اختلف الناس في خراج السواد، فروى بعضهم أن عمر ﵁، بعث عثمان بن حنيف لمساحة السواد، فمسح الأرض وجعل على جريب الكرم عشرة دراهم، وعلى جريب النخل خمسة دراهم، وعلى جريب البر أربعة دراهم، وعلى جريب الشعير درهمين. وروي أيضًا أنه جعل على كل جريب غامرًا وعامرًا، درهمًا وقفيزًا، وعلى جريب الرطبة خمسة دراهم. وعلى جريب الشجر عشرة دراهم وعشرة أقفزة، ولم يذكر النخل. وقيل: جعل على كل جريب عامر وغامر يناله الماء بدلو أو غيره عطل أو زرع درهمًا وقفيزًا وألقى لهم النخل عونًا لهم. وجعل على كل جريب كرم عشرة دراهم، وعلى جريب الرطبة ستة دراهم، وعلى جريب السمسم خمسة دراهم، وعلى جريب الخضر من غلة الصيف، من كل جريب ثلاثة دراهم، وعلى جريب القطن خمسة دراهم.
وروي عن الشعبي أن عثمان بن حنيف مسح السواد، فوجده ستة وثلاثين ألف ألف جريب، فوضع على كل جريب درهمًا وقفيزًا ولم يذكر غير ذلك.
وإلى هذا ذهب أكثر الفقهاء أن عمر ﵀، إنما أوجب الخراج على أهل الأرض خاصة، بأجرة مسماة، لأن مخرج الخراج مذهب الكراء، فكأنه أجرى كل جريب بدرهم وقفيز في السنة، وألقى من ذلك الشجر والنخل، فلم يجعل لها أجرة، لأن قبالتها لا تطيب حتى تسمن، فيكون ذلك مع الثمر قبل أن يبدو صلاحه، وقبل أن يجعلوا. قال: وهذا الذي كرهه الفقهاء. وفي هذا الحديث
[ ١ / ٢١٨ ]
حجة لمن قال: السواد فيء للمسلمين، وإنما أهله عمال للمسلمين بكراء معلوم.
قال أبو بكر محمد بن يحيى الصولي: وهذه الأحاديث كلها تدل على أن جعل الخراج على الأرضين، التي تغل من ذوات الحب والثمار، وعطل من ذلك الدور والمساكن التي ينزلونها فلم يجعل عليهم فيها شيئًا.
وقال أبو حنيفة ومالك والثوري وابن أبي ذئب: إذا عمرت الأرض رأينا أن يزاد عليها، وإذا نقصت رأينا أن يوضع عنها. وقالوا ليس على الغامر شيء وإن بلغه الماء.
وحد السواد التي وقعت عليه المساحة من لدن تخوم الموصل مادًا مع الماء إلى ساحل البحر ببلاد عبادان من شرقي دجلة هذا طوله. فأما عرضه فحده من أرض حلوان إلى منتهى طرف القادسية المتصل بعذيب.
فأما خراجه فإن الواقدي ذكر أنه سال عبد الحميد بن جعفر كم مبلغ خراج سواد الكوفة على عهد عمر؟ قال: سبعون ألف ألف درهم.
وروي عن محمد بن كعب القرظي، قال: أخبرني أهل الأرض بالعراق، أنه بلغ الخراج على عهد عمر وعثمان رحمهما الله مائة ألف ألف. فلما ولي معاوية صار إلى خمسين ألف ألف وهدايا النوروز والمهرجان خمسون ألف ألف لنفسه، وكان قد اصطفى أموال كسرى فكان يقطع فيها ويصل ويجيز من يشاء.
