فمن مليح ما قيل في ذلك، قول أبي تمام للحسن بن وهب، وقد قرأ كتابًا له فاستحسن خطه ولفظه من كلمه:
لقد جلى كتابك كل بث جو وأصاب شاكلة الرمي
فضضت ختامه فتبلجت لي غرائبه عن الخبر الجلي
وكان أغض في عيني وأندى على كبدي من الزهر الجني
وأحسن موقعًا عندي ومني من البشرى أتت بعد النعي
وضمن صدره ما لم تضمن صدور الغانيات من الحلي
فكائن فيه من معنى بديع وكائن فيه من لفظ بهي
وكم أنجزت من بر جليل به ووعدت من وعد سني
كتبت به بلا لفظ كريه على أذن ولا خط قمي
فأطلق من عقال في الأماني ومن عقل القوافي والمطي
وأهدي بعض الكتاب غلامًا كاتبًا، إلى رئيس له، وكتب إليه بصفة الخط وغيره - وسمعت من يحكي أن فاعل ذلك عيسى بن فرخانشاه بإبراهيم بن العباسي الصولي، وكان عيسى يكتب له ولا أدري كيف صحته، لأني لم أعتد بما لم أسمعه من أفواه الرجال:
اقبل هدية شاكر تجزيه بالنزر الجليلا
بدرًا يضيء إذا نظرت إلي هـ لم يألف أفولا
إني بعثت به وكن ت بحسن موقعه كفيلا
لما رأيت بخطه حسنًا يصيد به العقولا
[ ١ / ٤٦ ]
كمنمنم الموشي قد سحب القيان به الذيولا
أو كالرياض بكى الحيا فيها فاوسعها همولا
وتراه للمعنى اللطيف إذا أشرت به قبولا
لا مستعيدًا منك إذ تملي عليه ولا ملولا
عرف المبادئ والوصول من الحكاية والفصولا
وصنوف ترنيب الدعاء وإن يقصر أو يطيلا
والهمز والممدود والم قصور والمثل المقولا
والفعل والأسماء وال مصروف منها والثقيلا
فاستكفه وأضمر له أن لا تريد به البديلا
يحمل بفضل لسانه وبيانه عنك الثقيلا
وأنشد أحمد بن إسماعيل نطاحة لنفسه:
أضحكت قرطاسكعن جنةأشجارها من حكم مثمره
مسودة سطحًا ومبيضة أيضًا كمثل الليلة المقمره
ولي من قصيدة مدحت بها الوزير أبا القاسم عبد الله بن محمد بن عبيد الله بن يحيى:
ينظم درًا في قراطيسه أفدي أبا العباس من ناظم
[ ١ / ٤٧ ]
يطلع أنوارًا بها غضة بوابل من نقشه واسم
بنفسجًا أو مشبهًا لونه في أرض نسرين له فاحم
كالدر في اللفظ وكالوش ي في الرقم أجادته يد الراقم
فقال أحمد بن إسماعيل:
وإذا نمنمت بناتك خطًا معربًا عن إصابة وسداد
عجب الناس من بياض معان تجتنى من سواد ذاك المداد
حدثنا محمد بن إبراهيم الأنصاري أبو الحسن، قال: وصف أحمد بن صالح جارية كاتبة فقال: " كأن خطها أشكال صورتها. وكأن مدادها سواد شعرها. وكأن قرطاسها أديم وجهها. وكأن قلمها بعض أناملها. وكأن بيانها سحر مقلتها، وكأن سكينها سيف لحاظها. وكان مقطها قلب عاشقها ". وأنشدنا عبد الله بن المعتز لنفسه يصف خطًا:
فدونكه موشى نمنمته وحاكته الأنامل أي حوك
بشكل يؤمن الإشكال فيه كأن سطوره أغصان شوك
ومثل هذا لأحمد بن إسماعيل نطاحة:
مستودع قرطاسه حكما كالروض ميز بينه زهره
وكأن أحرف خطه شجر والشكل في أضعافها ثمره
[ ١ / ٤٨ ]
أنشد محمد بن يزيد المبرد، قال: استعار محمد بن عبد الملك الزيات من الحسن بن وهب دفترًا فيه شعر أبي يعقوب الخريمي، وكان معجبًا به، فوجه الحسن به إليه، وكان بخط حسن، ثم وجه الحسن يطلبه منه، فوجه إليه محمد بالنسخة التي كانت عنده واحتبس نسخة الحسن وكتب إليه:
