حدثنا يحيى بن علي عن أحمد بن يحيى بن جابر قال حدثني هبة الله بن ابراهيم بن المهدي أن محياه الطائفية أو ولد المنصور كانت بعثت بشكلة أم إبراهيم إلى الطائف فنشأت هناك ففصحت وقالت الشعر وأنشدني لها شعرًا في أخ كان لها يقال له أحمد وهو:
أَحْمَدُ تَفْدِيهِ شَبابُ فِهْرِ مِنْ كُلِّ ما رَيْبٍ وَأَمْرٍ نُكْرِ
قَدْ جَاء مِثْلَ الشَّمسِ غِبَّ قَطْرِ فِي حُسْنِ بَدرٍ وَاعْتِدالِ صَدْرِ
بُنَيَّ أَحْشائي وَذُخْرُ ذُخْرِي شَدَّ إلهِي بِأَبيِكَ ظَهْرِي
وَزادَهُ رَبُّ الْعُلَى مِنْ عُمْرِي وَذَبَّ عَنْهُ خائفاتِ الدَّهْرِ
وَعَنْكَ ما أَدْرِي ومَا لا أَدْرِي
قال وإبراهيم شاعر عالم بالغناء مقدم في الحذق، بايعه أهل بغداد
[ ١٧ ]
بعد قتل محمد الأمين، فلما ظهر قواد المأمون استخفى فلم يزل كذلك مدة طويلة إلى أن قدم المأمون بغداد، ثم ظهر عليه فعفا عنه فعمل فيه أشعارا وشكلة من سبى دنباوند قتل أبوها شاهمرد وسبيت هي وبخترية أم منصور بن المهدي، فوهبها المنصور لمحياة أم ولد له فوهبتها للمهدي وولد إبراهيم بن المهدي غرة ذي القعدة سنة اثنتين وستين ومائة وتوفي في أول سنة أربع وعشرين ومائتين، وقيل في آخر سنة ثلاث وعشرين بسر من رأى.
حدثنا يموت بن المزرع قال حدثني الجاحظ قال أرسل إلى ثمامة يوم جلس المأمون لإبراهيم بن المهدي، وأمر بإحضار الناس على مراتبهم فحضروا، فجيء بإبراهيم في قيد فسلم، فقال له المأمون: لا سلم الله عليك، ولا حفظك فقال: على رسلك يا أمير المؤمنين، فلقد أصبحت ولي ثأري، والقدرة تذهب الحفيظة، ومن مدله في الأمل هجمت به الأناة على التلف، وقد أصبح ذنى فوق كل ذنب، وعفوك فوق كل عفو، فإن تعاقب فبحقك، وإن تغفر فبفضلك فقال له المأمون إن هذين أشارا علي بقتلك وأومأ إلى المعتصم وإلى ابنه العباس فقال قد أشارا بما يشار بمثله في مثلي، وما غشاك في عظم الخلافة ولكن الله دعوك من العفو عادة، فأنت تجري عليها دافعا ما تخاف بما ترجو، فقال: أطلقوا عمي، فقد عفوت عنه.
[ ١٨ ]
فقال بعقب هذا:
وَعَفَوْتَ عَمَّنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ مِثْلِه عَفْوٌ وَلَمْ يَشْفَعْ إلَيْكَ بِشافِعِ
إلاَّ الْعُلُوَّ عَنِ الْعُقَوبَةِ بَعْدَما ظَفِرَتْ يَداكَ بِمُسْتَكِينٍ خاضِعِ
فَرَحْمتَ أَطفالًا كأَفْراخِ الْقَطا وَعَوِيلَ عانِسَةٍ كَقَوْسِ النَّازِعِ
