قال أبو تمام:
لك القلم الأعلى الذي بشباته تصاب من الأمر الكلى والمفاصل
[ ١ / ٧٥ ]
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه وأري الجنى اشتارته أيد عواسل
له ريقه طل ولكن وقعها بآثاره في الشرق والغرب وابل
فصيح إذا استنطقته وهو راكب وأعجم إن خاطبته وهو راجل
إذا ما امتطى الخمس اللطاف وأفرغت عليه شعاب الفكر وهي حوافل
اطاعته أطراف الرماح وقوضت لنجواه تفويض الخيام الجحافل
[ ١ / ٧٦ ]
إذا استغزر الذهن الذكي وأقبلت أعاليه في القرطاس وهي سوافل
وقد رفدته الخنصران وسددت ثلاث نواحيه الأنامل
رأيت جليلًا شأنه وهو مرهف ضنى وسمينًا خطبه وهو ناحل
وقال أحمد بن إسماعيل: أحسن قدود القلم، أن لا يجاوز به الشبر بأكثر من خلقته، وأن تبعد منه الأنامل الثلاث، ويؤخذ من أوسطه لأنها إذا أدنيت منها لم تؤمن أن يماس القرطاس بها فتسوده.
وقد مدح الشاعر بعض الكتاب بنحو من وصفه هذا فقال:
شريف الصناعة محمودها تساعده الكف والمقول
يقيم من الخط أشكاله ويأخذ أقلامه من عل
وقال غيره يصفه بمقدار الشبر:
[ ١ / ٧٧ ]
له ترجمان يطرب اللفظ أخرس على حذو شبر أو يزيد على الشبر
له منخر في غير وجه ويهتدى بمر جناحين استعيرا من الفكر
إذا خر يومًا ساجدًا عند وحيه تضعضع أصحاب المثقفة السمر
يدمر أقوامًا وينعش معشرًا ويصدر آراء الملوك وما يدري
قال أبو بكر: ولي من قصيدة في بعض الرؤوساء أذكر هذا المعنى:
يتفادى أعداؤه من خطيب بيديه يروض عقلًا وفكرا
ناحل الجسم ليس يعرف من كا ن نعيمًا وليس يعرف ضرا
ناطق في الورى بلفظ سواه مذهب اللون قد تطرف جرا
قلم يجلب السواد ويجري مع جري المداد نفعًا وضرا
ضامر الكشح مخطف الجيد م ذ حذف شابوره وقدر شبرا
ويد ما تزال تنتشر وشيًا في قراطيسه وتنثر درا
وقال الفضفاضي:
في كفه أخرس ذو منطق بقافه واللام والميم
شبر إذا قيس ولكنه في فعله مثل الأقاليم
محرف الرأس ومسوده كإبرة الروس من الريم
قال أبو بكر محمد بن يحيى الصولي: قلت قول عدي بن الرقاع العاملي، في صفة طرف قرن الرشا، وهو ولد الظبي، وتشبيهه
[ ١ / ٧٨ ]
بالقلم قال عدي:
تزجي أغن كأن إبرة روقه قلم أصاب من الدواة مدادها
ويروى أن جريرًا قال - وكان حاضرًا - لعدي وهو ينشد هذه القصيدة، لما أنشد صدر البيت: " تزجي أغن كأن إبرة روقه ". رحمته وقلت هلك فلما قال: " قلم أصاب من الدواة مدادها " حالت الرحمة حسدًا. وأخذ البيت الثاني من هذه الثلاثة أبيات ابن الرومي فقال يهجو ويصف هن امرأة:
يملأ السبعة الأقاليم طرًا وهو في إصبعين من إقليم
ولحمدان الدمشقي من أبيات:
أهدت له الحية الرقشاء جلدتها لما استعارت لسانًا منه مقدودا
وله في نحو هذا البيت:
الأيم نفثته وشق لسانه وله إذا لم تجره اطراقه
فكأنه النضناض إلا أنه من حيث يجري سمه ترياقه
وقال غيره من أبيات:
ولأقلامهم زئير مهيب يزدري عنده زئير الأسود
أرغبتهم عن القنا قصبات مغنيات عن كل جيش مقود
والقراطيس خافقات بأيد يهم كمرهوب خافقات البنود
[ ١ / ٧٩ ]
وكتبت إلى أبي علي محمد بن علي في أيام ابن الفرات الأولى بقصيدة منها:
مشف على الرأي نظار عواقبه إذا تشابه وجه الرأي واجتجبا
في كفه صارم لانت مضاربه يسوسنا رغبًا إن شاء أو رهبا
السيف والرمح حدام له أبدًا لا يبلغان له جدًا ولا لعبًا
