قال محمد بن يحيى: حدثنا الحسين بن يحيى الكاتب قال: حدثنا إسحاق قال: سمع جعفر بن يحيى يقول لكتابه: " إن استطعتم أن تكون كتبكم توقيعات فافعلوا ".
وقال بعض الكتاب: الإيجاز في الابتداء أمكن منه في الجواب، ما لم يكن منه في إعذار وإنذار، وعود وبدء، وفتوح وعهود.
قال أبو بكر: والذي عندي أنه يحتاج الكاتب والخاطب والشاعر، إلى أن يخرجوا معانيهم في أقواتها من الألفاظ، على الاختصار، ما لم يحتج إلى إكثار، فإن احتيج إلى ذلك جيء به بما
[ ١ / ٢٢٨ ]
لا بد منه. وأكثر ما يقع ذلك في الرغبة والرهبة، ألا ترى إلى كتاب الله ﷿ وكلامه المعجز، كيف يكون فيه ذكر الجنة والنار، وقصة الأنبياء ﵈، والنقمة ممن كذبهم، والأمر بالاعتبار بما نزل بهم، فكانت الحكمة في تقرير ذلك مما يفعل العرب، وسنأتي بفعلهم بعد. ولأن الإنسان قد يقرأ بعض القرآن ويحفظ شيئًا منه دون شيء، فلم يخل الله ﷿: كل موضع منه من ترغيب وترهيب، وإذكار واعتبار تفضلًا منه على عباده، واستدعاء لطاعتهم، ونهيًا عن عصيانهم فوقع التكرير لذلك.
وقد حدثني محمد بن يزيد المبرد النحوي قال: حدثني أبو محمد التوجي عن أبي عمر الأسدي، قال: قيل لأبي عمرو بن العلاء: هل كانت العرب تطيل؟ قال: نعم ليسمع منها، قيل: فهل كانت توجز قال: نعم ليحفظ عنها.
وقد روي في هذا لأبي دؤاد الإيادي:
يرمون بالخطب الطوال وتارة وحي الملاحظ خيفة الرقباء
واحتج من زعم أن الجواب ينبغي أن يكون أكثر من السؤال، لأن السؤال عنده استعلام، والجواب إعلام، وقد قال الله ﷿: " وما تلك بيمينك يا موسى "، فاقتضى الجواب أن يقول: " هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ". ثم رأى
[ ١ / ٢٢٩ ]
أن منافعه بها كثيرة فاختصر ذكرها وقال: " ولي فيها مآرب أخرى ".
وقالوا: " البلاغة لمحة دالة ". وقالوا: " لا تنفق كلمتين إذا كفتك كلمة " وأنشدني أحمد بن إسماعيل الكاتب لنفسه:
خير الكلام قليل على كثير دليل
والعي معنى قصير يحويه لفظ طويل
وفي الكلام فضول وفيه قال وقيل
أولا ترى إلى موضع الإيجاز بذكر الحجة في القرآن كيف أتى مختصرًا معجزًا وهو فيه كثير، فمنه قوله ﵎: " وضرب لنا مثلًا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم " ثم قال ﷿ في مكان آخر يذكر هذا: " ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ". ثم قال في مكان آخر، وقد أمرهم أن يعتبروا، فقرب ذلك عليه فقال: " وفي أنفسكم لأفلا تبصرون " ففي كل شيء من خلق الله ﷿: للإنسان عبرة إلا أن أقربها وأخصرها أمر نفسه.
ثم اختصر ﷿ أمره ونهيه، وتحليله وتحريمه، واستثنى في الذي أحل، ما نذكره بعد من حرامه، وفي الذي أحل وقتًا يحرم فيه كل ذلك. إذا كتب أجزأه فيه سطرواحد، وهو قوله ﷿: " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتل عليكم غي محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد " فأمر بأن نوفي بعقوده ثم أحل بهائم الأنعام، واستثنى ما يحرم منها ما يجيء بعد، ثم ذكر أن هذا الحلال يحرم على المحرم. ولو أراد أبلغ الكتاب أن يجيء بهذه في أسطر كثيرة ما أمكنه على عجزه في
[ ١ / ٢٣٠ ]
حسن اللفظ والنظم. وهذا كثير يطول به الكتاب ذكرت ههنا طرفًا منه.