ثم بلغ الخراج في فتنة ابن الزبير ستين ألف وهدايا النوروز والمهرجان وصواف نحو عشرين ألف ألف، فلما ولي الحجاج صار
[ ١ / ٢١٩ ]
إلى أربعين ألف ألف، وما كان يصل إلى ذلك إلا بضرب الأبدان، فلما قتل ابن الأشعث، قال الحجاج: الآن فرغت لأهل السواد فعمد إلى رؤسائهم، وأهل بيتوتاتهم من الدهاقين، فقتلهم صبرًا وجعل كلما قتل من الدهاقين رجلًا، أخذ ماله وأضر بمن بقي منهم إضرارًا شديدًا، فخرجت الأرض فمات الحجاج والخراج خمسة وعشرون ألفًا، فكان الأمر على ذلك حتى ولي عمر بن عبد العزيز، فولى عبد الحميد بن عبد الرحمن السواد، وتقدم إليه أن يرجع إلى ما وضع عليهم عمر بن الخطاب ﵁ في أرضهم ورقابهم، ولا يقبل من ألطافهم شيئًا في أعيادهم.
وأول من أحدث هدايا النوروز والمهرجان الوليد بن عقبة بن أبي معيط، ثم سعيد بن العاص بعده، فضج الناس إلى عثمان ﵁ فكتب إليه فنهاه عن ذلك، فبلغ الخراج بعد هدية النيروز في أيام عمر بن عبد العزيز ستين ألف ألف فكان يخرج أعطيات الناس وينفذ إلى عمر بعشرة آلاف ألف درهم.
حدثنا القاضي عمرو بن تركي قال: حدثنا الوليد بن هشام القحذمي، قال: قال الحجاج يومًا للدهاقين - وقد اجتمعوا عنده: كم كان عمر بن الخطاب يجبي السواد؟ قالوا: مائة ألف ألف درهم. قال: فكم جباه زياد؟ قالوا: مائة ألف ألف. قال: فكم نجيبه نحن اليوم؟ قالوا: ثمانين ألف ألف. قال: فلم ذلك؟ فقال له ابن جميل بن بصبهري دهقان الفلوجيين: هذا كله لبيتين قالهما شاعركم الحارث بن حلزة. قال: وما هما قال لقوله:
لا تكسع الشول بأغبارها إنك لا تدري من الناتج
وأصبب لأضيافك ألبانها فإن شر اللبن الوالج
[ ١ / ٢٢٠ ]
فاستعمل عمالكم هذا فخربت الدنيا. ومعنى البيتين أن العرب كانت إذا أخصبت عامًا، لم تستقص الحلب، وتركت في الضروع بقية، وكسعت الضروع بالماء البارد ليتراد اللبن، فيكون أقوى لظهورها، فإن كان في العام المقبل جدب، كان فيها فضل وقوة حتى لا ينقطع اللبن، فقال هذا الشاعر: " لا تكسع الشول " وهي النوق، بأغبارها وهي بقايا ألبانها، إنك لا تدري من الناتج أي لعله أن يغار عليك فتؤخذ أو تموت، فيأخذها الوارث. فالصواب أن تتعجل منفعتها. أي فعمل العمال هذا وأخذوا العاجل، ولم يعمروا للعام المقبل فتقص الخراج لذلك.
وهو الخراج والخرج. قرأ أهل الكوفة خراجًا بالألف في كل القرآن إلا عاصمًا فإنه قرأها هو وأهل المدينة وأبو عمرو خرجا بغير ألف، وكذا قرأ ابن عباس ﵁.
والخراج في اللغة الأجر، ومنه خراج الأرضين. وقال الفراء: الخراج أعم والخرج أقل، كأنه شيء من الخراج. ويقال للذمي: أد خرج رأسك فخراج ربك خير. قال الكلبي: فرزق ربك خير.
وقال الحسن - وهو الصواب: فأجر ربك خير لك في الآخرة من أجورهم في الدنيا، إذ كان أكثر الناس على أن الخراج الأجر وأخرجه. وحكى التوجي أن أعرابيًا قال: ما مواعيدكم إلا أسربة فجمع سرابًا أسربة، وخرج وخروج مثل فلس وفلوس.