قد كره قوم من أهل العلم: " أطال الله بقاءك ". وروى عن حماد بن زيد أنه قال: أحدثها الزنادقة. وقال الأصمعي: هي من دعاء الزنادقة. وقيل: أصل يبطل هذا ويطلق التكاتب بها إذا كان الناس كلهم الآن عليها.
حدثنا إسحاق بن إبراهيم البزار، ومحمد بن سعيد الأصم قال: حدثنا علي بن حرب قال: حدثنا زيد بن أبي الزرقاء، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن معمر بن أبي خبيبة، عن معاذ بن رفاعة بن نافع قال: شهدت نفرًا من أصحاب رسول الله ﷺ فيهم علي وطلحة وعمر وعثمان والزبير وسعد ﵃ يذكرون الموؤدة فقال عمر: أنتم أصحاب رسول الله تختلفون في هذا، فكيف بم بعدكم؟ هم أشد اختلافًا. فقال علي:
[ ١ / ١٧٢ ]
إنها لا تكون موؤدة حتى يأتي عليها الحالات السبع. فقال عمر: صدقت أطال الله بقاءك.
قال ابن لهيعة: المعنى لا تكون موؤدة حتى تكون نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظمًا ثم لحمًا، ثم يظهر مستهلًا، إذا دفنت فقد وئدت، لأن من الناس من قال: إن المرأة إذا أحست بحمل فتداوت لتسقطه فأسقطته فقد وأدته. فأخبر أن ذلك لا يكون موؤدة، حتى يأتي عليها الحالات السبع.
وقد ذكر الله ﷿: الموؤدة فقال: " وإذا الموؤدة سئلت، بأي ذنب قتلت ".
وكانت العرب إذا ولد لأحدهم ابنة، دفنها حية. فيقال: وأدها يئدها وأدًا. فدى صعصعة ابن ناجية المجاشعي خلقًا من البنات، بإبل دفعها إلى آبائهن لأنهم كانوا يفعلون ذلك للضر والفقر فقال الفرزدق يفخر بهذا:
وجدي الذي منع الوائدا ت فأحيا الوئيد ولم يوأد
حدثنا علي بن الصباح قال: حدثنا أبو مسلم السعدي قال: حدثني ابن علية، عن سوار بن عبد الله العنبيري، عن الحسن قال: دخل الزبير على النبي ﷺ وهو عليل فقال: ما الذي بعدك جعلني الله فداؤك؟ فقال: " يا زبير أما تركت إعرابيتك بعد؟ "
[ ١ / ١٧٣ ]
كأنه كره قوله: جعلني الله فداؤك. والفداء يمد ويقصر.
وقد روى رافع ب جريج أنه قال للنبي ﷺ وقد قال: " يكون قوم من أمتي يكفرون بالقرآن وهم لا يشعرون كما كفرت اليهود والنصارى ". قال: قلت: جعلت فداك يا رسول الله وكيف ذاك؟ قال: " يقرون ببعض القرآن ويكفرون ببعضه ". في حديث طويل، حدثنا إبراهيم بن عبد الله النميري. قال: حدثنا حجاج بن نصير قال: حدثنا حماد بن إبراهيم الكرماني، عن عطية، عن عطاء بن رافع، عن عمرو بن شعيب، قال: كنت عند سعيد بن المسيب فقال: سمعت رافع بن جريج يقول. وذكر حديثًا طويلًا.
حدثنا أحمد بن يحيى ثعلب قال: حدثنا عبد الله بن شيث قال: كتب إلي بعض إخواني من البصرة إلى المدينة كتابًا صدره: " أطال الله بقاك كما أطال جفاك، وجعلني فداءك إن كان في فداؤك " وتحت ذلك:
كتبت ولو قدرت هوى وشوقًا إليك لكنت سطرًا في الكتاب
قال: وكانت الكتب قديمًا يقال فيها: " وأتم نعمته عليك " فلما قال ابن الرقاع العاملي:
صلى الإله على امرئ ودعته وأتم نعمته عليه وزادها
وزاد الكتاب على ذلك: " وزاد في إحسانه إليك ".
وحدثنا أحمد بن يحيى ثعلب قال: سمعت ابن الأعرابي يقول تقول العرب: " وهبني الله فداءك " بمعنى جعلني فداءك، فأما
[ ١ / ١٧٤ ]
" وقدمني قبلك "، فإن أبا تذكوان القاسم بن إسماعيل حدثني قال: سمعت إبراهيم بن العباس يقول: ما أظن قول الكتاب: " وقدمني قبلك " إلا مأخوذًا من قول الأغر بن كابس العبدي في أخيه الصقر:
أخي أنت في دين وقربى كلاهما أسر بأن تبقى سليمًا وأفخر
إذا ما أتى يوم يفرق بيننا نموت فكن أنت الذي تتأخر
قال: فقيل لإبراهيم: إن هذا يروى لحاتم. فقال: " وما على من لا يدري شيئًا في نسبته إلى غير قائله ". وهذا وأشباهه كثير. وقد ذكرته مستوفى في كتابي كتاب " اللقاء والتسليم "، الذي كتبت به إلى القاضي عمر بن محمد بن يوسف.
ومن قديم ما قيل في " قدمت قبلك ": قول حنظلة بن عرادة، أنشدناه المغيرة بن محمد المهلبي، عن أبي محلم له يخاطب قومه:
أسعد بن زيد أنطقتني رماحكم وكنت مجرا ضحكة للمواشر
فهذا أوان الصبر قد مت قبلكم فموتوا حفاظًا بالسيوف البواتر