كان عبد الله بن المعتز يحب لقاء أبي العباس أحمد بن يحيى ويعلمه ذلك، وكان أبو العباس أحمد بن يحيى يعتذر إليه في تخلفه عنه بأنه ضعف عن أن يمضي إلى أحد.
فكتب إليه عبد الله يعرفه شوقه إليه، ويصف مقداره في العلم، ويعتذر من ترك إتيانه، لأن الركوب ليس بسائغ له:
ما وَجْدُ صادٍ فِي الِحبِال مُوثَقِ بماءِ مُزْنٍ بارِدٍ مُصَفقِ
بِالرِّيحِ لَمْ يُطْرَقْ وَلمْ يُرَنَّقِ جادَتْ بِهِ أَخْلاَفُ دَجْنٍ مُطْبقِ
[ ١١٤ ]
بِصْخَرةٍ إنْ تَرَ شَمْسًا تَبْرُقِ فَهْوَ عَلَيْها كالزَّجاجِ اْلأَزْرَقِ
صَرِيحِ غَيْثٍ خالِصٍ لَمْ يُمْذَقِ إلاَّ كَوَجْدِيِ بِكَ لَكِنْ أَتَّقِى
يا فاتِحًا لِكُلِّ عِلْمٍ مُغْلَقِ وَصَيْرَفيًّا نِاقدًا لِلْمَنْطِقِ
إنْ قالَ هَذَا بَهْرَجٌ لَمْ يَنْفُقِ إنَّا عَلَى الْعِبادِ واَلتَّفِرُّقِ
لَتَلْقَى بِالذَّكْرِ إِنْ لَمْ نَلْتَق
فكتب إليه أبو العباس يشكره عن قوله، ويقول له أول أبياتك تشبه قول جميل:
فَما صادِياتٌ حُمْنَ يَوْمًا وَلَيْلَةً عَلَى المَاءِ يَغْشَيْنَ العْصِىِ حَوانِي
لَواِثبُ لَمْ يَصْدُرْنَ عَنْهُ لِوِجَهةٍ وَلا هُنَّ مِنْ بَرْدِ الحِياضِ دَوانِي
يَرَيْنَ حَبابَ الماءِ والْمَوْتُ دُونَهُ فَهُنَّ لأَصْواتِ السُّقاةِ رَوانِي
بِأَوْجَدَ مِنِّي عَيْلَ صَبْرٍ وَلَوْعَةً عَلَيْكَ وَلِكنَّ الْعَدُوَّ عَدانِي
وآخر الأبيات يشبه قول رؤبة:
إنِّي وَإنْ لَمْ تَرَنِي فَإنَّنِي أراكَ بِاْلَغْيبِ وَإنْ لَمْ تَرَنَيِ
أخُوكَ وَالرَّاِعِي لِما اسْتَرْعَيْتَنِي
وحدثني بعض أصحابنا قال كنت عند أبي العباس أحمد بن يحيى
[ ١١٥ ]
وحوله جماعة فجاء ابن المعتز يسلم عليه، فقام إليه وأجلسه مكانه، فداس قلما فكسره، فقال على البديهة:
لِكَفَّىَّ وِتْرٌ عِنْدَ رِجْليِ لأَنَّها أبادَتْ قَتيلًا ما لأَعْظُمِهِ جَبْرُ
وكنا يومًا نتغدى مع عبد الله بن المعتز وغلام يذب عنا، فأصابت المذبة رأس رجل على المائدة بالسهو من الغلام، فقال عبد الله من وقته:
قُلْ لِمَنْ ذَبَّ ذُبَّ نَفْسكَ عَنَّا حَسْبُنا مِنكَ أوْ فَحَسَبْكَ منَّا
ودخلت يومًا على عبد الله بن المعتز وقد هدم أكثر داره وهو ينظر إلى الصناع وكيف يبنون قبة له، فكأني أشفقت من الغرم مع قلة الدخل، فأومأت بالقول إلى ذلك، فأنشدني مساعدًا لي:
أَلاَ مَنْ لِنَفْسٍ وَأَشْجانِها وَدارٍ تَداعَتْ بِحيطانِها
أَظَلُّ نَهارِيَ فِي شَمْسِها شَقيًّا لَقِيًّا بِبُنْيِانها
تُسَوِّدُ وَجْهِي بِتَبْيِيِضها وَتُخْرِبُ ماِلي بِعُمْرانِها
وكنا يومًا عنده فقرأ شعرًا رديئًا لمتوج بن محمود بن مروان الأصغر بن أبي الجنوب بن مروان الأكبر، وكان شعرًا رديئًا جدًا، فقال أشبه لكم شعر آل أبي حفصة وتناقضه حالًا بعد حال؟ فقلنا إن شاء الأمير.
