وقد لمس العربي للفرس دوره الكبير في حياته ومصيره حتى غدا جزءا من وجوده الانساني الكريم، يصاول به الأخطار، ويدفع عنه غائلتها. .
فغدا صنوا للقوة البشرية في سواعد الأبناء وألسنة الشعراء الحداد، فكان العرب «لا يهنئون إلا بغلام يولد، أو شاعر ينبغ فيهم، أو فرس تنتج (٣).
ولكي يبقى الفرس قويا مستعدا؛ لا بد للعربي من حسن رعايته وتغذيته وإيثاره. . فساواه بأبنائه وهم عدته وأحباؤه. . يقول زيد الخيل بن مهلهل الطائي-ويكنى أبا مكنف-في فرسه الهطّال:
أقرّب مربط الهطّال إني أرى حربا تلقّح عن حيال
أسوّيه بمكنف إذ شتونا وأوثره على جلّ العيال (٤)
ومثله قول خالد بن جعفر بن كلاب في فرسه حذفة:
_________________
(١) انظر جامع الأصول ٥/ ٤٥ برقم (٣٠٤٤).
(٢) الدميري ١/ ٤٤١.
(٣) العمدة ١/ ٦٥.
(٤) حلية الفرسان ص ١٥٩.
[ ١٥ ]
أريغوني إراغتكم فإني وحذفة كالشجا تحت الوريد
أسوّيها بجاري أو بجزء وألحفها ردائي في الجليد (١)
ويرضى بجوع صغاره إذ يبيتون على الطوى لتكتفي فرسه، يقول مالك ابن نويرة في فرسه (ذو الخمار):
جزاني دوائي ذو الخمار وصنعتي إذا نام أطواء بنيّ الأصاغر (٢)
بل إنه يقدّم فرسه على فتاة أحلامه، مهما بدا من فتنتها وتعلقه بها، حين تغدو فرسه مهرا لها. وفي ذلك يقول سبيع بن الخطيم التيمي في فرسه نحلة مخاطبا والد فتاته:
يقول: نحلة أو دعني فقلت له: عوّل عليّ بأبكار هراجيب
لجّت عليّ يمين: لا أبدّلها من ذات قرطين بين النحر واللوب (٣)
فهو يعرض الإبل مهرا في عجز البيت الأول، فلا يرضى الأب بنحلة بديلا، فيشتد سبيع في خطابه مجيبا إياه بالبيت الثاني. .
ولا عجب في موقفه هذا إذا كانت فرسه أغلى من نفسه التي بين جنبيه. يقول فضالة بن هند بن شريك الأسدي في فرسه ناصح:
أناصح شمّر للرهان فإنها غداة حفاظ جمّعتها الحلائب
أتذكر إلباسيك في كل شتوة ردائي، وإطعاميك والبطن ساغب (٤)
بل إنه قد يذهب إلى أبعد من هذا، فيضحي بحياته لتبقى فرسه.
وفي ذلك يقول ثعلبة بن أم حزنة العبدي في فرسه عريب:
_________________
(١) أنساب الخيل ص ٦٦.
(٢) الغندجاني (ذو الخمار) برقم (٢٤٩).
(٣) الغندجاني (نحلة) برقم (٧٣٩) مقرونة بخبرها.
(٤) أنساب الخيل ص ٣٩ - ٤٠.