قال وأنشدني محمد بن يزيد المبرد في وصف خاطب:
إذا ما انتدى خاطبًا لم يقل له أطل القول أو قصر
انتدى تكلم في النادي وهو مجلس القوم، وقد روي إذا ما ابتدا
طبيب بداء فنون الكلا م لم يعي يومًا ولم يهذر
فإن هو أطنب في خطبة قضى للمقل على المكثر
وحكى سيبويه أن امرأة من العرب كانت بغيا، فكان يقول لها القائل: خطب، فتقول: نكح وتمضي معه.
وحكي أن رجلًا كان عود رجلًا أن يجيئه في وقت من الزمان، فيمضي معه إلى موضع معروف، حتى ألفا ذلك وعرفاه فكان يأتيه فيقول " ألا تا " فيقول: " بلى فا " يريد ألا تمضي؟ فيقول: بلى فامضي. وهذا كله إنما يجوز مع الإفهام والمعرفة.
وأنشدني الحسين بن عمر الكاتب قال: أنشدني علي بن الحسين الإسكافي عن أبي محلم للأحيمر السعدي في كلمة:
وحاذر جواب المصمتين إذا سمت عيون العدى فالقول تبدو شواكله
[ ١ / ٢٣١ ]
من القول ما يكفي المصيب قليله ومنه الذي لا يكتفي الدهر قائله
يصد عن المعنى فينزل ما تحًا ويذهب في التقصير منه تطاوله
فلا تك مكثارًا تزيد على الذي عنيت به في خطب أمر تزاوله
وكلم رجل سقراط في أمر بكلام أطاله وزاد فيه على ما احتاج إليه فقال له سقراط: " أنساني أول كلامك بعد آخره، وطول عهده مع تقارب أقطاره ".
وقال آخر: الكلام أوعية والمعاني أمتعة، وقد يجمع في الوعاء الواحد ضروب من الأمتعة.
وقالوا: السؤال بغي والجواب نصير.
وقال آخر: البلاغة في الجواب أوحد وأظهر.
وقالوا: الأجوبة أمهات الفوائد، تلدها بتلقيح السؤال.
وقالوا: " الجوابات المستكة " ولم يقولوا: المسائل المستكة.
وقالوا: لكل كلام جواب.
وقال سهل بن هارون: من فضل الجواب على الابتداء أن الابتداء يوجد في الجواب ولا يوجد جواب في ابتداء.
وقال آخر: " إني أدع الكلام خوفًا من الجواب، أنه يقع ولم
[ ١ / ٢٣٢ ]
يذكر "، يريد قولهم: السكوت جواب.
قال الصولي: حدثنا يونس بن محمد الكديمي، قال: حدثنا عبد الله بن داود الحذيمي، قال: سمعت الأعمش يقول: " السكوت جواب "، وهذا إنما أخذه من قول رسول الله ﷺ.
قال الصولي: حدثني محمد بن يونس الكديمي قال: حدثنا أبو بكر الحنفي قال: حدثنا سفيان الثوري قال: حدثنا مالك بن أنس عن عبد الله بن الفضل، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: " الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر وإذنها صماتها ". وحدثني إبراهيم بن عبد الله قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا مالك بن أنس وذكر مثله.
وقال آخر:
يا من بنا يرتاب ترك الجواب جواب
وقال بشار وذكر أن السكوت يعفي من لا ونعم:
وإذا قلت لها جودي لنا خرجت بالصمت من لا ونعم
وأنشدني أحمد بن يزيد المهلبي عن أبيه قال: أنشدني الحسين بن الضحاك لنفسه:
وإبأبي مفحم بعزته قلت له إذ خلوت مكتتما
تحب بالله من يخصك بالحب فما قال لا ولا نعما
ثم تثنى بمقلتي خجل أراد رجع الجواب فاحتشما
فكنت كالمبتغي بحيلته برءًا من السقم فابتدا قسما
[ ١ / ٢٣٣ ]
وقال بعض الكتاب: أكثر حيل الكاتب في بلاغته يقصد شيئًا فيأتي بغيره ويدرجه فيه.
قال محمد بن يحيى الصولي: ومن ذلك ما حدثنا الحسين بن فهم قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن يوسف عن أبيه قال: دخلت على المأمون وفي يده كتاب ورد من عمرو بن مسعدة وهو يردد النظر فيه مرات، ثم قال لي: أظنك قد أفكرت في تردادي النظر في هذا الكتاب. قلت: قد أفكرت في ذلك. قال: إني عجبت من بلاغته واحتياله لمراده كتب: كتابي إلى أمير المؤمنين، أعزه الله، ومن قبلي من قواده وأجناده، في الطاعة والانقياد على أحسن ما تكون عليه طاعة جند، تأخرت أرزاقهم واختلت أحوالهم " ألا ترى يا أحمد إلى إدماجه الخلة في الأجناد وإعفاء سلطانه من الأكثار، ثم أمر لهم برزق ثمانية أشهر.
