أقبل قوم من أهل اليمن يريدون النبي ﷺ فضلوا الطريق ووقعوا على غيرهما ومكثوا ثلاثًا لا يجدون الماء، ثم أقبل راكب فسمع بعضهم ينشد:
ولما رأت أن الشريعة همها وأن البياض من فرائصها دامي
تيممت العين التي عند ضارج يفيء عليها الظل عرمضها طامي
فقال: من يقول هذا؟ قيل امرؤ القيس. قال: والله ما كذب هذا عارض عندكم. وأشار لهم إليه فوصلوه فإذا ماء عذب وإذا عليه العرمض والظل يفيء عليه فشربوا منه وحملوا ولما أتوا النبي قالوا يا رسول الله أحيانا الله ﷿ ببيتين من شعر امرئ القيس وأنشدوهما. فقال ﷺ: "ذلك رجل مذكور في الدنيا شريف فيها متسي في الآخرة خامل فيها يجيء يوم القيامة معه لواء الشعر إلى النار".
وسأل العباس بن عبد المطلب عمر بن الخطاب عن الشعراء، فقال امرؤ القيس سابقهم خسف لهم عين الشعر فافتقر من معان عور أصح بصر.
وقال علي بن أبي طالب: "رأيت امرأ القيس أحسن الشعراء نادرة وأسبقهم بادرة وأنه لم يقل لرغبة ولا رهبة".
ومر لبيد بالكوفة على مجلس وهو يتوكأ على محجن له فسألوه عن أشعر العرب فقال: الملك الضليل ذو القروح.
وسئل جرير رأيه في امرئ القيس فقال: "اتخذ الخبيث الشعر نعلين"، وهذا رأي يمثل اقتدار امرئ القيس على الشعر وشدة تمكنه منه.
وقيل للفرزدق من أشعر الناس يا أبا فراس؟ فقال: ذو القروح. قيل حين يقول ماذا؟ قال: حين يقول:
وقاهم جدهم ببني أبيهم وبالأشقين ما كان العقاب
وقال ابن يحيى: سمعت من لا أحصى من الرواة يقولون: "أحسن الناس ابتداء في الجاهلية امرؤ القيس حيث يقول: "ألا عم صباحًا أيها الطلل البالي"؛ وحيث يقول: "قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل"؛ وفي الإسلام القطامى حيث يقول: "إنا محيوك فاسلم أيها الطلل"؛ ومن المحدثين بشار حيث يقول:
أبى طلل بالجزع أن يتكلما وماذا عليه لو أجاب متيما
وقال بشار: لم أزل منذ سمعت قول امرئ القيس في تشبيهه بشيئين في بيت واحد حيث يقول:
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا لدى وكرها العناب والحشف البالي
أعمل نفسي في تشبيه شيئين بشيئين في بيت واحد حتى قلت:
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
وكان أبو عبيد الله بن محمد بن صفوان الجمحي يقول: أنسب بيت قالته العرب قول امرئ القيس:
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي بسهميك في أعشار قلب مقتل
[ ٧ ]
وقال حماد بن إسحق قال لي أبو ربيعة لو لم تكن هذه القصيدة "بزينب ألمم" لنصيب؛ شعر من كانت تشبه؟ قلت: شعر امرئ القيس "لأنها جزلة الكلام جيدة. فقال: سبحان الله قلت: ما شأنك؟ قال: سألت أباك عن هذا فقال لي مثل ما قلت" فعجبت من اتفاقكما.
وفي أسطورة أدبية رواها صاحب الجمهرة سئل جني من أشعر العرب؟ فقال:
ذهب ابن حجر بالقريض وقوله ولقد أجاب فما يعاب زياد
ويقول الآمدي: "وفضل امرؤ القيس لأن الذي في شعره من دقيق المعاني وبديع الوصف ولطيف التشبيه وبديع الحكمة؛ فوق ما استعار سائر الشعراء منه في الجاهلية والإسلام. ولولا لطيف المعاني واجتهاد امرئ القيس فيها وإقباله عليها لما تقدم على غيره ولكان كسائر شعراء أهل زمانه. ألا ترى أن العلماء بالشعر إنما احتجوا في تقديمه بأن قالوا هو أول من شبه الخيل بالعصا وذكر الوحش والطير وأول من قال قيد الأوابد الخ. فهل هذا التقديم إلا لأجل معانيه.
ومن آثار شعر الطبيعة عند امرئ القيس وصفه الجميل الرائع لليل وطوله:
وليل كموج البحر أرخى سدوله علي بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبه وأردف أعجازًا وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انحلي بصبح وما الأصباح منك بأمثل
فيا لك من ليل كأن نجومه بكل مغار الفتل شدت بيذبل
والقارئ يقف أمام هذه القطعة الفنية الجميلة متأملًا معجبًا مشدوهًا من روعة البيان وجمال التصوير ورقة التعبير وقوة التأثير ومن هذه الشخصية الفنية الكاملة التي تبرز من هذه الأبيات في وضوح وقوة وجمال.
الليل رهيب، ظلماته كالموج، اللجى؛ وقد أقبل على الشاعر، فأثار في نفسه الذكريات، وهاج كوامن الأحزان وبعث الهموم من مرقدها، وترك النفس موزعة حيرى مفزعة.
واستمرت صور الماضي وأحداث الحاضر تتراءى أمام عينيه يتذكرها ويذكرها، يتذكر حياته اللاهية العابثة في صباح، وهذه الآمال والآلام التي تعتلج في صدره وذكريات الحب والأحباب المؤثرة الباقية.
وطال الليل على الشاعر وطال، وامتد وامتد، فرسم لطوله هذه الصورة البارعة التي تجدها في البيت الثاني، فكأنه يتمطى بصلبة، وكأن أعجازه وأواخره يردف بعضها بعضًا، وكأنه يقع بصدره على المهمومين والمحزونين ليوسعهم ألمًا وشقاء.