[ ١٦ ]
إنّ عريبا وإن ساءني أحبّ حبيب وأدنى قريب
سأجعل نفسي له جنّة بشاكي السلاح نهيب أريب (١)
وكم ثارت نوازع النقمة والاستياء لدى نسوتهم، وغلت في صدورهن مراجل الحقد مشوبة بالغيرة؛ لما يرونه من مبالغة الرجال في العناية بالأفراس، وكم تعالت صيحاتهن مطالبة برد الغذاء على الأبناء، والانتفاع بأثمان الخيل الباهظة في توفير حاجات الأسرة. . فكان الرجال يوصدون آذانهم حيال هذا، ولا يقبلون بصنيعهم جدلا، وحجتهم في ذلك تتردد بين التذكير بأيام الشدة والتعرض للغزو والسباء، وبين تعلق الفارس بفرسه، وربما جمع بينهما. . يعبر المقعد بن شماس السعدي عن ذلك فيقول في فرسه كنزة:
أتأمرني بكنزة أم قشع لأشريها (٢) فقلت لها دعيني
فلو في غير كنزة آمرتني ولكني بكنزة كالضنين
فلا وأبيك لا أحبو خليلا بكنزة ما حييت فلا تهوني
رأت جاراتها خدّرن ريطا وأكثر فوقهن من العهون (٣)
ومثله للقتّال الكلابي في فرسه الشهباء قوله:
لا تقصيا مربط الشهباء منتبذا بخلوة، إن ريب الدهر مرهوب
وقرّباها إني لن تمسّ يدي يدا ببيع لها ما حنّت النيب (٤)
ولا يغريهم ثمن لبيع الفرس، مهما قاسى أحدهم من شظف العيش وشدته، ولو أدى الأمر أحيانا إلى تطليق الزوجات. وينقل فارس النعامة
_________________
(١) الغندجاني (عريب) برقم (٤٩١).
(٢) أي لأبيعها. وهي من الأضداد. انظر الأضداد للجستاني ص ١٠٦ والصغاني ص ٢٣٤.
(٣) أنساب الخيل ص ١٠٠ والغندجاني (كنزة) برقم (٥٨٩).
(٤) الغندجاني (الشهباء) برقم (٣٦٦).
[ ١٧ ]
عيينة بن أوس المالكي حوار النسوة فيقول:
تقول أنا الحرّى لقيت مشقة من الحشّ والإخلاف فالوجه ساهم
فقالت لها الأخرى لأسمع قولها هو اليوم إن باع النعامة ناعم
وما الناعم المغبوط إلا الذي له غنى وهو مكفيّ المؤونة طاعم
وقالت سيعطى بالفلوّة أربعا وبالمهرة الأخرى ثمان جوازم
ويبرز عيينة للنسوة فيختم تعريضهن بقوله:
ولست بشاريهن ما لم تطلّقي ولو لمتني أو لامني لك لائم (١)
بل إنهم على استعداد لدفع أغلى الأثمان لاقتناء الفرس العتيق، ذكر ابن الكلبي (٢) من ذلك قوله: «ومنها الصّغا فرس مجاشع بن مسعود السلمي، وكانت من نجل الغبراء فرس قيس بن زهير، فاشتراها عمر بن الخطاب بعشرة آلاف درهم» (٣). وليس مثل هذا المبلغ قاصرا على فرس ذي أخبار يتناقلها الناس، فقد أورد ابن الأعرابي خبرا يقول: «وكانت بلعاء فرس الأسود بن رفاعة، باع سخلة منها بعشرة آلاف من خليفة بن واثلة» (٤) إدراكا منهم بأنها لا بد وارثة صفات أمها.
وليس هذا بالحد الأعلى للأثمان، فالخيل الفائقة لا حدود لأثمانها، فقد نقل الدميري (٥) عن سنن البيهقي في كتاب البيوع قوله: «إن عبد الرحمن بن عوف اشترى من عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهما فرسا بأربعين ألفا».
_________________
(١) الغندجاني (النعامة) برقم (٧٤٠).
(٢) أنساب الخيل ص ١١٦.
(٣) قلت: والمعروف أن عمر بن الخطاب ﵁ لم يكن من الأثرياء. . وبذلك ندرك ضخامة ما بذل.
(٤) أسماء خيل العرب ص ٩٠.
(٥) حياة الحيوان الكبرى ٢/ ١٥٥.
