قال الصولي: حدثنا أبو القاسم محول المستملي، قال: حدثنا محمد بن حميد قال: حدثنا حكام، قال: حدثنا عتبة عن العباس بن
[ ١ / ١٦٥ ]
دريح عن الشعبي عن ابن عباس قال: أرى رد الجواب - جواب الكتاب - كرد السلام.
أنشدني عبيد الله بن عبد الله بن طاهر لنفسه:
حق التنائي بين أهل الهوى تكاتب يسخن عين النوى
وفي التداني لا انقضى عمره تزاور يشفي غليل الجوى
ونحوه لغيره:
إذا الإخوان فاتهم التلاقي فلا صلة بأحسن من كتاب
إذا جاء الكتاب إلى صديق فحق واجب رد الجواب
ومن مليح ما قيل في التكاتب:
هل تذكرين إلى التجاوز بيننا ثمر على الشجر الذي لم يغرس
إذ سر قلبي في يديك ومثله لك في يدي من الفصيح الأخرس
ومن مليح ما قيل في استبطاء الجواب، أبيات كتبت بها في صدر قصيدة لي سيدنا أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، وهو إذ ذاك أمير:
ليس يأتي من الأمير كتاب ابتداء ولا يرد جواب
فإذا ما شكوت ذاك وعاتب ت: أتاني على العتاب عتاب
وأطاف الملام بي في الذي قل ت: ولم يأتني له إعتاب
ولسان الذي يغيب كتاب ناطق عنه حين عز الخطاب
فإذا أبطأ الجواب عليه فهو كالناطق الذي لا يجاب
وكمن رده وقد عرفوا منه حضورًا تجهم وعتاب
عذت بالأعذار إن كان ذنب دية الذنب عذرة ومتاب
ولما خرج يحيى بن عمر من المدينة إلى الكوفة فأقام بها كتب إليه أخوه احمد بن عمرك
أيا سيدًا قد رماني البعا د منه بأمر فظيع عجاب
[ ١ / ١٦٦ ]
فلما تمادى رماني الفرا ق وطالت بنا مدة الاغتراب
أقمت الكتاب مقام اللسا ن مني فاسمع لقول الكتاب
كأني أناجيك إن جاءني ورود البشير برد الجواب
ويقال: أجاب عن الكتاب يجيب إجابة، وقالوا: جابة، وفي المثل: " أساء سمعًا فأساء جابة "، ثم استعمل في غير المثل، فقال الشاعر:
أصم الصدى لم يدر ما جابة الرقى ولم يمس في ضحك الندى يتبلبل
وقالوا: أحببته جيبة. وليست بجودة مما تقدم.
حدثنا أشعث الضبي قال: كتب رجل إلى صديق له يستبطئ جوابه: " كتبت فما أجبت، وواصلت فما واترت، وأضبرت فما وحدت ". قال: فكتب إليه صاحبه كتابًا عنونه فلما فتحه إذا فيه:
الجفاء القبيح أحسن عندي من بغيض الخطاب للإخوان
قال الصولي: قوله: واصلت كتبي: جعلت واحدًا في أثر الآخر، لا زمان بينهما ولا تمكث. فما واترت: أي كتبت كتابًا بعد كتاب. وأكثر الكتاب يساوون بين واصلت الكتب وواترتها، وذلك جائز على القريب، فأما اللغة فإنها توجب أن المواصلة لا انقطاع بينها، وأن المواترة لابد من انقطاع قليل بينها.
