حدثنا عون بن محمد، قال حدثنا سعيد بن هزيم، قال: كانت علية تحب أن تراسل بالأشعار من تخصه، فاختصت خادما يقال له طَلٌّ من خدم الرشيد تراسله بالشعر، فلم تره أياما، فمشت على ميزاب حتى رأته وحدثته، فقالت في ذلك:
قَدْ كانَ ما كلُفِّتْهُ زَمَنًا يا طَلُّ مِنْ وَجْدٍ بِهِمْ يَكْفِي
حَتَّى أَتِيْتُكَ زائِرًا عَجِلًا أَمْشِي عَلَى حَتْفِي إلىَ حتَفْيِ
[ ٥٦ ]
فخلف عليها الرشيد ألا تكلم طلا الخادم، ولا تسمى باسمه، فضمِنت له ذلك، فاستمع عليها يومًا وهي تدرس آخر سورة البقرة، حتى بلغت إلى قوله ﷿ " أَصابَهَا وَابلٌ، فَأتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصبْها وَابِلٌ " وأرادت أن تقول فَطَلٌّ، فلم تلفظ بهذا فقالت فالذي نهانا عنه أمير المؤمنين وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصيِرٌ فدخل فقبل رأسها وقال قد وهبت لك طلا، ولا منعتك بعد هذا من شيء تريدينه.
حدثنا عون قال حدثنا سعيد بن هريم، قال قالت علية للرشيد بعد إيقاعه بالبرامكة: ما رأيت لك يوم سرور تاما منذ قتلت جعفرا فلأي شيء قتلته؟ فقال: يا حياتي لو علمت أن قميصي يعلم السبب الذي قتلت له جعفرا لأحرقته! حدثنا أحمد بن يزيد المهبلي، قال حدثنا حماد بن إسحاق قال كانت علية ابنت المهدي أعف الناس، إذا طهرت لزمت المحراب، وإذا لم تصل غنت، وكانت قليلة الشغف بالشراب.
وكانت تكاتب بالأشعار خادمين يقال لأحدهما رشأ، وتكنى عنه بزينت. وطل وتكنى عنه بظل. فمن شعرها في طل، وكنايتها بطل على أنها جارية.
يا رَبِّ إنِّي قَدْ حَرَضْتُ بِهْجِرها فَإلَيْكَ أَشْكوُ ذاكَ يا رَبَّاهُ
[ ٥٧ ]
مَوْلاةُ سَوْءٍ تَسْتَهينُ بِعَبْدِها نِعْمَ الْغُلامُ وبَئِسَتِ المَوْلاه
ظلٌّ وَلَكنِّي حُرِمْتُ نَعيِمَهُ وَهَواهُ إنْ لَمْ يُغثْنِي اللهُ
حدثنا أحمد بن يزيد المهلبي، قال حدثنا حماد بن إسحاق قال زار الرشيد علية فقال لها: بالله يا أختي غني، فقالت والله لأعملن فيك شعرًا، وأعمل فيه لحنا، فقالت من وقتها:
تَفْدِيكُ أُخْتُكَ قَدْ حَييتُ بِنِعْمَةٍ لسَنْا نَعُدُّ لهَا الزَّمانُ عَديلاَ
إلاَّ الخُلوُدَ وَذاك قُرْبُكَ سَيِّدِي لاَزالَ قُرْبُكَ وَالبَقاءُ طَوِيلاَ
وَحَمِدْتُ رَبيِّ فِي إجابَةِ دَعْوَتي وَرَأَيْتُ حَمْدِي عنْدَ ذاكَ قَلِيلاَ
وعملت فيه لحنا من وقتها، في طريقة الثقيل الثاني