كان عيسى من أفضل أولاد المتوكل نفسًا وعلمًا وعقلًا وديانة، وكان له درس معروف من القرآن في كل يوم وليلة، لا يخليه ولا يشتغل عنه، وكان يعني بصلاة القيام، حتى يقال إنها ما فاتته قط.
حدثنا إبراهيم بن عبيد الله قال لما أوقع بالمهتدي وجعل في دار سمع ضجة الناس وتكاثرهم، فقال ما هذا؟ قالوا بايع الناس أحمد بن المتوكل. قال ابن فتيان؟ قالوا نعم، قال ويل لهم فهلا أبا عيسى، فإنه كان أقوم بحق الله. وكان أبو عيسى قد سمع حديثًا كثيرًا، وعرف شيئًا من الفقه، وكان يلزمه جماعة من العلماء لا يفارقونه، وله شعر قليل أكثره في الزهد.
[ ١٠٤ ]
أنشدني محمد بن يحيى لأبي عيسى:
فارَقْتُ أُلاَّفِي وَخِلاَّني أَبكاُهُم الدَّهْرُ وَأَبْكاِني
لَمْ يُضِعِ الدَّهْرُ لَهُمْ وَاحِدًا إلاَّ وَلِي مِنْ ذَاكُمُ إثْناِن
حدثنا أحمد بن يزيد قال لما عزم المعتمد على الخروج إلى الشام والموفق إذ ذاك يحارب الخائن بالبصرة، والدنيا مضطربة، أشار عليه أبو عيسى أخوه ألا يفعل، وحرص به، فأبى عليه، فقال أبو عيسى وعمل لحنًا فيه:
أَقُولُ لَهُ عِنْدَ تَوْداعِهِ وَكُلٌّ لِعَبْرَتِهِ مُبْلسُ
لَئِنْ قَعَدَتْ عَنْكَ أَجْسادُنا لَقَدْ رَحَلَتْ مَعَكَ اْلأَنْفُسُ
ومن شعره:
إلَى اللهِ أَشْكُو ما أَرىِ منْ زَماِننا وَكَثْرَةَ ما فِيِه مِنْ الَجْورِ وَالظلُّمْ
وَأَنَّ الَمواِلى قَدْ عَلاهُمْ عَبِيدُهُمْكَما قَدْ تَعالَى الجَهْلُ فِيهِمْ علَىَ الْعِلْمِ
حدثني محمد بن يحيى بن أي عباد قال كان أبو عيسى بن المتوكل يؤثرني ويقدمني، وكنت أحب الاتصال به لفضله ودينه. وكان ربما قال الشعر كالمتفرج لقوله.
وكان قد كتب الحديث وحفظ العلم، وكانت تأتيه من المعتضد بالله فرائض، فكتب إلى كتابًا يقول فيه وقد اتهم بعض جلساء بالسعاية به، ممن كانت لأبي عيسى عنده أياد واصطناع وأنا
[ ١٠٥ ]
وهو كما قال أبو الذوائب مولى بني قيس.
إذا ما وَضَعْتَ العُرْفَ فِي غَيْرِ أَهْلِهِرُزِئْتَ وَلَمْ تْحُمَدْ وَلَمْ تَتَّخِذْ يَدا
وأنشدني محمد بن يحيى لأبي عيسى بن المتوكل:
أُنْظُرْ إلَى الدَّهْرِ فِي تَصْريِف حالَتِهِ فَإنَّهُ ما وَفَي غَدْرًا لإِنْسانِ
فَلا تُمايِلْهُ مُغْتَرًّا بِطاعَتِهِ فَسَوْفَ يُعْقِبُها مِنْهُ بِعِصْيانِ
وَلاَ يَغُرَّنْكَ سُلْطانٌ ظَفِرْتَ بِهِ نُسِبْتَ فِيِه إلىَ ظُلْمٍ وَعُدْوانِ
وَجازِ إحْسانَ مَنْ أَوْلاكَ عارِفَةً بِاُّلْشكِر عَمَّا أَتَى مِنْهُ وَإحْسانِ
قال لي محمد بن يحيى: وأظنه كان يعرض بالموفق في هذا القول وشبهه، ويحضه على ابن المعتمد وتوفيته حقه ومن شعره:
أُذْكُرْ اللهَ بالَّلساِن وَباْلقَل بِ عَلى شِدةٍ وَعنْدَ الرَّخاءِ
وَاعْتَمِدْ شُكْرَهُ عَلىَ كَلُ ِّحالٍ لاَ تَكُونَنَّ كافِرَ النَّعْماءِ
حدثني أبو الحسن أحمد بن محمد الأسدي قال حدثني من سمع أبا عيسى يقول وقد أمر بالركوب ليحدر من سر من رأى:
سَيكُونُ الذَّيِ قُضِى سَخِطَ الْعَبْدُ أَمْ رَضِى
لَيْسَ هَذاَ بِدَائمٍ كُلُّ هَذا سَيَنْقَضِى
وهذان البيتان لابن العتاهية من أبيات
[ ١٠٦ ]