قد ذكرنا من فضل القلم، في أول الكتاب، ما يغني عن إعادته.
وقال أحمد بن يوسف: " القلم لسان البصر يناجيه بما استتر عن الأسماع، إذا نسخ حلله، وأودعها حكمه ".
[ ١ / ٦٦ ]
وقال ابن المقفع: القلم بريد القلب " وقال أبو دلف: " القلم صائغ الكلام ويفرغ ما يجمعه العلم ".
وقال الجاحظ: " الدواة منهل، والقلم ماتح، والكتاب عطن ".
وقال سهل بن هارون: " القلم أنف الضمير، إذا رعف أعلن أسراره، وأبان آثاره ".
وقال عمرو بن مسعدة: " الأقلام مطايا الفطن ".
وقال المأمون: " لله در القلم، كيف يحوك وشي المملكة ".
وقال جالينوس: " القلم طبيب المنطق " فوصفه من جهة صناعته.
وقال أحمد بن عبد الله: " القلم راقد في الأفئدة. مستيقظ في الأفواه ".
وقيل: " عقول الرجال تحت أقلامها ".
وقال آخر: " القلم أصم يسمع النجوى. وأخرس يفصح بالدعوى. وجاهل يعلم الفحوى ".
وقال أحمد بن يوسف: " عبرات الأقلام في خدود كتبتها أحسن من عبرات الغواني في صحون خدودها.
[ ١ / ٦٧ ]
وقال العتابي: " الأقلام مطايا الأذهان ".
وقال عبد الحميد: " القلم شجرة ثمرتها الألفاظ، والفكر بحر لؤلؤه الحكمة ".
وقيل: " بري القلم تروى القلوب الظمئة ".
وقال ابن المقفع: " القلم بريد القلب يخبر بالخبر، وينظر بلا نظر ".
وقال ابن أبي دؤاد: " القلم سفير العقل، ورسوله الأنبل، ولسانه الأطول وترجمانه الأفضل ".
وقال ابن أبي دؤاد: " القلم الدنيا والآخرة ".
وقال آخر: " بنوء القلم تصوب الحكمة ".
وقال ابن ميثم: " من جلالة شأن القلم أنه لم يكتب لله تعالى كتاب قط إلا به ".
وحدثني الحسين بن عمر ويعقوب بن بيان، قالا: حدثنا علي بن الحسين بن عبد الأعلى، قال: كتب عبد الله بن طاهر إلى إسحاق بن إبراهيم، من خراسان إلى بغداد أن يوجه إليه بأقلام قصبية، كتابًا نسخته.
[ ١ / ٦٨ ]
بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فإنا على طول الممارسة لهذه الكتابة التي غلبت على الاسم، ولزمت لزوم الوشي، فحلت محل الأنساب، وجرت مجرى الألقاب. وجدنا الأقلام القصبية أسرع في الكواغد وأمر في الجلود. كما أن البحرية منها أسلس في القراطيس، وألين في المعاطف، ولكل عن تمريقها والتعلق بما ينبو من شظاياها ونحن في بلاد قليلة القصب رديء ما يوجد منها، فأحببت أن تتقدم في اختيار أقلام قصبية، وتتنوق في انتقائها قبلك، وطلبها من مظانها، ومرامها من شطوط الأنهار، وأرجاء الكروم. وأن تتيمم باختيارك منها الشديدة المحبس، الصلبة المغص، النقية الجلود، الغليظة الشحوم، المكتنزة الجوانب، الضيقة الأجواف، الرزينة الوزن فإنها أبقى على الكتاب، وأبعد من الحفاء. وأن
[ ١ / ٦٩ ]
تقصد بانتقائك الدقاق القضبان، اللطاف المنظر، المقومات الأود، الملمس العقد، " فلا يكون فيه التواء عوج ولا أمت. وضم الصافية القشور، الخفيفة الأتن، الحسنة الاستدارة "، الطويلة الأنابيب، البعيدة ما بين الكعوب، الكريمة الجواهر، المعتدلة القوام، يكاد أسفلها يهتز من أعلاها، لاستواء رؤوسها بأصولها، المستحكمة يبسًا، القائمة على سوقها، قد تشربت الماء في لحائها، وانتهت في النضج منتهاها، لم تعجل عن تمام مصلحتها، وإبان ينعها، ولم تؤخر إلى الأوقات المخوفة عاهاتها من خصر الشتاء، وعفن الأنداء. فإذا استجمعت عندك أمرت بقطعها ذراعًا ذراعًا قطعًا دقيقًا تتحرز معه من أن تتشعث رؤوسها وتنشق أطرافها. ثم عبأت منها حزمًا فيما يصونها من الأوعية، وعليتها الخيوط الوثيقة، ووجهتها مع من يحتاط في حراستها وحفظها وإيصالها، إذ كان مثلها يتوانى فيه لقلة خطرها. واكتب معه بعدتها وأصنافها، وأجناسها وصفاتها، على الاستقصاء؛ من غير تأخير ولا توان ولا إبطاء، إن شاء الله.