يرمي فيرضيهما عن كل مجترم ويعصيان على ذي النصح إن غضبا
تجري دماء الأعادي بين أسطره ولا يحس له صوت إذا ضربا
فما رأينا مدادًا قبل ذاك دمًا ولا رأينا حسامًا قبل ذا قصبا
وقد شككنا فما ندري لشربته أنظم الدر في القرطاس أن كتبا
وقال آخر في سفر طويل:
وعاشق تحت رواق الدجى أغرى به الحيرة فقدان
أعرب عن مكنون إضماره أحوى لطيف الكشح خمصان
يتيح غدرًا لثرى جادها من باكر الوسمي هتان
يحوك وشيًا نقش ديباجه بلاغة تسدى وبرهان
وفيه للناظر أعجوبة يكسو عراة وهو عريان
كأنما الدنيا بأقطارها له إذا ما أجبت ميعان
تجري به خمس مطايا له مختلفات القصد أقران
كأنها من ضم تركيبها من خالص الفضة قضبان
له لسان مرهف خده من ريقة الكرسف ريان
في دقة المعنى إذا أغرقت القول في التدقيق أذهان
كأنما يفتر عنه إذا ما افتر للمنطق ثعبان
ترى بسيط الفكر في نظمه شخصًا له حد وجثمان
[ ١ / ٨٠ ]
كالحلي إلا أنه أحرف بيض المعاني وهي سودان
كأنما يسحب في إثرها ذيلًا من الحكمة سحبان
لولاه ما قام منار الهدى ولا سما بالملك ديوان
وقال أبو يزيد عتاب بن ورقاء:
لك القلم الذي لم يجري إلا أبان لك العدو من الولي
إذا استرعفته ألقى سوادًا على القرطاس أبهر من حلي
فيا طوبى لمن أدلى إليه بإحسان وويل للمسي
شباة سنانه في الحرب أمضى وأنفذ من شباة السمهري
فقال: سلاح مثلك وهو يعزى سلاح الفارس البطل الكمي
وأنشدني عون:
وأسمر طاوي الكشح أخرس ناطق له ذملان في بطون المهارق
إذا استمطرته الكف جاد سحابه بلا صوت إرعاد ولا صوت بارق
كان اللآلي والزبرجد نظمه ونور الأقاحي في بطون الحدائق
كان عليه من دجى الليل حلة إذا ما استهلت مزنة للصواعق
إذا ما امتطى غر القوافي رأيتها مجللة تمضي أمام السوابق
وأنشدني عون للفضفاضي:
لك القلم الذي لم يجر يومًا لغاية منطق فكبا لعي
ومبتسم من القرطاس يأسو ويخرج وهو ذو بال رخي
فما المقدار أمضى من شباه ولا الصمصام سيف المذحجي
قال أبو بكر: ولي من قصيدة، مدحت بها ابن الفرات، في
[ ١ / ٨١ ]
وزارته الأولى:
في يديه محكم في ذوي اللب وما فيه إن تبينت لب
شهد السيف أنه السيف حقًا ناقص القدر زائد الحد عضب
وسيوف العداة انفذ جدًا حين تعدى بدرة الموت حرب
من رأى مثل ما وصفت حسامًا نافذ ضربه وما منه ضرب
كل يوم له ولم يلق كيدًا من دماء العصاة ولع وخضب
قال أبو بكر: ولي من قصيدة طويلة مدحت بها بعض الرؤساء:
في يدك الأعلى محلى به تواصل الضرب مع الطعن
إن نبه السيف لأمر له جاء إليه مرعد المتن
ينظر ما يهوى بلا ناظر ويسمع السر بلا أذن
يذري دموع العاشق المبتلى يطعن من يهواه في الطعن
فيضحك الملك بكاء له لم يك من غم ولا حزن
ترى لديه فصحاء الورى إذا امتطى القرطاس كاللكن
سيف على الأعداء لكنه لم يغتمضه ظلم الجفن
وأنشدني أحمد بن محمد بن إسحاق:
ما ضر من أضنى بهجرانه قلب كئيب القلب حرانه
لو فرج الكربة عن مدنف تشقه لوعة أحزانه
برقعة ينظمها كفه نظم لآليه ومرجانه
بمرهف الأحشاء ذي حلة موشية ترفع من شانه
لعابه عيش وموت إذا جاد به تفليج أسنانه
[ ١ / ٨٢ ]
إذا امتطاه بشبيهاته كشف أسرارًا بإعلانه
يركض في ميدان قرطاسه ركض جواد وسط ميدانه
حدثنا أحمد بن أبي الموج البازي قال: أنشدني الحسين بن عبد الله العبدي الهمداني لنفسه:
حين نادى حاديهم بانطلاق وجرى بالفراق طير الفراق
