حدثنا مسبح بن حاتم العكلي قال حدثنا إبراهيم بن محمد قال انتهى جمال ولد الخلافة إلى أولاد الرشيد، وكان فيهم الأمين وأبو عيسى، لم ير الناس أجمل منهما قط. قال وكان أبو عيسى إذا عزم على الركوب جلس له الناس حتى يروه أكثر مما يجلسون للخلفاء.
حدثنا عون بن محمد الكندي قال حدثنا أبو غالب محمد بن سيعد الصغدي قال جلس أبو عيسى بن الرشيد وطاهر بن الحسين يتغذيان مع المأمون، فأخذ أبو عيسى خلا بأصبعه فأرسله إلى عين طاهر، فغضب طاهر وقال: ليس لي إلا عين واحدة يتولع بي فيها فسكن المأمون منه، وقال إنه يمزح معك مزح الإخوة.
قال وهو القائل في الأمين لما قتل، وكان الأمين يكنى بأبي موسى وبأبي عبد الله جميعًا:
يا أَبا مُوسَى وَعَبْدَ اللهِ قَدْ غاَلتْكَ غُولُ
لَسْتُ أَدْرِي كَيْفَ أَرْ ثِيكَ وَلاَ كَيْفَ أَقُولُ
لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أُسَمِّي كَ قَتِيلًا يا قَتِيلُ
وهو القائل وأنشدني الناس له:
أَسْهَرَنِي ثُمَّ رَقَدْ وَمارَثَى لِي مِنْ كَمَدْ
[ ٨٨ ]
ظَبْيٌ إذا زِدْتُ هَوًى وَذلَّةً تاهَ وَصَدّْ
وَاعَطَشِى إلىَ فَمٍ يَمُجُّ خَمْرًا منْ بَرِدْ
حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن المهدي قال سمعت هبة بن إبراهيم ابن المهدي يقول سمعت أبي يقول للمأمون: أحب المحاسن كلها لك، حتى لو أمكنني أن أجعل وجه أبي عيسى لك لفعلت.
حدثنا الغلابي قال حدثنا إسحاق بن عيسى قال كان طاهر يعادي أبا عيسى بن الرشيد، ولم يكن له حيلة فيه، لمكانته من المأمون، وكان أبو عيسى يهجوه ويفخر عليه، فمن شعر أبي عيسى فيه:
إنِّي امْرُؤٌ مِنْ بَنِي الْعَبَّاِس قَدْ عَلُمِواعَمِّ النَّبِيِّ الذَّيِ يُسْقَى بِهِ المَطَرُ
مِنَّا نَبِيُّ الهُدَى وَاللهُ فَضَّلَهُ ما فيِ اْلأَنامِ لَهْ عِدْلٌ وَلاَ خَطَرُ
مِنَّا الشَّهِيدُ بِبَطْنِ الِجْسْرِ قَدْ عَلِمُواوَجَعْفَرٌ وَعَلُّى الْخَيْرِ إنْ ذَكَرُوا
وَما نَسِيتُ أَبا الْعَبَّاسِ خَيْرَهُمُخَيْرَ الْبَرِيَّةِ قَدْ خُطَّتْ بِهِ الزُّبُرُ
وَاذْكُرْ عَلِيًّا ولا تَنْسَ الشَّبِيهَ لَهُمُحَمَّدًا فِيهِ قَدْ شُدَّتْ لَهُ اِلمَررُ
وَدَبَّرَ اْلأَمْرَ إِبْراِهيمُ مُتَّسِعًا وَمَدَّ فِيِه يَدًا ما شَانَها قَصرُ
وَسَبْعةٌ خُلَفاُء الله بَعْدَهُمُ أَئَّمةٌ لَمْ تَشِبْ صَفْوًا لَهُمْ كُدَرُ
فَكَيْفَ أَجْعل كَلْبًا نابِحًا أَثَرِى قَدْ شاَنهُ عَوَرُ اْلأَفْعاِل وَالْعَوَرُ
مَنْ طاِهرٌ وَحُسَيْن جُذَّ أَصْلُهُما لَوْلا اْلإمامُ وَأَمَرٌ جَرَّهُ الْقَدَرُ
[ ٨٩ ]
حدثنا أبو أيوب سليمان بن داود المهلبي قال حدثني القاسم بن محمد ابن عباد عن أبيه قال كان المأمون أشد الناس حبًا لأخيه أبي عيسى وكان يعده للأمر بعده، ويذاكرني ذلك كثيرًا، وسمعته يومًا يقول إنه ليسهل على أمر اَلموت وفقد اَلملك، وما يسهل شيء منهما على أحد، أن يلي الأمر بعدي أبو عيسى لشدة محبتي لذلك.
