ربما أورد الطمع ولم يصدر، ووعد ولم يوف. ومن تجاوز الكفاف لم يغنه إكثاره، ومن ارتحله الحرص أنضاه الطلب. والأماني تعمى الأبصار والبصائر، والحظ يأتي من لا يأتيه، وربما طاب وعاء حشوه المتألف، وأشقى الناس جسم تعب، ونفس خائفة، ودين يتثلم، ولئن كان البحر كثير الماء إنه لبعيد المهوى، ومن شارك السلطان في عز الدنيا قاربه في ذل الآخرة، كما أن أقرب الأشياء إلى النار أسرعها احتراقا. وما أحلى تلقى النعمة وأمر عاقبة الفراق. ولا يدرك الغنى بالسلطان لا سيما في
[ ٢٨٧ ]
هذا الزمان، المتلون الأخلاق المتداعي البنيان، الموقظ للشر، المنيم للخير، المطلق أعنة الظلم، والحابس لروح العدل، القريب الأخذ من الاعطاء، والكابة من البهجة، والقطوب من البشر، والذل من العز، والفقر من الوجود. المر الثمرة، البعيد المجتنى، القابض على النفوس بكربه، المنحى على الأجسام بغربه. لا ينطق إلا بالشكوى ولا يسكت إلا على بلوى، ومن لم يتأمل الأمر بعين عقله، لم يقع سيف حينه إلا على مقاتله، والتثبت طريق الرأي إلى الإصابة، والاعتذار طريق المذنب إلى الإنابة، والعجلة تضمن العبرة وتجلب الحسرة، وما أحب أن أصرف عنك خطأ توثره، ولكني قدمت مالا أستجيز تأخيره من النصيحة لك والمشورة عليك.