قال الصولي حدثنا محمد بن زياد أبو عبد الله الزيادي قال: كان العتبي محمد بن عبيد الله صديقًا لعمرو بن عثمان القيني فكتب إليه العتبي كتابًا فزاده في الدعاء فكتب إليه عمرو:
يا ابن الذوائب من قريش والذرى وسليل سادة ساكني البطحاء
حاشا لمثلك أن يراني قائلًا بكرامة تزري لديه برائي
لم ترض إذ كنيتني وبدأت بي حتى دعوت الله لي ببقائي
ولو اقتصرت على التي هي قيمتي فيما بتت قضية الحكماء
لكتبت لي عمرو بن عثمان ولم تتبعه في العنوان حرف دعاء
فاترك جعلت فداك إكرامي بماأخشى به عند الورى استغباني
فالعين تصغر أن تقدمها على أولاد حرب السادة الكبراء
حلوا من العز المنيع نيافة يحمون غيرهم ذرى العلياء
حدثني أحمد بن يحيى الأسدي قال: كتب إلي الحسين بن سعد فنقصني في الدعاء في الدعاء، فكتبت إليه: قد علمت أعزك الله أن السبب في العداوة بين محمد بن عبد الملك الزيات وإبراهيم بن العباس الصولي، أنه لما ولي وزارة المعتضد، نقص إبراهيم عما يستحقه من الدعاء، فلم تحتمل ذلك نفسه ورياسته وموضعه من الصناعة والدولة، فعاتبه في ذلك فلم
[ ١ / ١٥٩ ]
يعتبه، فألهب له نار هجاء لا يطفيها الدهر، وعلامة ذلك قوله في كلام منثور قد ذكره ولي هذا الأمر، فما ظن أن الرياسة تنجذب إليه، ولا أن العز يتحصل له بحط إخوانه عن منزلتهم، ونقصهم عن مرتبتهم، فبخسني في المكتابة، وأساءني في المعاملة، في كلام له طويل، ثم نظم ذلك في شعر فقال:
من رأى في الأنام مثل أخ لي كان عوني على الزمان وخلي
رفعته حال فحاول حطي وأبى أن يعز إلا بذلي
وكان الخطاب في أول الأمر، ثم أنحى عليه بالهجاء.
فافتقد - أعزك الله - إنصاف إخوانك وتجنب ظلمهم يصف لك غدير ودهم.
وحدثنا محمد بن العباس الشلمغاني، قال: لما ولي ابن بشر المرثدي كتابة الموفق بالله نقص أحمد بن علي المازراني في الدعاء حين كاتبه فكتب إليه:
كلما رمت أن أخلف من كا ن أمامي خلفت عمن ورائي
انقصت الدعاء لي منك لما زادك الله رفعة في دعائي
فلئن تم ما أراه وأصبح ت: وزيرًا لتطعمني جزائي
قال: فاعتذر إليه وزاده في الدعاء.
وكان هذا في كلام منثور لمن كان قبل المازراني: وكنت آمل لك الرفعة، ولم أدر أنها تكسيني الضعة، وأرجو لك الثروة ولم أدر أنها تؤديني إلى الإضافة، فكان المنى طرد العنى، والدعاء سبب الثراء.
وكتب أبو حفص عمر بن أيوب إلى أبي الحسين أحمد بن محمد بن المدبر يعاتبه في أن دعا له " مد الله في عمرك ":
[ ١ / ١٦٠ ]
يا جوادًا بالثنا وبخيلًا بالعطا
إن " مد الله في عمرك " من كتب الجفا
ليس يستعمل هذا الصدر بين الأصفيا
فتفضل يا فتى الناس بتفخيم الدعا
وكتب أحمد بن إسماعيل إلى صديق له نقصه في دعائه ولحن في كتابه:
وما أنا والكتاب إلى صديق أدين من الوفاء بغير دينه
أعظمه ويحقرني وأدعو له باللفظ يدعو لي بدونه
وينقصني ولم أنقصه حقًا ويخشن لفظه من بعد لينه
فقام كتابه بالرد عني لكثرة ما تضمن من لحونه
وقال أيضًا لآخر فعلبه مثل فعله:
رأيت الرياسة مقرونةً بلبس التكبر والنخوه
إذا ما تقمصها معجب تتايه في الجهل والخلوه
ويقعد عن حق إخوانه وكلهم مسرع نحوه
قالوا: وكما أن النقص عن الرتبة مذموم فكذلك طلب الزيادة مكروه، لأن من طالب من الدعاء بما فوق محله، تعرض لحطيطته من استحقاق. وإسقاط الترتيب جحد للحقوق، وإلحاق للجليل بالدقيق. قال: وأنشدني علي بن محمد بن نصر لنفسه في رجل نقصه في الدعاء:
لساني بالثناء عليك رطب وبالمكروه إن أحببت عضب
أتنقصني الدعاء وذلك شيء على مثلي من الأحرار صعب
فإن عاودته فأجبت عنه فما لك إن أسأت إلي ذنب
وكتب عبد الصمد بن المعدل إلى صديق له كتابًا فيه: " وأمتع
[ ١ / ١٦١ ]
بك " فكتب إليه عبد الصمد، وقد روي هذا لغيره:
أحلت عما عهدت من أدبك أم نلت ملكًا فتهت في كتبك
أم هل ترى أن في مكاتبتي ال إخواني نقصًا عليك في حسبك
إن جعا كتاب ذي أدب يكون في صدره: وأمتع بك
أتعبت كفيك في مكاتبتي حسبك مما يزيد في تعبك
ويروى هذا الجواب عن هذا:
كيف يحول الإخاء يا أملي وكل خير أنال في سببك
إن كان ذنبًا جناه ذو ثقة فعد بفضل عليه من أدبك
فاعف فدتك النفوس عن رجل يعيش حتى الممات في كنفك
وقد يزيد الرئيس تابعه في الدعاء إذا كان مغيظًا عليه لشيء ضره أو خالفه فيه، فيجري ذلك مجرى الاستهزاء به وليس ذلك مما ذكرناه أولًا.
وكتب بعض الكتاب إلى بعض الأخلاء من إخوانه، وقد زاده في الدعاء: " علي - أعزك الله - الإعظام والهيبة في هذه
[ ١ / ١٦٢ ]
الحال، إلى ما لا لم أزل عليه قبلها من الإخلاص والطاعة، وعليك أن لا يمنعك النظر إلي بعين المودة، من الأخذ مني لنفسك بحق الرياسة، ومن أطاعك لها رجاء أو هيبة فإني أطيعك لها ودًا ومحبة ".