حدثنا أبو العيناء محمد بن القاسم قال حدثنا محمد بن عباد المهلبي قال لما مات أبو عيسى بن الرشيد دخلت إلى المأمون وعلى عمامتي فخلعت عمامتي، ونبذتها ورائي، والخلفاء لا تعزي في العمائم، ودنوت فقال لي يا محمد حال القدر، دون الوطر فقلت يا أمير المؤمنين كل مصيبة أخطأتك شوًى، فجعل الله الحزن لك لا عليك.
حدثنا عبد الله بن المعتز قال كان أبو عيسى بن الرشيد أديبًا ظريفًا، وكان إذا عمل بيتين وثلاثة وجودها وملحها، فن شعره:
لسانِي كَتُومٌ لأَسْراِرِهمْ وَدَمْعِي نَمومٌ بِسرِّي مُذِيعُ
فَلَوْلاَ دُموِعي كَتَمْتُ الَهَوى وَلَوْلاَ الهَوَى لَمْ تْكُنْ لِي دُموعُ
حدثنا ابن فهم قال حدثنا جعفر بن علي بن الرشيد أن المأمون أفطر في يوم شك، وأمر القواد بالإفطار، فكتب إبراهيم بن المهدي إلى أبي عيسى وقد حصل له عنده خمسا من حذاق المغنيات:
قَدْ تَغَذَّى المِلَكُ الْ مأْمُونُ مِنْ قَبْلِ الزَّواِل
وَدَعَا بِالرَّاح إذْ صَحَّ لَهُ فَقْدُ الهِلالِ
[ ٩٠ ]
وَعَلَىَّ لَكَ خَمْسٌ مِنْ مَصاِبيِح الضلالِ
فَاسْعَ بِاللهِ إلىَ عَمِّكَ مِنْ غْيِر مِطَالِ
فكتب إليه أبو عيسى:
لَسْتُ مِمَّنْ يَمْزجُ الْوَعْدَ بِتَكْدِيِر المَقالِ
وَاحتِبِاسِي بَعْدَ مَا عَرَّفْتنِي عَيْنُ الضَّلالِ
وَخِلافِي لَكَ ياعَ مُّ مِنَ الشَّيْءِ المُحالِ
وَلَقَدْ أَقْبَلْتُ وَأَغْ رَبْتُ فُنونَ اْلاْعتِلالِ
وَعَلَىَّ اللهَ أَنْ أُتْبِعَ قَوْلًا بِفَعالِ
أَنْتَ يا عَمِّ هِلالٌ لِي إلى وَقْت الهِلالِ
حدثنا يعقوب بن بيان قال حدثنا علي بن الحسين الإسكافي، قال كنت عند أبي الصقر وعنده عريب، وكانت تجلس على كرسي كالسرير وما كانت تقوم لصلاة، فسألتها عن نفسها، فقالت أنا ابنت جعفر بن يحيى اشترى أمي في آخر أيامه، فعتبت عليه أمه في ذلك، فنقلها إلى دار امرأة كالظئر للبرامكة، فولدتني عندها، وماتت أمي وحدث بالبرامكة ما حدث، فباعتني المرأة التي كنت عندها وأنا صغيرة، وسمعتها تقول انتهى جمال أولاد الخلفاء من بني العباس إلى ولد الرشيد: محمد الأمين وأبي عيسى، ما رأى الناس مثلها قط، وكان
[ ٩١ ]
المعتز في طرزهما.