فقال كأنه ماء سخن لقليل في قدح، ثم استغنى عنه فكان أيام
[ ١١٦ ]
شعر مروان الأكبر على حرارته، ثم انتهى إلى عبد الله بن السبط وقد برد قليلًا، ثم إلى إدريس بن إدريس وقد زاد برده، وإلى أبي الجنوب كذلك، إلى مروان الأصغر وقد اشتد برده، وإلى أبي هذا متوج وقد ثخن لبرده، وإلى متوج هذا وقد جمد، فلم يبق بعد الجمود شيء.
ودخلنا إليه نهنئه ببرء من علته فأنشدنا لنفسه:
أتاِنَي بُرْءٌ لَمْ أَكُنْ فِيِه طامعًِا كَحَلِّ أسِيرٍ شُدَّ بَعْدَ وَثاقِهِ
فَإنْ كُنْتُ لَمْ أَجْرَعْ مِنَ اَلَموْتِ حَسْوَةًفَأبِّى مَجَحْتُ الْمَوْتَ بَعْدَ مَذَاقِهِ
وكنا نشرب بين يديه فتثاءب بعضنا فقال:
إذا فَتَحَ الْقَوْمُ أَفْواهَهُمْ لِغَيْرِ كَلامٍ وَلا مَطْعَمِ
فَلا خَيْرَ فيِهْم لِشُرْب النَّبِي ذِ وَدَعْهُمْ ينامُوا مَعَ النُّوَّمِ
ومن مختار شعر عبد الله في المديح، على أنه قد مر في المعتمد والمعتضد والمكتفي أشعار جياد، لا حاجة بنا إلى إعادتها:
فَكَّ حَرُّ الْوَجْدِ قَيْدَ الْبُكاءِ فَاعْذُرِينِي أَوْ لا فَمُوتِي بِدائِي
لَوْ أَطَعْنا لِلصَّبِرِ عِنْدَ الرَّزايا ما عَرَفْناه شِدَّةً منْ رَخاءِ
[ ١١٧ ]
أَسْرَعَ الشَّيْبُ مُغْرِيًا لِي بِهَمٍّ كانَ يَدْعُوهُ مِنْ أَحَبِّ الدُّعاءِ
ما لِهذا الَمساءِ لا يَتَجَلَّى حَياءً مِنْهُ سِراجُ السَّماءِ
قَرِّبًا مِنِّي عِقالَ المَطايا وَاحْلُلاَ عَنْها عِقَالَ الثَّواءِ
حُرَّةً يَسْتَرْعُف الَمْرُء مِن ها مَنْسِمًا مُشْعَلًا بِالنَّجاءِ
طَعَنَتْ بِالسَّيْرِ أَحْشاءَ خَرْ - قٍ لَمْ تُمَتَّعْ مَعَهُ بالبقاء
أُنْفِذَتْ فِي لَيْلِ التَّمامِ وَحَنَّتْ كَحَنِينِ للصَّبِّ يَوْم التَّنائِي
وَالدُّجَى قَدْ يَنْهَضُ الصُّبْحُ فِيِه قاِئمًا يَنْشُرَنَّ ثَوْبَ الضِّياءِ
مَنْ لِهَمٍّ قَدْ باتَ يُشْجى فُؤادِي مالَهُ حالَ دَمْعَتِي مِنْ خَفاءِ
إخْوَةٌ لِي قَدْ فَرَّقَتْهُمْ خطُوبٌ عَلَّمِتْ مُقْلَتِي طَوِيلَ الْبُكاءِ