[ ١٨ ]
ولم يكن هذا الاهتمام بالخيل من العرب للزينة أو التفاخر، فقد كانت وسيلتهم إلى العزة والنصر، فالعربي كما أسلفت أبيّ بطبعه، محارب مقدام بحكم ظروف حياته، وامتلاكه فرسا أصيلة سابقة يعني الفوز والغلبة في قراعه غازيا أو مدافعا. . يؤكد ذلك ما جادت به قرائح الفرسان مما يترجم عن الصلة بينهم وبين أفراسهم، تلك الصلة التي يمتزج فيها شعور المحبة والإعجاب بشعور المصير الواحد، فغلبة أحدهما نجاة للآخر، وخذلان أحدهما إنما هي النهاية المحتومة لرفيق حياته. . وقد عبر شداد بن معاوية العبسي أبو عنترة عن هذا الموقف بقوله:
جزى الله الأغرّ جزاء صدق إذا ما أوقدت نار الحروب
يقيني بالجبين ومنكبيه وأحميه بمطّرد الكعوب (١)
لهذا فإنه حين يفضّله على فتاته، ويرفعه فوق استنكار زوجه، ويقدّمه على أبنائه، فما ذاك سوى لأنه عدته في حماية من يلوذ به، وصونهن من السبي والهوان، وهو مصير قائم في كل يوم وليلة. . وفي ذلك يقول الأعرج الطائي في فرسه الورد:
أرى أمّ سهل ما تزال تفجّع تلوم وما أدري علام توجّع
تلوم على أن أعطي الورد لقحة وما تستوي والورد ساعة تفزع
إذا هي قامت حاسرا مشمعلّة نخيب الفؤاد رأسها ما تقنّع
وقمت إليه باللجام ميسّرا هنا لك يجزيني الذي كنت أصنع (٢)
فهو يذكّرها بواحدة من صور الهوان لا تجهلها ليبلغ من تهدئة ثورتها على الفرس ما يريد.
وكما أن فرسه وسيلته للحماية والدفاع، فهي كذلك عدته للإغارة
_________________
(١) الغندجاني (الأغرّ) برقم (١٠).
(٢) الغندجاني (الورد) برقم (٧٩٦).
[ ١٩ ]
والغزو، يقول شمعلة بن الأخضر بن هبيرة في فرسه الشقراء:
نولّيها الحليب إذا شتونا على علاّتنا ونلي السّمارا
رجاء أن تؤديه إلينا من الأعداء غصبا واقتسارا (١)
ومثله قول خالد بن جعفر بن كلاب في فرسه حذفة:
أسوّيها بجاري أو بجزء وألحفها ردائي في الجليد
وأوصي الراعيين ليغبقاها لها لبن الخلية والصّعود
لعل الله يفردني عليها جهارا من زهير أو أسيد (٢)
ولم يكن اهتمامهم بأنسابها لصيانة صفاتها المتوارثة-بأقل من عنايتهم بها، حتى كان حفظ أنسابها من الأمور التي قلّ أن يجهلها فيهم أحد، لا يقتصرون في ذلك على معرفة الآباء خاصة، كما هو شأنهم في أنسابهم، بل إن اهتمامهم بأمهات الخيل لا يقل عنه في الآباء لما لهنّ من دور في نقل صفاتهن المحمودة كذلك إلى الأبناء. وأخبار ذلك مستفيضة في أسفار التراث العربي، من ذلك ما أورده الجاحظ فقال:
«قاد عيّاش بن الزبرقان بن بدر إلى عبد الملك بن مروان خمسة وعشرين فرسا، فلما جلس لينظر إليها، نسب كل فرس منها إلى جميع آبائه وأمهاته، وحلف على كل فرس بيمين غير اليمين التي حلف بها على الفرس الآخر. . فقال عبد الملك بن مروان: عجبي من اختلاف أيمانه أشد من عجبي من معرفته بأنساب الخيل» (٣). علما بأن عياشا هذا رجل عادي ولم يكن من العلماء المختصين المنقطعين كالأصمعي مثلا.
_________________
(١) ابن الأعرابي ص ٦٠ والسّمار من اللبن ما كان ثلاثة أرباعه من الماء.
(٢) أنساب الخيل ص ٦٦.
(٣) البيان والتبيين ١/ ٣٠٥.
[ ٢٠ ]