فقد استعمل الناس قريبًا من ترتيب الدعاء، وتكثيره وتقليله، أشياء كلفوا أنفسهم فيها، مؤونة المخاضة فيها والتحفظ فيها منها. وقد كان المتقدمون يسمحون في ذلك، ولا يتشاحون عليه إلى الرسوم في الكتب عن الأئمة فإنها على الأمثلة التي كانت تجري عليها الكتب، وتصدر بها في أيام النبي ﷺ كثيرًا، لم تغير عما كانت تصدر به عن النبي ﷺ: يبدأ باسمه ويختم الكتاب باسم كاتبه. وكذلك هي عن الأئمة بإمرة المؤمنين
[ ١ / ٣٩ ]
والإمامة، والتصدير في أول الكتاب، والدعاء في آخره للإمام وولي العهد والوزير واحد. إلا أنهم قالوا: سلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، وكذلك لولي العهد في التصدير والدعاء الأخير. ولم يقولوا للوزير وبركاته ليفرقوا بين المحلين. وقد كتب بعضهم في عجز الكتاب إلى الوزير وبركاته. فأما في التصدير فلا وذلك للفرق بين المحلين.
وكان التصدير ينتهي إلى قوله: " فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. إلى أن أفضت الخلافة إلى الرشيد، فأمر أن يزاد فيه وأسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله ﷺ ". فكتب بذلك إلى هذا الوقت. فكانت هذه من أفضل مناقب الرشيد.
وكان الرشيد، قال ليحيى بن خالد: قد عزمت على أن يكون في كتبي من عبد الله هارون الإمام أمير المؤمنين عبد محمد رسول الله. فقال له يحيى: قد عرف الله نيتك في هذا يا أمير المؤمنين، وحان لك أجره، والتعبد إنما هو لله وحده لا لغيره. قال: فاكتب: " من هارون مولى محمد ". فقال: إن المولى عند العرب ربما كان ابن العم وجزى الله أمير المؤمنين خيرًا وهداه إليه.
وقد يزيد في الكتب، ذكر الصفات، التي اختص الله تعالى بها كالمنصور والمهدي والهادي والرشيد. والعجب أن قومًا يسمونها ألقابًا والألقاب مكروهة وإنما هي نعوت وصفات.
وجعلوا مثل ذلك لولاة العهود، وخوطب بها الخلفاء، قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، يخاطب المعتضد بالله، في قصيدة ذكر فيها
[ ١ / ٤٠ ]
ابنه عليًا المكتفي بالله.
المكتفي بالله صاحب عهدنا فاجعله نحلته من الأسماء
فلما ولي المكتفي بالله الخلافة قال: قد سماني عبد الله باسم لا أريد غيره.
ولم يكن يدعى للخلفاء على المنابر بالنعوت، فيقال: اللهم أصلح عبدك وخليفتك عبد الله المنصور أمير المؤمنين ولا المهدي. وكان أول من دعي له بذلك محمد الأمين أمير المؤمنين، وجرى على ذلك إلى اليوم.
ولا يكاتب بالتصدير الإمام ولا ولي عهده ولا وزيره. فأما الإمام فيكتب بالتصدير إلى كل من خاطبهن من عامل حرب وخراج وقضاء، في الكتب المدونة المنعوتة، بالعهود والعقود وجباية الفيء، والحمول والنفقات والإقطاعات والإمارات والفتوح، وما جرى هذا المجرى، ويبدأ بنفسه. ولا يخاطب الإمام أحدًا من هذه الطبقات بدعاء له في التصدير إلا ولي عهده، فإنه يدعي له بعد التصدير بالحفظ والحياطة.