هناك أسباب كثيرة كونت شاعرية أمية وأثرت فيها.. منها: ١ - عصره وبيئته: فقد كان العصر الجاهلي وكانت البيئة العربية عامة والطائف خاصة من بيئات الشعر والأدب والبلاغة والبيان، وجو الطائف وجمالها وكثرة خيراتها ومزارعها واستقرار الحياة فيها، كل ذلك كان له أثره في شاعرية الشاعر ولا ريب.
٢ - وراثته الشعر عن أسرته: فقد كان أمية من أسرة شاعرة، واشتهر أبوه بالشعر، وامتدت تلك المواهب الفنية فتوارثها أبناء أمية، وكان ابنه القاسم شاعرًا وينسب إليه وإلى أبيه.
قوم إذا نزل الغريب بدارهم ردوه رب صواهل وقيان
وإذا دعوتهم لكل ملمة سدوا شعاع الشمس بالفرسان
إلى آخر هذه الأبيات.
٣ - ثقافته ورحلاته: فقد ألم أمية بثقافات واسعة واختلط بالحياة والناس والعناصر في رحلاته التجارية إلى اليمن والشام، مما كان له أثره في شعره وشاعريته.
٤ - فطرته على حب التدين: فقد دفعه ذلك إلى مخالطة رجال الأديان والتحدث إليهم والتأثر بعظاتهم، مما جعل قلبه رقيق العاطفة والشعور، وهما أساس الأدب والشعر، ومما جعله يلون شعره بهذا الروح الديني القوي الغلاب.
٥ - اختلاطه بالحياة الأدبية وبالشعراء في الطائف ومكة وسائر بلاد الجزيرة العربية شابًا ورجلًا وكهلًا، مما جعل الشعر أقرب إلى قلبه وروحه من أي شيء سواه.
إلى غير ذلك من بواعث الشعر وأسبابه في نفس أمية.
إن شعر أمية جدير بأوفر عناية وأدق درس لأنه وقد ذكر ما ذكر من أنباء الرسل وأمور الآخرة لا يعدو واحدة من اثنتين إما أن يكون قد قيل قبل نزول القرآن أو بعد بدء نزوله وفي أثنائه، فإن كانت الأولى فهو وثيقة فريدة في الدلالة على ما عرف بعض العرب لذلك العهد من تلك الشؤون، وإن كانت الثانية فقد أراد به صاحبه لا محالة معارضة القرآن فانقطع وتخلف ولم يستطع الكفار أن يشغبوا به.
وهذه أبيات من شعره تدل على طريقته، والأرجح أن نسبتها إليه صحيحة فإنها من قصيدة استشهد سيبويه ببيت منها وعنى بروايتها شراح كتابه، وقل أن يجوز عليهم غير صحيح.
قال أمية يذكر إرسال موسى وهارون إلى فرعون وفي الأبيات روح التأثر بالقرآن:
وأنت الذي فضل من سيب ونعمة بعثت إلى موسى رسولا مناديا
فقال أعني بابن أمي فانتي كثير به، يارب صل لي جناحيا
[ ٩٥ ]
وقلت لهارون اذهبا فتظاهرا على المرء فرعون الذي كان طاغيا
وقولا له هل أنت سويت هذه بلا وتد حتى اطمأنت كما هيا
وقولا له هل أنت رفعت هذه بلا عمد أرفق إذن بك بانيا
وقولا له هل أنت سويت وسطها منيرا إذا ما جنه الليل ساريا
وقولا من أخرج الشمس بكرة فأصبح ما مست من الأرض ضاحيا
وقولا له من أنبت الحب في الثرى فأصبح منه البقل يهتز رابيا
فأصبح منه حبه في رؤوسه ففي ذاك آيات لمن كان واعيا
- ٥ -