إنْ أَهاجُو بِآلِ أَحْمَدَ حَرْبًا بِبَنِيكُمْ لا تُحْلِبُوا فِي إنِائِي
وَتَحُلُّوا عِقْدَ التَّمَلُّكِ مِنْكُمْ بِأَكُفٍّ قَدْ خُضِّبَتْ بالدِّماءِ
وَخَليِلٍ قد كانَ مَرْعَى اْلأَمانِي وَرضَى النَّفْسِ وَحَسْبُ الإِخاءِ
غَيْرَ أَنَّا مِنَ النَّوِى في افْتِراقٍ وَبلُقْيا ذِكْرنا في الْتِقَاءِ
يَعْرِفُ الَمْعُروفَ طَبْعًا وَيَثْنِي بِيَدِ الجُودِ عَنانَ الثَّناء
[ ١١٨ ]
رُبَّ يَوْمٍ عامر الْكَأْس ظلَنْا نَقْرَعُ الْقَهْوَةَ فِيِه بِماء
وَدجَى لَيْلٍ بَطِيءِ الْحَواشي مُدْنَفِ الرِّيحِ قَصِير الْبَقاء
أَسْقَطَ اْلأَمطارَ حَتَّى تَثَنَّى ال نَّوْرُ وَابْتَلَّ جَناحُ الْهَوَاء
زَمَن مَرَّ بِنا فِي نَعِيمِ وَصَباحٍ غافِلٍ وَمَساء
وقال في المعتضد بالله
سَقْيًا لِمْنَزِلِة الْحَمِى وَكَثيِبِها إذْ لا أَرَى زَمَنًا كَأزْمانِي بِها
إذْ لَمَّنِي رَيَّا السَّواد أَثِنَيتٌه صِرْفٌ وَلَمْ تُمْزَجْ بِلْونِ مَشْيِبها
لَمَّا رَأَيْتَ المُلْكَ شَظَّى عُودُهُ وَهَوتْ كواِكبُ سَعْدِهِ لِغُروبِها
حَرَّكْتَ تَدْبِيرًا عَلَيْهِ سَكِينَةٌ وَخَلَطْتَ ضَحْكَةَ حازِمٍ بِقُطُوبهِا
كَمْ فِتْنةٍ بادَرْتَ مِنْها فُرْصَةً فَحَسَمْتَها وَوَثَبْتَ قَبْلَ وُثوبِها
راعَيْتَ جاِنبَها بِلْحظَةِ حازِمٍ فَطِنٍ بِعَقْرَبِ غِلِّها ودَبِيبِها
كَمْ قَاِئلٍ وَالْهاُم تُنْظَمُ فِي الْقَنا لا يُصْلِحُ الْخَرَزاتِ غَيْرَ ثُقوبِها
لِعَزائِمٍ أَغْمَدْتَها فِي صَمْتِهِ لا تَكْشِفُ اْلأَوْهامُ سِتْرَ غُيوبِها
[ ١١٩ ]
وَلَرْبَّ سَمْعٍ قَدْ قَرَعْتَ بُحجَّةٍ هَذَّبْتَها مَنْ شَكِّها وَعُيوبِها
أَثْنَى عَلَيْها بِالسَّدادِ حَسُودُها وَقَضَى عَلَيْها خَصْمُها بِوُجُوبها
وقال
يا رُبَّ إخْوانٍ صَحِبْتُهُمُ لا يِمَلْكُون لِسَلْوةٍ قَلْبَا
لَوْ تَسْتِطيعُ نُفُوسهم فَقْدَتْ أَجْسادَهُمْ وَتَعانَقَتْ حُبَّا
وقال
