قال بعض الكتاب: ليكن الكرسف في نهاية ما يكون من السواد، ولتكن الليقة التي نهاية اللين والنعمة، والأجود أن تكون مستديرة، فإن كان كذلك أجزأ الكاتب أن يسمها روق القلم، ولا يلحقه كلفة ولا إبطاء في الاستمداد. وإن حفر الموضع الواقع على الليقة من الغطاء وغشي بأرق ما يكون من الفضة، حتى إذا أطبقت الدواة تجافى ذلك الموضع عن الليقة، فلم ينله شيء من سوادها، كان ادعى إلى النظافة والسلامة وأكثر الدري لا تسلم منها ما لم تكن على ما وصفنا.
[ ١ / ١٠٠ ]
ويعنى بتعهد الليقة والكرسف بالملح والكافور، وإن غيرت في كل يومين أو ثلاثة كان آمن لتغيرها وربما أغفل ذلك فاستكرهت الرائحة وظهر من نتنها ما يخجل له. وتهيا ذلك على بعض الكتاب حتى ظن رئيسه أنه أبخر فشكا ذلك إلى نديم له فقال النديم: ما عرفت ذلك منه، ولكن لعلة أغفل ذلك من أمر دواته وتفقدها. فقال الرئيس: عذره في بخره أبسط عندي منه في نتن دواته، لأنه في ذلك مضطر وهو في هذا مختار. ثم نبهه نديمه على ذلك فلم يجر عليه بعد. وقال بعض الشعراء في هذا المعنى يهجو كاتبًا:
دخيل في الكتابة ليس منها له فكر تعد ولا بديه
تشاكل أمره خلقًا وخلقًا فظاهره لباطنه شبيه
كأن دواته من ريقه فيه تلاق فنشرها أبدًا كريه
وقال أحمد بن إسماعيل حذرًا من هذا:
كأنما النقس إذا استمده غالية مذوقة بنده
قال وأنشدنا أحمد بن إسماعيل للحسن بن وهب:
مداد مثل خافية الغراب وقرطاس كرقراق السراب
وأقلام كمرهفة الحراب وألفاظ كأيام الشباب
وأحمد بن إسماعيل الذي يقول:
وإذا نمنمت بنانك خطًا معربًا عن إصابة وسداد
عجب الناس من بياض معان يجتنى من سواد ذاك المداد
والمداد كل شيء يمد به هذا أصله قال الأخطل:
[ ١ / ١٠١ ]
رأت بارقات بالأكف كأنها مصابيح سرج أوقدت بمداد
يريد بدهن أمدت به كثر الأستعمال لما تمد به الدواة فقلب كل شيء غيره فإذا قيل: مداد، لك يعرف شيء غيره وقال بعض الكتاب يمدح المداد:
من كان يعجبه في صحن عارضه مسك يطيب منه الريح والنسما
فإن مسكي مداد فوق أنملتي إذا الأصابع مني مست القلما
وقال آخر:
وما روض الربيع وقد زهاه ندى الأسحار يأرج بالغداة
بأعبق أو بأطيب من نسيم تؤديه الألاقة من دواة
وقالوا: " المداد خضاب الرجال ". وقال آخر:
إنما الزعفران عطر العذارى ومداد الدواة عطر الرجال
حدثني يعقوب بن بيان قال: كتب إبراهيم بن العباس يومًا كتابًا فأراد محو حرف منه، فلم يجد سبيلًا فمحاه بكمه، فقيل له في ذلك، فقال: المال فرع والقلم أصل، فهو أحق بالصون منه، وإنما بلغنا هذه الحال واعتقدنا الأموال بهذا القلم والمداد ثم قال:
إذا ما الفكر أظهر حسن لفظ وأداه الضمير إلي العيان
رأيت حلى البنان منورات تضاحك بينها صور المعاني
[ ١ / ١٠٢ ]
ويقال: مددت الدواة جعلت فيها مدادًا وكل شيء زدت فيه فإنك تقول: مددته أمده مدًا. قال الله تعالى: " والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ". وإذا أمرت قلت: مد الدواة بكسر الدال. ومد الدواة تتبع الضمة الضمة وإمداد الدواة. ولا يقال أمددت إلا ما كان على جهة الإعانة كقولك: أمددته بمال ورجال، ومنه قوله ﷿: " أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ". ومنه: " أمددناكم بأموال وبنين ". أي أعناكم وقربناكم. ويقال مداد ونقس بالسين وكسر النون، والكثير أنقاس.
وقال حميد بن ثور:
لمن الديار بجانب الحمس كمخط ذي الحاجات بالنفس
وأنشدنا محمد بن موسى الرازي لحمد بن مهران:
لا تجزعن من المداد ولطخه إن المداد خلوق ثوب الكاتب
وأبهج بذلك إنه لك زينة هبة من الله الجواد الواهب
لولا المداد ويسرنا بدليله ما صح في مال حساب الحاسب
ولما تبينت الأمور لطالب ولكان شاهدنا شبيه الغائب