ويتمنى الشاعر أن يذهب الليل بظلمته ورهبته؛ وأن يشرق الصبح بضوئه وجماله ولكنه يعود فيتذكر أن أحزانه كامنة في نفسه فلن يسري عنها إشراق الصباح ولا ضجيج الحياة في أول النهار.
وتستمر الصور والذكريات تطوف بخيال الشاعر وأمام عينيه اليقظتين والليل كما هو لم يذهب ولم يطلع الصباح الجميل، وكأنه لا يريد أن يذهب بل كأنه مشدود بحبال قوية شدت بصخرة من صخور هذا الجبل الغليظ.
صور جميلة لا يعدل جمالها جمال، وخيال يقظ مشبوب لا يماثله في استنباط دقائق التصوير خيال.
وهكذا كان امرؤ القيس وبحق ما كان زعيم الشعراء في الجاهلية.
ويرى الأصمعي أن أحسن الناس تشبيهًا امرؤ القيس في قوله:
كأن قلوب الطير رطبًا ويابسا لدى وكرها العناب والحشف البالي
وفي قوله:
كأن عيون الوحش حول خبائنا وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب
وفي قوله:
ولو عن نثا غيره جاءني وجرح اللسان كجرح اليد
وفي قوله:
سموت إليها بعدما نام أهلها سمو حباب الماء حالًا على حال
وأن أبدع تشبيهاته قوله يصف فرسًا:
كأن تشوفه بالضحى تشوف أزرق ذي مخلب
إذا قرعته جلال له تقول سلبت ولم تسلب
فقال الرشيد للأصمعي: هذا حسن؛ وأحسن منه قوله:
فرحنا بكابن الماء يجنب وسطنا تصوب فيه العين طورًا وترتقي
واجتمع عبيد الأبرص وامرؤ القيس يومًا فقال عبيد: كيف معرفتك بالأوابد؟ فقال قل ما شئت تجدني كما أحببت. فقال عبيد:
ما حية ميتة قامت بميتتها درداء ما أنبتت نابًا وأضراسا
فقال امرؤ القيس:
تلك الشعير تسقى في سنابها قد أخرجت بعد طول المكث أكداسا
فقال عبيد:
ما السرد والبيض والأسماء واحدة لا يستطيع لهن الناس تمساسا
فقال امرؤ القيس:
تلك السحائب والرحمن أنشأها روى بها من محول الأبيض أبياسا
فقال عبيد:
[ ٨ ]
ما مرتجات على هول مراكبها يقطعن بعد المدى سيرًا وأمراسا
فقال امرؤ القيس:
تلك النجوم إذا حانت مطالعها شبهتها في سواد الليل أقباسا
فقال عبيد:
ما القاطعات لأرض لا أنيس بها تأتي سراعًا وما يرجعن أنكاسا
فقال امرؤ القيس:
تلك الرياح إذا هبت عواصفها كفى بأذيالها للترب كناسا
فقال عبيد:
ما الفاجعات جهارًا في علانية أشد من فيلق ملمومة باسا
فقال امرؤ القيس:
تلك المنايا فما يبقين من أحد يأخذن حمقًا وما يبقين أكياسا
فقال عبيد:
ما السابقات سراع الطير في مهل لا يشتكين ولو طال المدى باسا
فقال امرؤ القيس:
تلك الجياد عليها القوم مذ نتجت كانوا لهن غداة الروع أحلاسا
فقال عبيد:
ما القاطعات لأرض الجو في طلق قبل الصباح وما يسوين قرطاسا
فقال امرؤ القيس:
تلك الأماني يتركن الفتى ملكا دون السماء ولم ترفع له راسا
فقال عبيد:
ما الحاكمون بلا سمع ولا بصر ولا لسان فصيح يعجب الناسا
فقال امرؤ القيس
تلك الموازين والرحمن أرسلها رب البرية بين الناس مقياسا
ومما يتصل بشعر امرئ القيس ما يروى من أنه وصل إلى حضرة سيف الدولة رجل من أهل بغداد، وكان ينقر العلماء والشعراء بما لم يدفعه الخصم ولا ينكره الوهم. فتلقاه سيف الدولة باليمن، وأعجب به إعجابًا شديدًا، فقال يومًا: أخطأ امرؤ القيس في قوله:
كأني لم أركب جواد اللذة ولم أتبطن كاعبًا ذات خلخال
ولم أسبأ الزق الروى ولم أقل لخيلي كرى كرة بعد إجفال
وهذا معدول عن وجهه ولاشك فيه.
فقيل: وكيف ذلك؟ قال إنما سبيله أن يقول:
كأني لم أركب جوادًا ولم أقل لخيلي كرى كرة بعد إجفال
ولم أسبأ الزق الروى للذة ولم أتبطن كاعبًا ذات خلخال
فيقترن ذكر الخيل بما يشاكلها في البيت كله، ويقترن ذكر الشراب واللهو بالنساء؛ ويكون قوله "للذة" في الشرب أطبع منه في الركوب! فبهت الحاضرون، واهتز سيف الدولة، وقال: هذا النهدي وحق أبي!. فقال له بعض الحاضرين من العلماء: أنت أخطأت وطعنت في القرآن إن كنت تعمدت!.
فقال سيف الدولة: وكيف ذلك؟ فقال: قال الله تعالى: إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى"، وعلى قياسه يجب أن يكون: إن لك أن تجوع فيها ولا تظمأ ولا تعرى فيها ولا تضحى! وإنما عطفه امرؤ القيس بالواو التي لا توجب تعقيبًا، ولا ترتب.. فخجل وانقطع!.