رَبِّ أَسْتَبْقيكَ نَفْسَ ابْنِ وَهْبٍ وَسَمِيعًا قَدْ دَعَوْتُ مُجِيَبا
رُبَّ لَيْلٍ نِمْتُهُ وَابْنُ وَهْبٍ ساِهرٌ يَطْرُدُ عَنِّي الخُطُوبا
وقال
وَحُلِوْ الدَّلاِل مَليِحِ الْغَضَبْ يَشُوب مَواعيَدهُ بالْكَذِبْ
قَصِيِر الْوَفاِء لأَصحابِهِ فَهُمْ مِنْ تَلَوُّنِهِ فِي تَعَبْ
سَقَانِي وَقَدْ سُلَّ َسَيْفُ الصَّبا حِ وَاللَّيْلُ مِنْ خَوْفِهِ قَدْ ذَهَبْ
عُقارًا إذا ما جَلَتْها السُّقَا ةُ أَلْبَسَها المَاُء تاجَ الحَبَبْ
وَأَصْلَحَ بَيْنِي وَبَيْنَ الزَّما نِ وَأَبْدَلَنِي باْلهُمُومِ الطَّرَبْ
وَما الْعَيْشُ إلاَّ لِمُسْتَهْتر تَظَلُّ عَوَاذلُهُ فِي شَغَبْ
[ ١٢٠ ]
يَهيمُ إلَى كلِّ ما يَشْتَهِي وَإنْ رَدَّهُ الْعَذْلُ لَمْ يَنْجَذِبْ
وَيْسْخُو بِمَا قَدْ حَوَتْ كَفُّهُ وَلاَ يُتْبِعُ المَنَّ ما قَدْ وَهَبْ
فَكَمْ فِضَّةٍ فَضَّها فِي سُرُو ر يَوْمٍ وَكَمْ ذَهَبٍ قَدْ ذَهَبْ
وَلاَ صَيْدَ إلاَّ بِوَثَّابةٍ تَطِيرُ عَلَى أَرْبَعٍ كالْعَذَبْ
وَإنْ أُطْلِقَتْ مِنْ قِلادَتِها وَطاَر الْغُبارُ وَجَدَّ الطَّلَبْ
فَزَوْبَعَةٌ مِنْ بَناتِ الرَّيا حِ تُريكَ عَلىَ اْلأَرْضِ شَدًّا عَجَبْ
تَضُمَّ الطَّرِيدَ إلَى نَحْرِها كَضَمَّ المُحِبِةَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ
أَلاَ رُبَّ يَوْمٍ لها لاَ يُذَ مُّ أَراقَتْ دَمًا وَأَغابَتْ سَغَبْ
إذا ما رَأَى عَدْوَها خَلْفُه تَنَاجَتْ ضَمائُرهُ بِالْعَطَبْ
لهَا مَجْلِسٌ فِيَ مكِان الرَّدِي فِ كَترُكيَّةٍ سَبْيهُا للْعِرَبْ
ومَقْلْتَهُا سائلٌ كُحْلُها وَقَدْ جُلَّيِتْ سَبَجًا فِي ذَهَبْ
وَظَلَّتْ لُحُومُ ظِباءِ الْفَلاَ عَلَى الَجْمرِ مُعْجَلَةً تَلْتَهبْ
وَطافَتْ سَعاتُهُمْ يَمْزِجُو نَ بِماءِ الْغَدِيِر بَناِت الْعِنَبْ
وَحَثُّوا النَّدامَى بِمَشْمُولَةٍ إذا شارِبٌ عَبَّ فيِها قَطَبْ
[ ١٢١ ]
فَراحُوا نَشاوَى بِأَيْدِي المُدا مِ وَقَدْ نَشِطُوا مِنْ عِقالِ التَّعَبْ
