب كيف وصفه وعربه فقال في قصيدته التي أولها:
[ ١ / ١٩٣ ]
سما لك شوق بعد ما كان أقصرا
فقال فيها:
إذا قلت روحنا أرن فرانق على جلعد واهي الأباجل أبترا
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه وأيقن أنا لاحقان بقيصرا
قال أبو بكر: واعترضني خبر لطيف في الفرانق ليس من الكتاب فذكرته: حدثني عون بن محمد الكندي، قال: كان ابن شاهك عدوًا لأحمد بن أبي أمية، وكان فيه تأنيث فولاه إسحاق بن إبراهيم عملًا، فقال ابن أبي أمية يخاطب إسحاق ويذكر ابنه بابن شاهك، وجعل الذي رماه به كالفرانق، وما معه كالخريطة فقال له:
" قل " للأمير أدام الله نعمته قولًا له عند أهل الرأي تحصيل
إن ابن شاهك قد وليته عملًا أضحى وحقك عنه وهو مشغول
بسكة أحدثت ليست بشارعة تفضي إلى عرصة في جوفها ميل
يرى فرانقها في الركض مندفعًا ينوي خريطته والبغل مشكول
وهذا نحو قول أعرابي يصف صاحبًا له، تزوج فلم يفق ليله فأنشد:
[ ١ / ١٩٤ ]
فبات يسري ليله ولم ينم ولم يجاوز سيره قيس قدم
وأنشد هارون بن عبد الله لدعبل، يهجو الحسن بن وهب، لما ولي البريد بنحو قول ابن أبي أمية:
ألا أبلغ أمير المؤمنين محمدًا رسالة ناء عن جانبيه شاحط
بأن ابن وهب حين يشحج شاحج يمر على القرطاس أقلام غالط
أحب بغال البرد حبًا مداخلًا دعاه إلى غشيانها في المرابط
ولولا أمير المؤمنين لأصبحت أيور بغال البرد حشو الخرائط
وقد هجا عبد الرحمن بن عائشة ميمون بن إبراهيم صاحب البريد بنحو معنى ابن أبي أمية فقال:
ألا قولا لميمون مقالًا يدبره الحكيم بحسن عقله
أما ينهاك شيبك عن كتاب شغلت بخرجة عنا ودخله
يجيء به الفرانق مستعدًا بغير يد فيأخذه برجله
[ ١ / ١٩٥ ]