كان نصرانيًا وكذلك أبوه وأمه وأهله، وكان أبوه ممن حذق الفارسية وأجادها وتوصل إلى كسرى، فجعله على البريد ولم يكونوا يفعلون ذلك إلا بأولاد المرازية، ولما ولد له عدي وتحرك وأيفع طرحه في الكتاب حتى حذق العربية. ثم أسلمه أبوه إلى صديق له من مرازبة الفرس فجعله مع ابنه في كتاب الفارسية فاختلف إليه زمنا، حتى خرج من أفهم الناس بها وأفصحهم بالعربية وقال الشعر وتعلم الرمي بالنشاب ولعب لعب العجم على الخيل بالصوالجة وغيرها، ووفد المرزبان على كسرى فذكره له وقال إن عندي غلامًا من العرب وهو أفصح الناس وأكتبهم بالعربية والفارسية والملك محتاج إلى مثله فرغب فيه وجعله في كتاب الديوان وأوفده إلى قيصر فأكرمه وحمله إلى عماله على البريد ليريه بسطة سلطانه وعظيم شأنه وأقام عدي بالمدائن يؤذن له على كسرى في الخاصة وهو معجب به قريب منه فإذا أراد المقام بالحيرة في منزله ومع أهله استأذنه فأقام فيهم الشهر والشهرين وأكثر وأقل. وقد أثر كل هذا في شعر عدي فلان لسانه وسهل منطقه كما قال ابن سلام، وذهب مذهبا خالف فيه الشعراء كما قال الأصمعي، وكان لمكان الدين منه يتلطف في دعوة النعمان إلى النصرانية حتى نقله من الوثنية إليها، ويتوسل لذلك بالشعر فيضع من الأبيات ما يجعله حديثًا عن المقابر أو غيرها، فإذا خرج للنزهة أو الصيد ومرا بها قال أتدري ما تقول هذه المقابر قال لا قال فإنها تقول:
من رآنا فليحدث نفسه أنه موف على قرن زوال
وصروف الدهر لا يبقى لها ولما تأتى به صم الجبال
رب ركب قد أناخوا عندنا يشربون الخمر بالماء الزلال
والأباريق عليها فدم وجياد الخيل تردى في الجلال
عمروا دهرا بعيش حسن آمني دهرهم غير عجال
ثم أضحوا عصف الدهر بهم وكذاك الدهر يودي بالرجال
وكذاك الدهر يودي بالفتى في طلاب العيش حالا بعد حال
وقد ظلت هذه المعاني وأشباهها مما يتصل بالدين تعتلج في صدره وتهجس في نفسه وتصطبغ بها خواطره حتى نفئها في غرر شعره وعيون قصائده التي كتب بها من حنسه إلى النعمان:
لم أر مثل الفتيان في غ ين الأيام ينسون ما عواقبها
ينسون إخوانهم ومصرعهم وكيف تعتاقهم مخالبها
ماذا ترجى النفوس من طلب ال خير وحب الحياة كاربها
تظن أن ليس يصيبها عنت الد هر، وريب المنون صائبها
ويقول عدي:
ليس شيء على المنون بباق غير وجه المسيح الخلاق
فبرئ صدري من الظلم للرب وحنث بمعقد الميثاق
وشاهد ذلك حاضر في مصارع من غبر من الأمم وسلف من الملوك:
أيها الشامت المعير بالد هر: أأنت المبرأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من الأ يام، بل أنت جاهل مغرور
[ ١٠٥ ]
من رأيت المنون خلدن أم من ذا عليه من أن يضام خفير
أين كسرى كسرى الملوك أنوشر وان أم أين قبله سابور
وبنو الأصفر الكرام ملوك الروم لم يبق منهم مذكور
وأخو الحضر إذ بناء وإذ دج لة تجبى إليه والخابور
شاده مرمرا وجلله كلسا فللطير في ذراه وكور
لم يهبه ريب المنون فباد ال ملك عنه فبابه مهجور
وتذكر رب الخورنق إذا أق بل يوما وللهدى تفكير
سره ماله وكثرة ما يم لك والبحر معرضا والسدير
فارعوى قلبه فقال: وما غب طة حي إلى الممات يصير