قَسَمًا وَما أُدْلِي إِلَيْكَ بِحُجَّةٍ إلاَّ التَّضَرُّعَ مِنْ مِقُرٍ خاشِعِْ
ما إنْ عَصَيْتُكَ وَاْلغُواةُ تُمدُّنِي أَسْبابُها إلاَّ بنيَّةِ طائِعِ
وهذه قصيدة طويلة أولها:
يا خَيْرَ مَنْ ذَمَلَتْ يَمانِيَةٌ بِهِ بَعْدَ الرَّسُولِ لآِيِسٍ أوْ طامِعِ
وله في عفوه أشعار كثيرة منها قصيدة أولها:
أَعْنِيكَ يا خَيْرَ مَنْ تُعْنَى بِمُؤْتَلِفٍمِنَ الثَّناءِ ائْتلافَ الدُّرِّ فِي النَّظْمِ
أُثْنِى عَلَيْكَ بِما جَدَّدْتَ مِنْ نِعَمِوَما شَكَرْتُكَ إنْ لَمْ أُثْنِ بِالنِّعَمِ
وفيها
رَدَدْتَ مالِي وَلَمْ تَمْنُنْ عَلَيَّ بِهِ وَقَبْلَ رَدِّك مالِي ما حَقَنْتَ دَمِي
فَنُؤْتُ مْنُه وَما كافَأْنُها بِيَدٍ هِي الْحَياتانِ مِنْ مَوْتٍ وَمِنْ عُدْمِ
اْلبُّرِ لِي مِنْكَ وَطْءُ اْلعُذْرِ عِنْدَكَ لِيفِيما أَتَيْتُ فَلَمْ تَعْذُلْ وَلَمْ تَلُمِ
وَقَامَ عِلْمُكَ بِي فَاحْتَجَّ عِنْدَكَ لِي مَقامَ شاهِدِ عَدْلٍ غَيْرِ مُتَّهَمِ
[ ١٩ ]
تَعْفُو بِعَدْلٍ وَتَسْطَو إنْ سَطَوْتَ بِهِ فَلا فَقَدْناكَ مِنْ عافٍ وَمُنْتَقِمِ
حدثنا محمد بن موسى بن حماد قال حدثنا عبد الوهاب بن محمد ابن عيسى قال استخفى إبراهيم عند بعض أهله من النساء، فوكلت بخدمته جارية جميلة، وقالت لها: أنت له، فإن أرادك لشيء فطاوعيه وأعلميه ذلك حتى يتسع له. فكانت توفيه حقه في الخدمة والاعظام، ولا تعلمه بما قالت لها، فجعل مقدارها في نفسه، إلى أن قبل يومًا يدها فقبلت الأرض بين يديه فقال:
يا غَزالًا لِي إِليْهِ شافِعٌ مِنْ مُقْلَتَيْهِ
وَالَّذِي أَجْلَلْتُ خَدَّ يْه فَقَبَّلْتُ يَدَيْهِ
بأَبي وَجْهَكَ ما أَكْثَرَ حُسَّادِي عَلَيْهِ
أَنا ضَيْفٌ وَجَزاُء الْضَّيْفِ إحْسانٌ إلَيْهِ
وعمل بعد ذلك فيه لحنا من طريق الهزج حدثني عبد الله بن محمد بن علي الكاتب قال حدثنا أبو العيناء قال سمعت إبراهيم بن الحسن بن سهل يقول: لم يكن إبراهيم بن المهدي يصدق أن عفو المأمون عنه يدوم، ويرى أنه سيلحق به جملة، فكان يتعهر ويتهتك ويغنى لكل واحد، ولا يخلى المأمون في كل وقت من مدح.
حدثنا أحمد بن يزيد المهلبي قال حدثنا أبي قال كتب إبراهيم ابن المهدي إلى عمرو بن بانة حين ظهر ورضي عنه المأمون يدعوه
[ ٢٠ ]
فكتب إليه عمرو: أخاف سخط أمير المؤمنين. فكتب إليه إبراهيم: ليس يخلو أمير المؤمنين من أن يكون راضيًا عني فما يكره أن تسرني، أو ساخطًا فما يكره أن تعرني، وما تخرج عن هاتين.