إلىَ مَجْلِسٍ أَرْضُهُ نَرْجِسٌ وَأَزيارُ عِيدانِهِ تَصْطَخِبْ
وَحِيطانُهُ خَرْطُ كافُورَةٍ وَأَعْلاهُ مِنْ ذَهَبِ يَلْتَهِبْ
فَيا حُسْنَهُ بِإمامِ الْهُدَى وَخَيِرْ الخَلائِفِ نَفْسًا وَأَبّ
لَهْ راحَةٌ ما لَها راحَةٌ تَرَى جَدَّ نائِلِها كاللَّعِبْ
وَأَهْيَبُ ما كانَ عِنْدَ الرِّضا وَأَرْحَمُ ما كانَ عِنْدَ الْغَضَبْ
وَكَمْ قَدْ عَفا وَأَقرَّ الْحَيا ةَ فِي آيِس قَلْبُه يَضْطَرِبْ
عَلَى طَرَفِ الْعِيِس قَدْ حَدَّقَتْ إِلَيْهِ المَنايا وَكادَتْ تَثِبْ
وَما زالَ مُذْ كانَ فِي مَهْدِهِ مَليًّا خَلِيقًا بِأَعلا الرُّتبُ
كَأَنَّا نَرى الْغَيْبَ فِي أَمِرِه بِأَعْيُنِ ظَنِّ لنَا لَمْ تَخِبْ
وَنَسْتَرْزِقُ اللهَ تَمْلِيَكهُ وَنَسْتَعْجِلُ الدَّهْرَ فِيما نُحِبّْ
وَيَبْدُو لنَا فِي المَنامِ الخَيا لُ بِما نَشْتَهِيِه فَتُنْفَى الْكُرَبْ
بِشَارَةُ رَبِّ لنَا بُلِّغَتْ وَكَانَتْ لِتَعْجِيِل شُكْرٍ سَبَبْ
إلىَ أَنْ دَعْتُه إلىَ بَيْعَةٍ فَكَمْ عِتْقِ رِقٍّ وَنَذْرٍ وَجَبْ
وَرِثْتَ الخِلاَفَةَ عَنْ وَالِدٍ فَأَحْرَزْتَ مِيرَاثَهُ عَنْ كَثَبْ
[ ١٢٢ ]
وَلْم تَحْوِها دُونَ مُسْتَوِجَبٍ وَلا صادَها لَكَ سَهْمٌ غَرَبْ
فَلا زِلْتَ تَبْقَى وَتُوقَى لنَا خُطوبَ الزَّمانِ وَصَرْفَ النُّوبْ
وقال في المعتضد بالله
عَرَفَ الدَّارَ فَحَيَّا وَنَاحَا بَعْدَ ما كانَ صَحَا وَاسْتَرَاحا
ظَلَّ يَلْحَاهُ الْعَذولُ وَيَابَى فِي عِنانِ الْعَذْلِ إلاَّ جِماحَا
عَلِّمُونِي كَيْفَ أَسْلوُ وَإِلاَّ فَخُدُوا عَنْ مُقْلَتَيَّ الملاَحَا
مَنْ رَأَى بَرْقًا يُضيء الْتَماحا ثَقَبَ اللَّيْلُ سَناهُ فَلاَحَا
وَكَأَنَّ الْبَرْقَ مُصْحَفُ قارِى فانْطبِاقًا مَرَّةً وَانْفِتاحا
فِي رُكامٍ ضَاقَ بالمَاءِ ذَرْعًا حَيْثُما مالَتْ بِهِ الرَّيحُ ساحَا
لَمْ يَزَلْ يَلْمَعُ باللَّيْلِ حَتَّى خِلْتُهُ نَبَّهَ فيه صَبَاحا
وَكَأَنَّ الرَّعْدَ فَحْلُ لِقاحٍ كُلَّمَا يُعْجِبُه الْبَرْقُ صَاحَا