ونحوه هذا ما حدثني به أبو علي السجزي قال: لما ولي عبد الله بن سليمان الوزارة أوصلت إليه كتابًا من عبيد الله بن عبد الله وفيه شعر له:
أبى دهرنا إسعافنا في نفوسنا وأعفنا فيمن نحب ونكرم
فقلت له: نعماك فيهم أتمها ودع أمرنا إن المهم المقدم
فلما قرأ عبد الله هذا الشعر قال: ما أحسن ما احتال في شكوى حاله، بين أضعاف مدحه، فأوصل رقاعه إلي فقضى كل حاجة كانت له.
وحدثني علي بن الصباح، عن حماد، عن الهيثم بن عدي، قال: كان الحجاج يستبطئ المهلب في حرب الأزارقة والمهلب، محسن مجتهد يستحق مكان الذم الشكر. فكتب إليه المهلب:
[ ١ / ٢٣٤ ]
" إن من البلاء أن يكون الرأي لمن تملكه دون من تبصره " فلما قرأ الحجاج هذا أقصر عن مكاتبته بمثل ذلك.
وحدثني الحسين بن علي العنبري قال: حدثني محمد بن معاوية الأسدي، قال: لما ظفر المهلب بالخوارج وفرغ من أمرهم قال الحجاج: الآن يرد كتاب المهلب طويلًا بوصفه، جامعًا لوصف يشرح أحواله، وإنه لحقيق بكل وصف، وأهل لكل مدح. قال فورد كتابه.
" بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الكافيء بالإسلام فقد ما سواه، المعجل النقمة لمن بغاه، الذي يزيد من شكره، ويرزق من كفره.
أما بعد فقد كان من أمرنا ما أغنت جملته عن تفصيله. وكنا نحن وعدونا في مدة هذا التنازع على حالتين مختلفتين: يسرنا منهم أكثر مما يسوؤنا ويسوؤهم منا أكثر مما يسرهم؛ على شدة شوكتهم، واجتماع كلمتهم، وانزعاج القلوب لمخافتهم؛ حتى نوم بذكرهم الرضيع، وأصم لخوفهم السميع. فانتهزت منهم الفرصة عند إمكانها، بعد أن تنظرت وقت إبانها؛ واستدعى النهل علله، وبلغ الكتاب أجله. فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ".
ونحو هذا، إلا أنه في التهدد، ما حدثني به عبد الواحد بن العباس الهاشمي، قال: سمعت الرياشي يقول: كتب ملك الروم إلى المعتصم كتابًا يتهدده فيه فأمر بجوابه. فلما قربت الأجوبة عليه لم يرضها وقال للكاتب: " اكتب " فأملى عليه:
[ ١ / ٢٣٥ ]
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فقد قرأت كتابك، وسمعت خطابك. والجواب ما ترى لا ما تسمع. وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار ".
وكتب أحمد بن يوسف إلى إسحاق الموصلي يدعوه ويعلمه أن عنده قلمًا " المعنى أنا وقلم وأنت أعلم ".
وكتب عبد الملك إلى الحجاج: " أما بعد فقد بلغني سرفك في سفك الدماء، وتبذير الأموال في الباطل، ومنعك الحق؛ فلا يؤنسنك بي إلا طاعتك، ولا يوحشنك مني إلا معصيتك ".
قال: فكتب إليه الحجاج: " أما بعد فقد وصل كتاب أمير المؤمنين، وما قتلت إلا فيه، ولا أعطيت إلا له. فإن رأى أمير المؤمنين أن يمضي لي سالفي، ويأمر لي بما أحب في مستأنفي؛ فعل إن شاء الله ".
قال الصولي: حدثني محمد بن يزيد المبرد قال: حدثني العتبي قال: كتب عبد الملك بن مروان إلى بعض ولده، وقد خالفه في شيء: " أما بعد فإني أمرتك بأمر فأتيت غيره، ووصيتك بوصية فأبيت إلا عصته. وخفت أنك بمنزلة الصبي الذي إذا أمر بشيء أباه، وإذا نهي عن شيء أتاه؛ فيحتال له فيما ينفعه بأن ينهى عنه، وفيما يضره بأن يؤمر به. ويا سوأتي لمن هذه حاله والسلام ".