فأجابه إسحاق - ووجه إليه بالأنابيب - وليس بالجواب مما سمعته، إنما وجدته في كتاب:
[ ١ / ٧٠ ]
أتاني كتاب الأمير بما أمر به، ولخصه من البعثة إليه، بما شاكل نعته، وضاهى صفته، من أجناس الأقلام. فتيممت بغيته قاصدًا لها، واستنهجت معالم سؤاله آخذًا بها، فأنفذت منها حزمًا نشأت بليف السقيا، وحسن التعهد والبقيا. لم تعجل بأخداجها، ولا بودرت قبل إنضاحها. فهي مستوية الأنابيب معتدلتها، متفقة الكعوب مقومتها. لا يرى فيها أمت زور، ولا وسم صعر. وقد رجوت أن يجدها الأمير عند إرادته، وحسب بغيته. إن شاء الله.
حدثنا أحمد بن إسماعيل قال: أهدى مهد أقلامًا وكتب: أنه لما كانت الكتابة قوام الخلافة، وزينة الرياسة، وعمود المملكة، وأعظم الأمور الجليلة غايةً؛ أحببت أن أتحفك من آلتها بما يخفف عليك محمله، وتقل مع ذلك قيمته، ويكثر نفعه، ويصغر خطره. فبعثت إليك أقلامًا من القصب النابت في الأعذاء، المغذوة بماء السماء. كاللآلي المكنونة
[ ١ / ٧١ ]
في الصدف، والأحجار المحجوبة بالسدف. تنبو عن تأثير الأسنان، ولا يثنيها غمز البنان. قد كستها طبائعها جوهرًا كالوشي الخطير، وفرند الديباج المنير. فهي كما قال الكميت:
وبيض رقاق صفاح المتون تسمع للبيض فيها صريرا
مهندة من عتاد الملوك يكاد سناهن يغشي البصيرا
وكقداح النبل في ثقل أوزانها، وقضب الخيرزان في اعتدالها، ووشيج الخطي في أطرادها، كأنما خرطت في شهر لاستدارتها. تمر في القرطاس كالبرق اللامح، وتجري في الصحف كالماء السائح. أحسن من العقبان، في رقاب القيان.
وقيل: المختار من بري القلم أن تطيل السنين وتسمنهما، وتحرف القطة وتيمنها، وتفرق بين السطور، وتجمع بين الحروف منها. ولا تقط مبلولًا حتى يجف لئلا يتشظى.
حدثنا الحسين بن يحيى، قال: انكسر قلم لبعض الكتاب فرثاه بأبيات فقال:
ما عيب طولًا ولم يعب قصرًا عري من دقة ومن عظم
كان إذا ما تضايقت سبل ال لفظ كفاني مخارج الكلم
لا حصر القول عند خطبته وليس في قوله بمتهم
وجاء يومًا عبد الله بن المعتز في المسجد الجامع إلى أبي العباس أحمد بن يحيى ليسلم عليه، فقام له وأجلسه مكانه، فداس ابن
[ ١ / ٧٢ ]
المعتز قلمًا فكسره فلما جلس قال لمن حوله:
لكفي وتر عند رجلي لأنها أثارت قتيلًا ما لأعظمه جبر
فعجب الناس من سرعة بديهته!.