لَمْ يَدَعْ أَرْضًا مِنَ المَحْلِ إلاَّ جادَ أوْ مَدَّ عَلَيْهَا جَناحا
وَسَقَى أَطْلالَ هِنْدٍ فَأَضْحَتْ يَمْرَحُ الْقَطْرُ عَلَيْهَا مِراحَا
دِيَمًا فِي كُلِّ يَوْمٍ وَوَبْلًا وَاغْتبَاقا للنَّدَى وَاصْطِباحا
[ ١٢٣ ]
كُلُّ مَنْ يَنْأَى مِنْ النَّاسِ عَنْهَا فَهُو يَرْتاحُ إليِهْا إرْتيِاحَا
لاَ أَرَى مْثلَكِ ما عِشْتُ دارًا رَبْوَةً مُخْضَرَّةٍ أَو بِطاحَا
لَوْ حَللَنْا وَسْطَ جَنَّةِ عَدْنٍ لاَقْتَرَحْناكِ عَلَيْها إقْتِراحَا
وَإذا ما ذَرَّتِ الشَّمْسُ فِيهَا فَتَّحَتْ أَعْيُنَ رَوْضٍ مِلاحَا
فيِ ثَرًى كَاْلِمسكِ شِيِبَ بِراحٍ كُلَّمَا أَنْبَتَهُ الْقَطْرُ لاَحَا
جُمِّعَ الحَقَّ لَنَا فِي إمامِ قَتَلَ الْبُخْلَ وَأَحْيا السَّمِاحَا
إنْ عَفَا لَمْ يُلْغِ للهِ حَقَّا أَوْ سَطا لَمْ نَخْشَ مِنْهُ جُناحا
أَلِفَ الَهْيجاءَ طِفْلًا وَكَهْلًا نَحْسَبُ السَّيْفَ عَلَيْهِ وِشاحَا
وَلهُ مِنْ رَأْيِهِ عَزَماتٌ وَصَلَ اللهُ ضِمنَهُنَّ نَجاحا
يَجْعَلُ الجَيْشَ إذا صارَ ذَيْلًا جُرْأَةً فِيِه وَبَأْسًا صُراحا
فَرِحَ اْلأَعْداءُ بِاِّلسِّلْمِ مِنْهُ وَهْوَ فِي السِّلْمِ يُعدُّ السِّلاحا
فَرَّقَتْ أَيْدِيِهمُ المَالَ كَرْهًا وَلَقَدْ كَانُوا عَلَيْها شِحاحا
خاطَ أَفْواهَهَمْ وَقَدِيمًا مَزَّقُوهًا ضَحِكًا وَمِزاحا
وَوَعَوْا شَكْوَى إلَيْهِ وَكانُوا مَلأُوا دُورَ المُلُوكِ نُباحا
أَيْقَنُوا مِنْهُ بِحَرْبٍ عَوانٍ وَرجالٍ يُخَضِّبونَ الرِّماحا
[ ١٢٤ ]
وَبِخَيْلٍ تَأْكُلُ اْلأَرْضَ شَدًّا مُلْجَماتٍ يَبْتَدِرْنَ الصِّياحا
قاصِداتٍ كُلَّ شَرْقٍ وَغَرْبٍ ناِطقاتٍ بِالصَّهِيلِ فِصاحا
حَمَلَتْ أُسْدًا مِنَ النَّاسِ غُلْبًا وَكِباشًا لا تَمَلُّ النِّطاحا
إنْ أَغِبْ عَنْكَ فَما غابَ شُكْرٌ دَعْوَةً جاهِدَةً وَامْتِداحا
يا أَمِينَ اللهِ أَيَّدْتَ مُلْكًا كانَ مِنْ قَبْلِكَ نَهْبًا مُباحا