حدثنا أحمد بن إسماعيل بن الخصيب قال: من كلام مسلم بن الوليد الأنصاري، في صفة بري القلم قوله: " حرف قطة قلمك قليلًا ليتعلق المداد به، وأرهف جانبيه ليرد ما استودعته إلى مقصده، وشق في رأسه شقًا غير عاد ليحتبس الاستمداد عليه، ورفع من شعبتيه ليجمعا حواشي تصويره. فإذا فعلت ذلك استمد القلم برشفه بمقدار ما احتملت ظبته فحينئذ يظهر به ما سداه العقل، وألحمه اللسان، وبلته اللهوات، ولفظته الشفاه، ووعته الأسماع، وقبلته القلوب ".
ويقال: بريت القلم أبريه بريًا فأنا بار له والقلم مبري. وكذلك بريت القدح والمغزل وهو أخذك منهما حتى يتقوما على إرادتك قليلًا قليلًا، لأنك إن لم تفعل ذلك برفق قطعته.
[ ١ / ٨٦ ]
وقال عبد الله بن مصعب:
قد طالما قد بروا بالجود أعظمنا بري الصناع قداح النبع بالسفن
وقلما يلبث شيء على البري إذا لم يك صلبًا قويًا في جنسه، فلذلك يستجاد للقلم القصب. ألا ترى إلى قول كثير:
ولن يلبث الواشون أن يصدعوا العصا إذا لم يكن صلبًا على البري عودها
ويقال لجميع ما يسقط من قلم وسهم ومغزل إذ بري البراية.
وقال أوس بن حجر يصف صانعًا لقوس يبريها بمبراته:
على فخذيه من براية عودها شبيه سفى البهمى إذا ما يفتلا
ويقال لما بين العقدتين من القصب أنبوب، والجمع أنابيب.
وكان بعض الكتاب يجيد الخط ولا يجيد برى القلم، فيبرى له. وبعضهم يرى أن في ذلك مهنة يترفع عنها. وقال بعض الكتاب:
لم ترني قط باريًا قلمًا في بريه كل مهنة وضعه
ما كل من يحمل الحسام لكي يردي به سنه ولا طبعه
وقد عيب بعض الكتاب بأنه لا يجيد بري القلم فقيل فيه:
دخيل في الكتابة ليس منها فما يدري دبيرًا من قبيل
إذا ما رام للأنبوب بريًا تنكب عاجزًا قصد السبيل
فكائن ثم من قطع رحيب لأصبعه ومن قلم قتيل
وكأن اشتقاق القلم من التقليم، وهو القطع ومنه تقليم حافر الدابة ومنه قلمت ظفري.
[ ١ / ٨٧ ]
وكل شيء تبري به شيئًا وتقطعه فهو مبراة والجمع مبار، والمبراة السكين الذي يبرى به القوس ثم جعلوا ما يقطع مبراة. وقال امرؤ القيس يصف قرن ثور:
فكر إليه بمبراته كما خل ظهر اللسان المجر
المجر الفاعل، وأصل الإجرار أن يشق طرف السان لسان الفصيل حتى لا يرضع أمه، وخله جعل فيه خلالًا. وذكر امرؤ القيس أن الثور طعن كلب الصيد ففعل به هكذا. وكان الوجه أن يقول: فكر إليه بمبراته فخله كما خل، فاستغنى عن قوله " فخله " لعلم المخاطب بما يريد.
والبراية ما سقط من القلم إذا بريته والليطة ما كان من قشر الأنبوب والجمع ألياط مثل عنب وأعناب وليط وألياط مثل جمل وأجمال. والشظية ما تشظى من الأنبوب والجمع شظايا وشظي القلم يشظى شظًا إذا صارت مع أحد سنيه شظية عنه. وأصل التشظي في اللغة " التفرق والتشقق " وشظي الفرس تفرق عصبه وتشقق. وقالوا: شظية وشظايا مثل بلية وبلايا وشظاة مثل نواة ونوى لا يكتب إلا بالألف لأنه يقال ثلاث شظايا وشظوات. وحفى القلم يحفى وحفاء وحفاية وكذلك في غيره.
[ ١ / ٨٨ ]