أهدى رجل إلى إبراهيم بن المدبر قلمًا وكتب إليه: قد وجهت إليك - أعزك الله - بمفاتح العلوم باد جمالها، تام كمالها، فهي كما قال الشاعر:
ليس فيها ما يقال له كملت لو أن ذا كملا
كل جزء من محاسنها كائن من حسن مثلا
حدثنا أبو العباس الربعي، قال: حدثنا الطلحي، قال: حدثنا أبو العباس الربعي، قال: حدثنا الطلحي، قال: حدثني أحمد بن إبراهيم قال دخل إلى الرشيد أعرابي فأنشده ارجوزة - واسماعيل بن صبيح يكتب بين يديه كتابًا، وكان أحسن الناس خطًا، وأسرعهم يدًا - فقال الرشيد للأعرابي: " صف هذا "، فقال: " ما رأيت أطيش من قلمه. ولا أثبت من حلمه ". ثم قال:
رقيق حواشي الحلم حين تثوره يديك الهوينا والأمور تطير
له قلما بؤسى ونعمى كلاهما سحابته في الحالتين ذرور
يناجيك عما في ضميرك لحظه ويفتح باب النجح وهو عسير
فقال الرشيد " قد وجب لك يا أعرابي عليه حق هو يقضيك إياه، وحق علينا فيه نحن به. ادفعوا إليه دية الحر "، فقال له: " على عبدك دية العبد ".
ومن مليح ما في القلم ما أنشدناه محمد بن زياد الزيادي، لعمر بن إبراهيم بن حبيب العدوي يرثي قلمًا له سرق:
[ ١ / ٧٣ ]
يا عين جودي بواكف سجم جودي بدمع مشبع بدم
لا تطعمني عقدة وكيف وقد أسيت حرى لفجعة القلم
جودي على الناطق البليغ إذا اس تنطق من غير منطق وفم
لا حصر القول عند خطبته وليس في حكمه بمتهم
حلت عرى الحزم منه جانحة ضمت بها عربها إلى العجم
أصفر في حمرة كأن على جلدته بردة كلون دم
إذ أنها والقرطاس لاح له مج عليه حنادس الظلم
ما عيب طولًا ولم يعب قصرًا عري من دقة ومن عظم
إن قدح العائبون فيه بأن صم فأكرم به أخا صمم
كان إذا ما تضايقت سبل ال لفظ كفاني مخارج الكلم
حسبك منه لسان مطلع آل ناظر في ظاهر ومكتتم
ينبيك إن لجلج الغبي بما أضمر من خبر عالم فهم
فاذهب حميداُ كما قد فقدت وما فقدت منا مناعت الكرم
حدثني يعقوب بن بيان الكاتب قال: قال بعض الكتاب: " القلم الرديء كالولد العاق ".
وقالوا: " القلم أحد اللسانين، والعلم أحد الأبوين، والتثبت أحد العفوين، والمطل أحد المنعين وقلة العيال أحد اليسارين، والقناعة أحد الرزقين، والوعيد أحد الضربين، والإصلاح أحد الكسبين، والرواية أحد الهاجيين، والهجر أحد الفراقين، واليأس أحد النجحين، والمزاح أحد السبابين ".
وقال: " القلم لسان اليد ".
[ ١ / ٧٤ ]
وفاخر صاحب سيف صاحب قلم، فقال صاحب القلم: " أنا أقتل بلا غرر، وأنت تقتل على خطر ". فقال صاحب السيف: " القلم خادم السيف، فإن بلغ مراده وإلا فإلى السيف معاده. أما سمعت قول أبي تمام:
السيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب
وقال آخر: " مساق أمر الدنيا بسين وقاف فيقال سق " يريد السيف والقلم.
حدثني وكيع قال: حدثني جعفر بن كوال قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: " لسان الإنسان قلم ملكه الموكل به ومداده، وقرطاسه جلده، يملي عليه كتابًا إلى ربه. فلينظر الإنسان قبل فوت النظر ماذا يملي ".