حدثنا يعقوب بن بيان الكاتب قال سمعت علي بن الحسين يقول سمعت عريب تقول: وقد غنى أبو العبيس في غنائك شبابة من غناء أبي عيسى بن الرشيد، وما سمعت قط أحسن غناء منه، ولا رأيت أحسن وجها.
حدثني أحمد بن يزيد بي محمد قال حدثني أبو عبد الله الهاشمي قال من غناء أبي عيسى بن الرشيد في شعره:
رَقَدَتْ عَنْكَ سَلْوَتي وَالْهَوَى لَيْس يَرْقُدُ
وَأَطالَ السُّهادُ نَوْ مِي فَنَوْمِي مُشَرَّدُ
أَنْتَ بِاْلحُسْنِ مُفْرَدٌ احْسُرِ الْوَجْهَ نَسْعَدُ
وَفُؤادِي بِحُسْنِ وج هِكَ يَشْقَى وَيُكْمَدُ
قال ومن غنائه في شعر غيره في طريقة الثقيل:
إذا سَلَكَتْ عِيرُ ذِي كِنْدَةٍ مَعَ الصُّبْحِ قَصْدًا لهَا الْفَرْقَدُ
هُنالِكَ إمَّا تُسَلَّى الْهَوَى وَإمَّا عَلَى إِثْرِهِمْ تُكْمَدُ
ومن غنائه في شعر جرير في طريقة الرمل الثاني:
حَيِّ الْهِدَمْلَةَ مِنْ ذاتِ الَمواعِيِس فَالْحِنْو أَصْبَحَ قَفْرًا غَيْرَ مَأْنُوسِ
[ ٩٢ ]
وغنى في شعر الأخطل في طريقة الثقيل الأول:
إذا ما نَدِيمِي عَلَّنِي ثُمَّ عَلَّنِي ثَلاثَ زُجاجاتٍ لَهُنَّ هَدِيرُ
خَرَجْتُ أُجُرُّ الذَّيَل مِنِّي كَأَنَّنِي عَلَيْكَ أَمِيرَ الُمْؤمِنِينَ أَمِيرُ
حدثنا الغلابي قال حدثنا يعقوب بن جعفر قال قال الرشد لأبي عيسى ابنه وهو صبي ليت جمالك لعبد الله يغنى المأمون، فقال له وهو صغير على أن حظه منك لي فعجب من جوابه على صباه وضمه إليه وقبله.
حدثنا الحسين بن فهم، قال لما قال أبو عيسى بن الرشيد:
دَهانِي شَهْرُ الصَّوْمِ لا كَانَ منْ شَهْرِوَلا صُمْتُ شَهْرًا بَعْدَهُ آخِرَ الدَّهْرِ
وَلَوْ كانَ يَعْديِنِي اْلإمام بِقَدْرِهِعَلَى الشَّهْرِ لاسْتَعْدَيْتَ جَهْدِي عَلَى الشَّهْرِ
فناله بعقب هذا صرع، فكان يصرع في اليوم مرات إلى أن مات ولم يبلغ شهرا مثله.
حدثني عبد الله بن المعتز قال كان سبب موت أبي عيسى بن الرشيد أنه كان يحب صيد الخنازير، فوقع من دابته، فلم يسلم دماغه، فكان يختبط في اليوم مرات إلى أن مات.
[ ٩٣ ]
حدثنا عون بن محمد قال سمعت هبة الله يقول مات أبو عيسى ابن الرشيد سنة تسع ومائتين، وصلى عليه المأمون، ونزل في قبره وامتنع من الطعام أياما حتى خاف أن يضر ذلك به.