وقد أعمى التعصب الديني بعض المستشرقين (أ) فذهب المستشرق الفرنسي كليمان هيوار (١٨٥٤ - ١٩٢٧) إلى أن شعر أمية كان من مصادر القرآن، وأن الرسول ألف القرآن متأثرًا فيما تأثر به بثقافات أمية الدينية في شعره، وهو رأي باعثه التعصب الممقوت.
(ب) وذهب المستشرق الألماني (شولتهيس) إلى أن الأمية منهجًا مستقلًا، ومن ثم أخذ يوازن بين القرآن وشعر أمية وذهب في خطأ جسيم إلى أن أمية كان أدق في كثير من الأحيان في النقل عن الكتب القديمة وأنه كان أعلم وأبعد مدى في الثقافة من محمد وأن المصدر الذي نقل عنه كل منهما واحد، وينكر رأي هيوار في أي شعر أمية كان من مصادر القرآن، ويرى أن القرآن كتاب محمد.
وجاء في دائرة المعارف الإسلامية: أن القصائد والمقطوعات التي وصلت إلينا منسوبة إلى أمية، يمكن قسمتها بحسب موضوعها قسمين كبيرين، أصغرهما يتكون من قصائد وأبيات قيلت في مدح أشخاص وبخاصة في مدح رجل من أغنياء مكة هو عبد الله بن جدعان، وهي لا تختلف في جوهرها عن نظائرها عند غيره من شعراء العرب القدماء، أما القسم الأكبر الذي يبدأ بالقصيدة الثالثة والعشرين، فبدل دلالة كاملة على النزعة التي يمكن تسميتها بالحنيفية، وأساسها القول بإله واحد هو رب العباد، ونرى فيها صورًا شبيهة بالوحي عن مقام الله وملائكته، وحكايات عن الخلق وآراء تتعلق بيوم القيامة والجنة والنار، وفيها دعوة إلى عمل الخير، وإشارات إلى عبر أخذ بعضها من أخبار العرب من عاد وثمود، وبعضها من قصص التوراة عن الطوفان وإبراهيم ولوط وفرعون. وابن أبي الصلت مولع إلى جانب هذا بقص الحكايات على ألسنة الحيوان. ونلاحظ في شعره أيضًا ذكرًا للأعمال السحرية.. ومن قصته عن إبراهيم:
ولإبراهيم الموفى بالنذر احتسابا وحامل الأجزال
يكره لم يكن ليصبر عنه أو يراه في معشر أقتال
ومن يقرأ هذه القصة وما شابهها في القرآن الكريم يعلم صحة ما نقول من أن أمية في هذا الباب متكلف متصنع، محاك لم يحكم المحاكاة، بل إنه نظام وليس بشاعر، وهذا لا يخليه من بعض أبيات كان له فيها بعض الإجادة في هذا الباب.
[ ١٠٠ ]
وقال ابن سلام فيه: وكان أمية كثير العجائب، يذكر في شعره خلق السموات والأرض ويذكر الملائكة، ويذكر من ذلك ما لم يذكره أحد من الشعراء. وقال أبو عبيدة: "اتفقت العرب على أن أشعر أهل المدن أهل يثرب، ثم عبد القيس، ثم ثقيف، وأن أشعر ثقيف أمية بن أبي الصلت". وقال الكميت: "أمية أشعر الناس، كما قلنا ولم نقل كما قال". وقال الأصمعي: "ذهب أمية بعامة ذكر الآخرة وذهب عنترة بعامة ذكر الحرب، وذهب عمر بن أبي ربيعة بعامة ذكر الشباب".
ونقول: تلك آراء العلماء في شعر أمية، ولكن ما بين أيدينا من شعره لا ينزله هذه المنزلة، فلعل كثيرًا من شعره الجيد قد ذهب مع الزمان.
وقال أبو الفرج في أغانيه: "كان أمية بن أبي الصلت في نظر في الكتب وقرأها، ولبس المسوح تعبدا، وكان ممن ذكر إبراهيم وإسماعيل والحنفية وحرم الخمر، وشك في الأوثان، وكان محققا. والتمس الدين، وطمع في النبوة، لأنه قرأ في الكتب أن نبيا يبعث من العرب فكان يرجو أن يكون هو، فلما بعث النبي ﷺ قيل له: هذا الذي كنت تستريث وتقول فيه فحسده عدو الله وقال إنما كنت أرجو أن أكونه فأنزل الله ﷿ "واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها".
وهو الذي يقول:
كل دين يوم القيامة عند الل هـ إلا دين الحنيفة زور
فأنت ترى من هذا أنه كان متألهًا يعبد الله على دين إبراهيم، ويتوقع أن يكون هو صاحب الرسالة الذي بشرت به الكتب التي عكف عليها بالدرس. فلما لم يكن ما خط في سجل القدر موافقا لما وقر في نفسه، غلب جهله على حلمه، وسيطر حسده على فكره، فلم يؤمن بالنبي ﵇، ولم ينهل من حياض شريعته. قال ابن عتيبة في طبقات الشعراء: "وكان أمية يخبر أن نبيا يخرج قد أظل زمانه، وكان يؤمل أن يكون ذلك النبي، فلما بلغه خروج النبي ﷺ كفر به جسدا". ولما بلغه خبر وقعة بدر والذين قتلوا بها من ذوي قرابته قال قصيدته التي يرثي فيها من قتل من قريش ويحرضهم على أخذ الثأر:
ألا بكيت على الكرا م بني الكرام أولى الممادح
كبكا الحمام على فرو ع الأيك في الغصن الجوانح
ثم أخذ يفيض في وصف قتلى بدر حتى لم يدع مكرمة إلا ألصقها بهم إلى أن قال:
خذلتهم فئة وهم يحمون عورات الفضائح
الضاربين التقدمية بالمهندة الصفائح
قال ابن هشام بعد رواية هذه القصيدة: "تركنا منها بيتين نال فيهما من أصحاب الرسول". وجاء في دائرة المعارف الإسلامية: "والأخبار مختلفة في موقفه بالنسبة للنبي وللإسلام، ولعل الأرجدح أنه لم يلق النبي وأبى أن يصدق بدعوته، يؤيد هذا ما يتجلى في قصيدته المذكورة من عطف على قريش.. وأيًا ما كان من شأن هذه الروايات فقد اتفقت جميعًا على أنه مات كافرًا ولم يؤمن بالنبي ﵇، روى صاحب الأغاني بسنده قال: "لما أنشد النبي ﷺ قول أمية:
الحمد لله ممسانا ومصبحنا بالخير صبحنا ربى ومسانا
رب الحنيفة لم تنفد خزائنه مملوءة بطبق الآفاق سلطانا
ألاني لنا منا فيخبرنا ما بعد غايتنا من رأس مجرانا
إلى أن قال:
يا رب لا تجعلني كافر أبدا واجعل سريرة قلبي الدهر إيمانا
واخلط به بنيتي واخلط به بشري واللحم والدم ما عمرت إنسانا
فقال ﷺ "آمن شعره وكفر قلبه". ولولا ما نعرف من غلبة الكذب على كثير من الشعراء لقلنا إن هذه الأبيات منحولة على أمية كما نحل الكثير غيرها ولكنا قد تعودنا من الشعراء غير ذلك، فلا بعد في أن تكون من شعره. ولقائل أن يقول إن هذه القصيدة قيلت قبل مبعث النبي ﵇، وقد اتفق الرواة كما قدمنا على أنه كان موحدا حنيفيًا، فلم نشك في نسبتها إليه؟.