حدثني الحسن بن يحيى الكاتب قال سمعت هبة الله بن إبراهيم ابن المهدي يقول حين أخذ أبي إبراهيم كتب إلى المأمون رقعة فقرأها قبل أن يراه وهو أول شعر قرأه له:
أيا مُنْعِمًا لَمْ تَزَلْ مُفْضِلا أَدامَ الضَّنَى سُخْطُكَ الدَّائُم
ظُلْمتُ فَانْ قُلْتَ لا بَلْ ظَلَمْتَ فَإِّنِي أَنا الكْاذِبُ الآْثِمُ
وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنْ زَلَّتي فَإِّنَي مِنْ جُرْمِها واجِمُ
يُفَزُّ الْحَلِيمُ وَيَكْبو الْجَوا دُ وَيَنْبُو لَدَي الضَّرْبَة الصَّارِمُ
فَها أَنا ذا اْلعاِئذُ الْمسِتجيرُ فَاحْكُمْ بِما شِئْتَ يا حاكمُ
عَصَيْتُ وَتُبْتُ كما قَدْ عَصَى وَتَابَ إلَى رَبِّه آدَمُ
فَقُلْ قَوْلَ يُوسُفَ لا تَثْرِبُنَّ فَقَدْ يَغْفرُ الْغاِفرُ الرَّاِحمُ
فَلَسْتُ إلىَ زَلَّةٍ عائِدًا يَدَ الدَّهْرِ ما قَعَدَ الْقاِئمُ
قال فحل ذلك أكثر ما كان في نفسه حدثنا عون بن محمد قال حدثنا محمد بن راشد قال دخلت يوما إلى إبراهيم بتن المهدي فتجارينا ذكر الدول فأنشدني لنفسه:
فَلّلِهِ نَفْسِي إنَّ فِيَّ لَعِبْرَةً وَلِلدَّهْرِ نَقْضٌ لِلقُوىَ بَعْدَ إبْرام
[ ٢١ ]
غَدَوْتُ عَلَى الدُّنْيا مَلِيكًا مُسَلَّطًا وَرُحْتُ وَما أحْوِى بِها قَبْسَ إبهاِم
حدثنا عون قال أنشد إبراهيم بن المهدي المأمون شعرًا يعتذر فيه فقال له حين فرغ منه: قد أفرط شكرك، كما أفرط جرمك، والإحسان محاء للإساءة.
وأنشدني عون له بعقب هذا وكان يستجيده:
وَنَهَيْمتَ نَوْمِي عَنْ جُفونِي فَانْتَهَى وأَمَرْتَ لَيْلِي أَنْ يَطُولَ فَطالاَ
نَظَرُ اْلعُيوِن عَلَى اْلعُيوِن هُوَ الَّذِيجَعَلَ الْعُيونَ عَلَى اْلعُيوِن وَبالاَ
حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عباد قال حدثني أبي قال كان إبراهيم ابن المهدي قد ترك الغناء في آخر أيامه، وذاك أنه غنى المعتصم صوتًا بشعر له في طريقة الثقيل الثاني في الأصبع الوسطى نوحيا على عمد:
ذَهْبْتُ مِنَ الدُّنْيا وَقَدْ ذَهَبًتْ مِنِّيهَوَى الشَّيبُ بِي عَنْها وَوَلَّي بِها عَنِّى
فِإنْ أَبْكِ نَفْسِي أَبْكٍ نَفْسًا نَفِيسَةًوَإنْ أَحْتَسِبْها أَحْتَسِبْها عَلَى ضَنِّ
وجعل يغني ويبكي، فقال له المعتصم: ما هذا يا عم؟ قال: حلفت بين يدي الرشيد أني إذا بلغت الستين لم أشرب ولم أغن، قال ومن يشهد بهذا؟ قال جماعة قد بقي منهم مسرور الخادم، فسأله عن ذلك فشهد له، فأعفاه عن الغناء الشرب والغناء فما عاد لذلك إلى أن مات.
حدثني الحسين بن يحيى قال سمعت عبد الله بن العباس بن
[ ٢٢ ]
الفضل بن الربيع يقول بلغ إبراهيم بن المهدي من حسن الغناء والعلم إلى نهاية ما بعدها، حتى أنه كان يجاذب إسحاق الموصلي. . . صنعة حسنة شبه بها صنعة الأوائل، منها أنه غنى في شعر مروان أبي حفصة من طريقة الثقيل الأول:
طَرَقَتْكَ زائِرَةٌ فَحَيِّ خَيالَها حَسْناءُ تَخْلطُ بِالْجَمَالِ دَلالهَا
حدثنا يحيى بن علي عن أبيه عن إبراهيم بن علي بن هشام أن إسحاق كتب إلى إبراهيم بن المهدي بجنس صوت صنعه مجزأ وأجزاء لحنه فغناه إبراهيم من غير أن يسمعه والصوت:
حَيِّيا أُمَّ يَعْمُرٍ قَبْلَ شَحْطٍ مِنَ النَّوِى
فَقُلْتُ لاَ تُعْجِلُو الروَّاحَ فَقالُوا أَلاَ بَلَى
وهذا مما لم يسمع بمثله من فعلهما، والذي فعله إبراهيم بن المهدي أشد وأعجب، واللحن الذي عمله إسحاق في هذا الشعر من الثقيل الثاني وللهذلي فيه لحن في طريقة خفيف الثقيل الأول.
وكان إبراهيم بن المهدي ينسب الثقيل الأول الذي عليه الناس جميعًا إلى الثقيل الثاني، وينسب الثقيل الثاني إلى الثقيل الأول، وتابعه على ذلك عمرو بن بانة، وكان أحد غلمانه.