قال يحيى بن خالد البرمكي: " الخط صورة روحها البيان، ويدها السرعة، وقدمها التسوية، وجوارحها معرفة الفصول ".
وقال أبو دلف: " القلم صائغ الكلام، مفرغ ما يجمعه العلم ".
وقال اقليدس: " الخط هندسة روحانية وإن ظهرت بآلة جسمانية. أخذه النظام "، فقال: " الخط أصل في الروح وإن ظهر بآلة الجسد ".
[ ١ / ٤١ ]
ومن فضل حسن الخط، أن يدعوا الناظر إليه إلى أن يقراه وإن اشتمل على لفظ مرذول ومعنى مجهول.
وربما اشتمل الخط القبيح، على بلاغة وبيان، وفوائد مستظرفة، فيرغب الناظر عن الفائدة التي هو محتاج إليها لوحشة الخط وقبحه.
حدثنا أحمد بن إسماعيل، قال: كان مشايخ الكتاب وزهاد العمال يختارون أن يكون ما يرفعونه عن جماعاتهم، إلى دواوين السلطان بخط غير جيد، ومداد غير حالك، في صحف مظلمة، ليثقل على من يرد عليه من المتصفحين فيعدل عنها إلى غيرها مما لا يتعبه.
وزعم صاحب المنطق أن الأشياء مجودة في أربعة مواضع:
في الأشياء ذوات المعاني في أنفسها، وفي العقول، والقول، والخط. وإن الحظ دليل على ما في النفوس، وما في دليل على ما في الأشياء ذوات المعاني، وما في الأشياء ذوات المعاني مدلول عليه. وإن اثنين من هذه الأربعة طبيعيان، وهما الأشياء ذوات المعاني وما في النفوس لا يتغيران. واثنان وضعيان، يتغيران بتغير اللغات والبلدان، وهما القول والخط. ومثال ذلك أن الذي في الجسمين، من التدوير والتربيع، موجود فيهما إذا نظر إليهما ناظر، انطبعت صورتهما في نفسهما، فصارا موجودين في موضعين، وإذا أراد أن يخبر غيره عما وجده، احتاج إلى التعبير عما في نفسه باللفظ، فيكون اللفظ دالًا على ما في النفس، وإن كان المخبر حاضرًا شافهه، وإن كان غائبًا أداه إليه بالخط.
واللفظ والخط من هذا الوجه ضروريان، لابد منهما في العبارة. ولو شاء قائل أن يفضل الخط على اللفظ، في هذه الحال،
[ ١ / ٤٢ ]
من قول صاحب المنطق، لقال: فالخط أتم من اللفظ فائدة، لأنه قد بلغ مبلغ المنطق، إذ كنا قد نناجي الحاضر بهما جميعًا، فنفهمه بكل واحد منهما، مثل ما نفهمه بالآخر، ولا نستطيع إفهام الغائب إلا بالخط، فللخط فائدتان من هذه الجهة، وليس للفظ إلا فائدة واحدة.
فإن قال معترض: فكيف يتهيأ أن يفهم الأعمى والأمي الخط؟ قيل له: ذلك من نقصان آلة، لا من نقصان آلتهما، الخط، وإنما قولنا على تمام الآلة وأصل البنية الصحيحة، والعمى عرض دخل على الطبيعة وليس بأصل فيها، والأمي ممكن أن يتعلم الخط، فالنقيصة فيه عن علمه من ميله. وقد رأينا الشديد الصمم لا يفهم إلا بالخط.
ومن أحسن ما فضل به كلام المخاطب على الخط قول جالينوس " الكتاب كلام ميت، يتناوله قارئه كيف شاء، وكلام المخاطب حي، يمكن صاحبه أن يبصره حتى يبلغ به غرضه ".
ومن الأعجوبة في الخطوط كثرة اختلافها والأصول واحدة كاختلاف شخوص الناس مع اجتماعهم في الصنعة، حتى إن خط الإنسان يصير كحليته ونعته في الدلالة عليه، واللزوم له والإضافة إليه، حتى يقضي به الكاتب له وعليه.
