كانت كل الظروف تعمل عملها في خلق شاعرية طرفة وتكوينها: ١ - فالصحراء تغذي الخيال وتثير العاطفة والشعور وتلهم الناس بآيات الشاعرية وموهبتها. فضلًا عن مشاهدها المنوعة التي تستثير المشاعر والملكات.
٢ - وأسرة الشاعر بما كان فيها من أعلام في الشعر جعلته يرث هذه المواهب ومن أسرته المرقش الأكبر، وخاله هو المتلمس، وكانت أخته الخرنق شاعرة، كما كان من شعراء بكر قومه: الحارث بن حلزة، وسواه.
٣ - ومجد طرفة وحسبه أنطقاه وألهماه القول والبيان، وكما يقول الشاعر:
فلو أن قومي أنطقتني رماحهم نطقت ولكن الرماح أجرت
٤ - ويتمه أليس هو الذي أثار فيه بواعث الشعر وأسبابه الأولى وأمده بهذه العاطفة المتأججة المشتعلة، وتلك الملكة القوية الحادة؟.
٥ - ورحلة الشاعر في البلاد ما بين اليمامة واليمن والحبشة إلى الحيرة وبعض أرجاء البلاد العربية أمدته بمدد لا ينفذ وبثروة فنية وفكرية واسعة مما ظهر في شعر الشاعر وأفكاره وآرائه وحكمته.
٦ - والخصومات العنيفة بين قومه وخصومهم من تغلب وسواها، وبين الشاعر والعاصرية، كابن عمه عبد عمرو، وكعمرو بن هند ملك الحيرة وسواهما هذه الخصومات هي التي أججت شاعريته وأحكمت فنه.
[ ٦٢ ]
٧ - يضاف إلى ذلك فطرة الشاعر وخلقه وصفاته من حدة الذهن واضطرام الشعور وثوران العواطف والتهاب المشاعر، إلى ما سوى ذلك من أسباب الشعر وبواعثه في نفس الشاعر.
ولا عجب ذلك، فقد كانت ملكات البلاغة والشعر قوية في نفس طرفة حتى في طفولته، ولقد روي أن المتلمس شاعر ربيعة في زمانه وخال طرفة وقف على مجلس لقومه من بني قيس بن ثعلبة فاستنشدوه، فأنشدهم شعرًا، جاء فيه:
وقد أتناسى الهم عند احتضاره بناج عليه الصيعرية مكدم
والصيعرية: سمة تكون للإناث خاصة فقال له طرفة وهو غلام - وطرفة لا يعرفه -: استنوق الجمل، أي وصفت الجمل بوصف الناقة وخلطت، فذهبت كلمته مثلًا، وضحك القوم وغضب المتلمس، ونظر إلى لسان طرفة وقال: ويل لهذا مني. يعني رأسه من لسانه. ويروى أن تلك القصة كانت مع عمرو بن كلثوم لا مع المتلمس (٤٠ و٤١ جمهرة أشعار العرب) .