والمعنى: اقرأ يا محمد بسم الله وقل بسم الله، ثم حذفت قل ليعلم المخاطب أن معناه الأمر.
والباء صلة فعل محذوف حذف لعلم القارئ به وهو: أبدأ بسم الله وأقرأ بسم الله، لأن جبريل كان إذا نزل بالوحي قال: " اقرأ يا محمد، قال: وما أقرأ؟ قال: اقرأ بسم الله ". والمعنى في الابتداء بها، في غير القرآن، بدأت بسم الله. ثم كثر ذلك وعلم حتى أسقطوا بدأت. وقال سيبويه: معنى الباء الإلصاق تقول: كتبت بالقلم، فالمعنى أن الكتابة ملصقة بالقلم. وهي مكسورة أبدًا لأنه لا معنى لها إلا الخفض، فوجب أن يكون لفظها مكسورًا.
[ ١ / ٣٢ ]
والله تبارك اسمه، اسم خاص للمعبود جل وعلا، لا يسمى به سواه. قال الله تعالى: " هل تعلم له سميًا ". قال المفسرون: لا يعلم من تسمى الله إلا الله ﷿، ولا يعرف لهذا الإسم اشتقاق من فعل. ولا أحب ذكر ما قاله النحويون فيه لأنه يكلف لا يضر تركه.
وأسماء الله ﷿، بعد هذا، صفات: فالرحمن الرحيم ذو الرحمة، ولا يقال رحمن إلا لله تعالى. ويقال: فلان رحيم لأن رحمن في وزنه فعلان، من أسماء المبالغة في الرحمة وغيرها، والله تعالى نهاية في الرحمة وليس شيء كذلك، فلهذا لم يسم به غير الله.
والرحمة من الله تجاوز عن ذنب، وإحسان عن حسنة، وإيصال الخير إلى عباده. والرحمة من العباد إشفاق ورقة، تحدث فيهم.
وليس في الأفعال ما يبنى عليه ثلاثة أسماء مثل رحم فهو راحم، ورحيم ورحمان إلا سلم وسليم وسليمان، وندم فهو نادم ونديم وندمان، ولا يقال من الندمان: نادم إنما يقال: نادمته.
والألف في بسم الله وصل لأن غيره تصغيره سمي. وحكى أبو زيد أن العرب تقول: هذا اسم وهذا سم وسم وأنشد:
بسم الذي في كل سورة سمه
ويروى سمه، وإنما ضموا السين وكسروها، لأنه سموت وسميت بمعنى ارتفعت وعلوت، فمن قال: سم فكسر فمن سميت
[ ١ / ٣٣ ]
ومن قال سم فهو من سموت. ومعنى قولك: أسميت لفلان فلانًا، وإنما هو رفعت له صفته وما يعرفه به حتى عرفه. والاسم مأخوذ من السمو وهو الارتفاع، وأصله سمو والجميع أسماء مثل حنوا وأحناء وقنو وأقناء.
ومن قال الاسم مأخوذ من السمة، كأنك إذا قلت: أسميته لفلان، كان المعنى وسمته له بشيء عرفه به، حذفت منه فاء الفعل ودخلته ألف الوصل ألا ترى أن عدة وزنة أصلهما وعدة ووزنة، فإذا صغرتهما رجعت الواو، فقلت: وعيدة ووزينة.
وكذلك تصغير صلة وصيلة، فلو كان اسم من سمة لكان تصغيره وسيمة، ولكن تصغيره سمي، فبطل أن يكون من السمة، فكان يجب أن يكون وسم وسمة، ووزن وزنة، كما قالوا صل صلة، ولكن وقعت الواو، ولذلك كان يجب أن يقال وزن يوزن، مثل عدل يعدل، فوقعت الواو بين ياء وكسرة، فحذفت فقيل وزن يزن، وإنما كرهت العرب أن تتكلم بضمة بعد كسرة، وكسرة بعد ضمة في الواو والياء، لأنه يصعب في اللفظ قليلًا. وإنما يتكلمون بما خف على ألسنتهم، ولذلك صحت لهم الأسماء في الثلاثي كله، إلا في صنفين.
والثلاثي قولهم فعيل وقد سموا على فعل، فقالوا: عضد وسموا فعل فقالوا: عنب، وسموا بفعل فقالوا: إبل، وسموا بفعل فقالوا: طنب، وسموا بفعل فقالوا: حرد، ولم يسموا بفعل ولا بفعل كراهة لثقل ذلك ليس في أسمائهم دئل ولا شيء على وزنه، ولا مثل دول ولا شيء على وزنه.
[ ١ / ٣٤ ]