قال أبو بكر بن يحيى الصولي: قدم النبي ﷺ المدينة مهاجرة من مكة، والناس أخلاط مسلمون ويهود
[ ١ / ٢١٣ ]
ومشركون ومنافقون. فوادع يهود المدينة كلهم، على أن يكفوا عنه ويكف عنهم. فلما غزا تبوك، أمره الله بوضع الجزية، فصالح أهل أيلة، وأدرح، ووادي القرى، وتيماء، ووضع عليهم الجزية، وقدم المدينة فوضع الجزية على من بالمدينة ومكة وخبير واليمن ونجران، من أهل الذمة، ووضع الجزية على رقابهم: على الرجل دينارًا ونحوه، وليس في ذلك النساء ولا الصبيان، وفي تجاراتهم نصف العشر، فلما فعل ذلك بهم صارت لهم ذمة وعهد وجب عليه ﷺ أن يمنعهم ممن ظلمهم، ويقاتل عنهم، ولم يكن لهم، وهم موادعون، أن يمنعهم ويقاتل عنهم وإن ظهر عليهم عدوهم.
وقال قوم: أول من أدى الجزية أهل نجران. وقبل ﷺ من المجوس الجزية.
حدثنا محمد بن يونس الكديمي وإبراهيم بن عبد الله اللجي، واللفظ للكديمي، قلا: حدثنا أبو عاصم قال: رأيت جعفر بن محمد ﵁ بمكة، فقلت: يا ابن رسول الله حدثني قال: أفي هذا الموضع؟ فقلت: إن رأيت ولو حديثًا، فقال: سمعت أبي يقول: قال عمر بن الخطاب: لست أدري ما أصنع بالمجوس! فقام إليه عبد الرحمن بن عوف، فقال: سمعت رسول الله ﷺ، وسئل عنهم فقال: " استنوا بهم سنة أهل الكتاب ". فقلت: يا ابن رسول الله زدني فضرب بغلته وسار.
[ ١ / ٢١٤ ]
وكانت الجزية أيام رسول الله ﷺ، على كل حالم دينارًا، وليس على النساء ولا الصبيان شيء. ثم ضرب عمر على أهل الشام - وبعضهم يقول على أهل الذهب - على الرجل أربعة دنانير وحنطة وزبيبًا. ثم زالت الحنطة والزبيب. وضرب على أهل السواد دينارًا، والصرف اثني عشر درهمًا بدينار على الطبقة السفلى، وعلى الوسطى دينارين أربعة وعشرين درهمًا، وعلى العليا أربعة دنانير بثمانية وأربعين درهمًا، وأسقط ذلك عن النساء والصبيان. وإنما فعل عمر ذلك على قدر اليسار والطاقة.
فالذين يؤخذ منهم الجزية اليهود والنصارى والمجوس والصابئون وقد أخذ عثمان ﵁ من البربر.
واستيداء الجزية بغير ضرب ولا عنف. ويقبل منهم مكان الدنانير والدراهم الثياب وما أشبهها. وروي عن علي ﵇ أنه كان يأخذ في الجزية من صاحب المال مالًا، ومن صاحب الحبال حبالًا. ولا يأخذ فيها خمرًا ولا خنازير.
ولا يباع في الجزية بقرهم ولا حميرهم ولا مواشيهم. واختلف الناس في قوله ﷿: " عن يد وهم صاغرون "، فقال سعيد بن المسيب: يتعبون عند أخذها. قال أبو عبيد: لم يرد تكليفهم فوق طاقتهم، إنما أراد أن لا يعاملوا عند طلبها بالإكرام لكن بالإستخفاف. وكتب عمر إلى أمراء الأجناد أن يختموا رقاب أهل الذمة، وأن تجز نواصيهم، وأن يركبوا الأكف عرضًا ولا يركبوا كما يركب المسلمون، وأن يربطوا الكستجات في أوساطهم ليعرف زيهم من زي المسلمين.
وقيل: وهم صاغرون يعطيها قائمًا والذي يأخذها قاعد. وليس على عبد جزية. وإذا أخذت الجزية منهم لم يكن لهم أن يظهروا شركهم حتى يسمعوا المسلمين، ولم
[ ١ / ٢١٥ ]
يكن للمسلمين أن يتتبعوهم فيما أخفوه عنهم. وعلى المسلمين أن يجروا عليهم أحكام المسلمين، قال: فهذا معنى وهم صاغرون.
حدثنا محمد بن زكريا العلائي قال: حدثنا العباس بن بكار قال: حدثنا أبو بكر الهذلي قال: سمعت الحسن يقول: " كراء الدار جزية المؤمن؛ ولا يلزم الرهبان أصحاب الصوامع جزية، لفقرهم وتخليهم عن الدنيا ".