إني نظرت ولا صواب لناظر فيما يهيم به إذا لم ينظر
فإذا كتابك قد تخير خطه وإذا كتابي ليس بالمتخير
وإذا وسوم في كتابك لم تدع شكًا لمعتسف ولا لمفكر
تنبيك عن رفع الكلام وخفضه والنصب فيه لحاله والمصدر
وإذا كتاب أخيك من ذا كله خلو فبئس لبائع أو مشتري
فاقبل كتاب أخيك غير منافس فيه وخل له كتابك واعذر
واعلم بأنك لا تزال مؤخرًا في العلم عند الناس ما لم تكسر
إني أرى حبس السماع على الذي شاركته فيه وكسر الدفتر
واستهدى أحمد بن إسماعيل دفترًا فيه حدود الفراء، فأهداه إلى مستهديه وكتب على ظهره:
خذه فقد سوغت فيه مشبهًا بالروض أو بالبرد في تفويفه
نظمت كما نظم السحاب سطوره وتأنق الفراء في تأليفه
وشكلته ونقطته فأمنت من تصحيفه ونجوت من تحريفه
بستان خط غير أن ثماره لا تجتنى إلا بشكل حروفه
وللخط صفات وتركيبات وأسماء مختلفات، تحد وتصنف ما يقال ذلك في النغم واللحون. فمنه الرياشي المحقق والخفيف المطلق، وهو الذي يتعلق بعضه ببعض، ومنه منثور ومجموع.
[ ١ / ٤٩ ]
وسئل بعض الكتاب عن الخط متى يستحق أن يوصف بالجودة، فقال: إذا اعتدلت أقسامه، وطالت ألفه ولامه، واستقامت سطوره، وضاهى صعوده حدوره، وتفتحت عيونه، ولم تشبه راءه نونه، وأشرق قرطاسه، وأظلمت أنقاسه، ولم تختلف أجناسه، وأسرع إلى العيون تصوره، وإلى العقول ثمره، وقدرت فصوله واندمجت وصوله، وتناسب رقيقه وجليله، وخرج عن نمط الوراقين، وبعد عن تصنع المحدرين، وقام لكاتبه مقام النسبة والحلية، كان حينئذ كما قلت في وصف خط:
إذا ما تحلل قرطاسه وساومه القلم الأرقش
تضمن من خطه حلة كنقش الدنانير بل أنقش
حروف تعيد لعين الكليل نشاطًا ويقرأها الأخفش
وقال آخر:
أتاني كتابك يا سيدي فآنس نفسًا به مبهجه
وكان بما ساق من فرحة وسكن من لوعة مزعجه
أبر وأمتع من ريطة على كل مائدة مدرجه
قد ذكرت في هذا الكتاب ما استحسن من خط الجواري: وقد كره أهل النبل من الناس وذوو الرأي منهم أن يعلم النساء الخط، وجاء فيه النهي عن ابن عباس، أنه قال: " لا تسكنوا النساء
[ ١ / ٥٠ ]
العلالي ولا تعلموهن الكتابة ".
وقال حمزة بن أبي سلامة الكوفي:
جاء خط كأنه شعرات وسط خط ولم يصله عذار
أو كنقش الحناء في كف عذرا ء أباحتك لمحه الأستار
يا كتابًا يكاد يضحك من جو هره في نظامه الطومار
وقال علي بن الجهم:
يا رقعة جاءتك مثنية فكأنها خد على خد
نبذ سواد في عذار كما ذر فتيت المسك في الورد
ساهمة الأسطر مصروفة من ملح الهزل إلى الجد
يا كاتبًا أسلمني عبثه إليه حسبي منه ما عندي
[ ١ / ٥١ ]
وقال أبو نواس:
زجرت كتابكم لما أتاني بمر سوانح الطير الجواري
نظرت إليه مجزومًا بزبر وفي ظهر ومختومًا بقار
فعفت الظهر أحور قرطقيًا تركب صداغه سين العذار
وكان الشدو ذا زبر مصيب وكان الختم من رق العقار
فكيف ترونني وترون زجري ألست من الفلاسفة الكبار