قال الأصمعي:
[ ١ / ١٦٧ ]
يقال: ما في سيره ولا وتيره أي ما فيه توقف. وأنشد لامرئ القيس:
نجاء مجد ليس فيه وتيرة وتذنبها عنه باسحم مذود
وأنشد لكعب بن زهير يصف بعر الناقة:
وسمر ظماء واترتهن بعدما مضت هجعة من آخر الليل ذبل
وقال: قلت لزيد بن كثوة: ما السمر الظماء؟ فقال: البعرات، جعلني الله فداءك، ظمئت لعطشها وذبلت. قال: واترتهن تجيء الواحدة، ثم يكون انقطاع ما، ثم تجيء الأخرى، واضبرت وضبرت كتبت إضبارة كتب وجمعها أضابير. وكذلك إضمامة وجمعها أضاميم مثل أضبارة وجمعها أضابير. وقالت امرأة من قيس: وقالت امرأة قيس:
ليس بنا فقر إلى التشكي إضمامة كحمر إلا بك
أي لنا إبل مجتمعة أو خيل. وقال ابن الأحنف:
كتاب أتاني على نأيها يخبر عن بعض أنبائها
فنفسي الفداء لهذا الكتا ب إن كان خط بإملائها
وقال:
يا من جعلت فداه ومن براني هواه
وكم قد كتبت كتابًا يبكي له من قراه
أنا الفداء لمن خط هـ ومن أملاه
الشمس أحسن شيء رأيته حاشاه
وقال أيضًا:
أيا من لا يجيب إذا كتبنا ولا هو يبتدينا بالكتاب
أما في حق حرمتنا لديكم وحق إخائنا رد الجواب
[ ١ / ١٦٨ ]
وقال الأحنف:
ما لي أهان ولا تجاب صحائفي؟ وإلى متى أقصى لديك وأحجب؟
ما كان ضرك إذ كرهت إجابتي بيديك أن تستوصفي من يكتب
وقال أيضًا:
أعياني الشادن الربيب أكتب أدعو فلا يجيب
من أين أبغي دواء ما بي وإنما دائي الطبيب
آخر:
كتبت إلى ظلوم فلم تجبني وقالت: ما له عندي جواب
فلما صرفت فكري أتاني وقد غفل الوشاة لها كتاب
وفيه الوصل يشرق جانباه وقد رق التأول والخطاب
كتبت إليك والرقباء حولي إذا ما مر طير واسترابوا
قوله: وقد رق التأويل والخطاب من قول امرئ القيس:
وصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا ورضت فذلت صعبة أي إذلال
وأنشدني علي بن الصباح:
يا ذا الذي ضن عني برقعة ومداد
ضايقتني في بياض تزينه بسواد
وقد أخذت سواد ي ناظري وفؤادي
ومن مليح ما قيل في تأخير الكتاب:
يا جامعًا شيم السيادة والذي ورث النجابة منجبًا عن منجب
أشكو إليك لهيب نار في الحشا تصبي بريح الشوق إن لم تجنب
ماذا عليك وأنت بحر في الندى لوجدت من ماء المداد بمذنب
تجلو القذى بسواد سطر لائح في وجهه غرر الكلام المذهب
[ ١ / ١٦٩ ]
أصبحت تبخل بالكتاب فخفت أن تلقي الدواة يد وإن لم تكتب
حتى كأن الحوض جونة حنة منها وظهر الدرج ظهر العقرب
أرضى لخلك أن يرى مستعتبًا من جفوة ويراك غير المعتب
ما كنت أخشى أن تضن بكاغد عني وقد يقع الذي لم أحسب
لا تحسبن كتبي فكاغد أرضكم عين الرخيص وأنت عين المسهب
وحدثنا علي بن الصباح قال: حدثنا أبو محكم قال: كان عبد الرحمن بن مسلم الباهلي بارًا بزياد بن عبد الرحمن القشيري صديقًا له، ثم غاب فلم يكتب إليه، ولم يجبه عن كتاب فقال زياد:
إخاؤك محض للصديق إذا دنا وعاينت ممزوج إذا لم تعاين
دنونا فاحمدنا الدنو وربتنا ببينك والتجريب عند التباين
فلم يأتنا منك الكتاب تقربًا وطاح جواب واصل للقرائن
فأجابه عبد الرحمن بن مسلم:
ما ذاك من نخوة ولا صلف ولا لضيق في القول والعطن
نحن بلوناك في الأمور فما تعرف من سيء ولا حسن
وقد قرناك بالوفاء فما تقرن إلا اعترضت بالقرن