وقد عجبت من بعض الكتاب قال: ادعى رجل من إلحاق الأنساب بالآثار والأشباه، فقال له القائف: أعجب والله من هذا ما يبلغنا من تمييزهم الخطوط وإلحاق كل خط بصاحبه أو ما ترى العازم على خيانة أو دفع حق، بغير خطه حتى إذا جحد لم ينسب عليه.
[ ١ / ٤٣ ]
وحدثني الحسين بن يحيى الكاتب، قال: ادعى رجل على رجل مالًا، وأن معه به رقعة بخطه، فجحد الرجل الخط، وجعل يكتب بين يدي الناس فيحكمون أن الخط ليس خطه. ثم تراضيا بسليمان بن وهب، وما يحكم به في ذلك، فأحضر الخط والرجل، فقال: اكتب فأملي عليه كتابًا طويلًا، ردد فيه مثل الحروف التي في رقعته، فتبين سليمان أن الخط خطه، وأنه صنع في كتاب الرقعة، ولم يكتب على طبعه، بحروف دلته على ذلك، فحكم عليه سليمان، فاعترف الرجل بالخط، وأدى المال وعجب من ذلك. فقيل لسليمان: كيف وقفت على ذلك؟ فقال: إنه يصنع في الرقعة كلها إلا في أحرف قذفتها سجيته، ولم يحترس منها طبعه. ثم أنشد سليمان:
ولما أبت عيناي أن تطعم الكرى وأن يمنعا ذر الدموع السواكب
تثاءبت كي أبغي لدمعي علة وكم مع لوعاتي بقاء التثاؤب
ومن مليح التعلل في الدم ما حدثنا به محمد بن دينار قال: حدثنا مهدي البهدلي، قال: قال يسار لأبي العتاهية: يا عتبي أنا والله أستحسن اعتذارك في دمعك حيث تقول:
كم من صديق لي أسا رقه البكاء من الحياء
فإذا تأمل لامني فأقول ما بي من بكاء
لكن ذهبت لأرتدي فطرفت عيني بالرداء
فقال أبو العتاهية: والله يا أبا معاذ ما لذت في هذا إلا بمعناك، ولا اجتنيته إلا من غرسك في قولك:
[ ١ / ٤٤ ]
فقالوا: لم بكيت فقلت: كلا وهل يبكي من الطرب الجليد
ولكني أصاب سواء عيني عويد بدا له طرف حديد
فقالوا: ما لدمعها سواد أكلتا مقلتيك أصاب عود
والتشبيه يقع كثيرًا بالخط الجيد الحسن، أما الخط الرديء فحكايته صعبة ممتنعة.
وحدثني يحيى بن البحتري قال: حدثنا أبي عن ابن الترجمان - وكان الواثق أنفذه إلى ملك الروم بهدايا - قال: وافقت لهم عيدًا فرأيتهم قد علقوا على باب بيعتهم كتبًا بالعربية منشورة، فسألت عنها، فقيل: هذه كتب المأمون بخط أحمد بن أبي خالد الأحول استحسنوا صوره وتقديره فجعلوا هكذا. فحدثت أنا بهذا الحديث، أبا عبيد الله محمد بن داود بن الجراح، فقال لي: هذا حق قد كتب سليمان بن وهب كتابًا إلى ملك الروم، في أيام المعتمد، فقال: ما رأيت للعرب شيئًا أحسن من هذا الشكل! وما أحسدهم على شيء حسدي إياهم عليه. والطاغية لا يقرأ الخط العربي، وإنما راقه باعتداله وهندسته وحسن موقعه ومراتبه.
ووصف أحمد بن إسماعيل خطًا حسنًا فقال: " لو كان نباتًا لكان زهرًا. ولو كان معدنًا لكان تبرًا. أو مذاقًا لكان حلوًا. أو شرابًا لكان صفوًا ". وقالوا: " القلم قسيم الحكمة ".
وقال أفلاطون: " الخط عقال العقل ". وقال أرسطاطاليس: " القلم العلة الفاعلة. والمداد العلة الهيولانية. والخط العلة الصورية. والبلاغة العلة النامية ". وقال بعض الملوك اليونانية " أمر الدين والدنيا تحت شيئين: قلم وسيف، والسيف تحت القلم ".
[ ١ / ٤٥ ]