ورأى العاشقون أن لا معين هو أجدى من عبرة واحتراق
ظلت أشكو صبابتي وإنني متحل بحيلة العشاق
ناحل جسمه كأن يد البي ن سقته منه بكأس دهاق
أخرس في لسانه للعطايا والمنايا عتاد ريق مراق
فإذا مجه أتى بلعاب ال ليل حلو الخطاب مر المذاق
وشبيهاته ثلاث حوته هن منه مفاتح الأرزاق
يمتطيهن ثم يرتجل القول لفصل الخطاب في الآفاق
فتراه بمصر يحكم ما شا ء وبالصين وهو خلف العراق
وله في صفة القلم أبيات من قصيدة في بعض الرؤساء:
له القلم الأعلى الذي سار عدله وتدبيره ما بين بر إلى بحر
يشابه حد السيف رقة حده وينسب لونًا في المثقفة السمر
ويبلغ ما لم يبلغا في عدوه إذا رد من طي الدواة إلى النشر
تصرفه منه ثلاث أصابع وكف براها الله للنفع والضر
[ ١ / ٨٣ ]
إذا ما حوته وامتطى بطن مهرق تسطر نورًا فوق أرض من الدر
إذا أظلم الدهر الخؤون بصرفه أبان له إحسانه وضح الفجر
قال أبو بكر: وكنت أنشدت العباس بن الحسن قصيدة استحسنها الناس، ووصفوا بيتًا فيها عنده أخذه ذكرويه:
المستبيح سن القرامط راية لما استباحوا حرمة الإسلام
أجرى المداد بكيدهم فكأنما أجرى دمائهم على الأقلام
حدثني محمد بن أحمد الأنصاري، قال: دخل عيسى بن فرخانشاه على جارية وهي تكتب خطًا حسنًا فقال:
سريعة جري الخط تنظم لؤلؤًا وينثر درًا لفظها المترشف
وزادت لدنيا حظوة ثم أقبلت وفي إصبعيها أسمر اللون مرهف
أصم سميع ساكن متحرك ينال جسيمات المدى وهو أعجف
وقال بعض الوراقين يصف قلمه ويمدحه ويذكر استغناءه:
يا مجيري من سطوة الأمراء وعميدي في نوبة اللأواء
والذي صان حر ديباجة الوج هـ عن الأسخياء والبخلاء
والذي لا أزال أنعت في الشعر وأطريه غاية الإطراء
وسفيري بما أريد من الأم ر إلى إخوتي من الأدباء
[ ١ / ٨٤ ]
والذي لا يزال يخبر في المهرق عن سالف الأنباء
وإذا ما ابتعثته استن كالثا قب يفري دجنة الظلماء
وقال عبد الله بن المعتز في القاسم بن عبيد الله:
قلم ما أراه أو فلك يج ري بما شاء قاسم ويدور
راكع ساجد يقلب قرطا سًا كما قلب البساط شكور
وفيه يقول:
عليم بأعقاب الأمور كأنه لمختلفات الظن يسمع أو برى
إذا أخذ القرطاس خلت يمينه يفتح نورًا أو ينظم جوهرا
وقال ابن الرومي فأحسن:
لعمرك ما السيف سيف الكمي بأخوف من قلم الكاتب
له شاهد إن تأملته ظهرت على سره الغائب
أراه المنية من جاني هـ فمن مثله رهبة الراهب
ألم تر في صدره كالسنان وفي الردف كالمرهف القاضب
وقال أبو أسامة الكاتب كاتب عياض:
وأعجف مشتق الشباة مقلم موشي القرى طاوي الحشا أسود الفم
تبين خفي السر آثاره لنا ويعرب عن غير الضمير المكتم
يؤدي صحيح القول عنه مخاطبًا به العين دون السمع لا بالتكلم
إذا استغزرته الكف فاضت سجاله من الفكر فيض الرايح المتغيم
وقال صالح بن عبد الملك بن صالح يخاطب كاتب أبيه:
أجريت فوق صدور كتبك دامغًا يبكيه ضحك الفكر والأوهام
ميتًا تشافهه القلوب بعلمها يبدي ضمائرها بغير كلام
[ ١ / ٨٥ ]
مستعجمًا فإذا اللواحظ ترجمت عنه أتى بفصاحة الأعجام
تجري سناكب بغير حوافر فيديرنا وردًا بغير لجام
قال: ودخل محمد بن ذؤيب العماني الراجز على الرشيد، فأنشده أرجوزة يصف فيها فرسًا شبه أذنيه فيها بقلم محرف:
كأن أذنيه إذا تشوفا قادمة أو قلمًا محرفا
فقال له الرشيد: دع كأن، وقل: " تخال أذنيه إذا تشوفا " حتى يستوي الإعراب.