قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسيط الورى بين الدخول فحومل مطلع معلقة امرئ القيس الرائعة الشهرة، والتي تدل على شخصية صاحبها المرحة وروحه الموهوب، مجوته المأثور، وأسلوب القصيدة أسلوب جزل فيه أسر وقوة في عذوبة حينًا مع الجمال والصدق والتنقل في الخيال ومع سحر المطلع وفخامته.
ومعانيها قريبة لا تعقيد فيها تنكئ على الحسن والمشاهدات، فهو حين يتحدث عن الحب يصف جمال المرأة ومحاسنها، وحين يصف الفرس يتحدث عن ساقه ومتنه وشعره وحين يتحدث عن المطر يصف كثرته وأنه ألقى مياهه على جبل كذا وكذا ففزعت العصم وهدمت البيوت وسقطت جذوع النخل، دون أن يتحدث الشاعر عما وراء هذه الأوصاف الحسية في الخيل والمطر أو عن عواطفه الإنسانية في حبه وغزله.
وتمتاز المعلقة بأنها مظهر للبلاغة العربية، وبما فيها من أساليب البيان، ومناهج الأداء وصور التعبير، وألوان الرسم والخيال والتفكير، فيها تشبيهات بليغة عذبة كثيرة واستعارات جميلة بالغة، وكنايات أنيقة ساحرة، وسوى ذلك من أدوات التعبير والبيان. ولتفصيل ذلك كله نقول: للمعلقة مطلعها الساحر القوي وأسلوبها الجزل، وخيالها البدوي الموهوب وتشبيهاتها الحسية الساذجة المكرورة أحيانًا، وفيها فوق ذلك وبرغم الكثير من ألفاظها البدوية الجافة ورقة النسيب ودقة الوصف وتنوع الأغراض وبراعة التصوير والبيان، وفيها جل ما ابتكره امرؤ القيس من المعاني الشعرية التي فضل بها على غيره من الشعراء وعدبها أميرهم وقائدهم، ففيها بكاء للديار واستيقاف للصحب وتجويد في النسيب وتصوير لاستهتاره ومجونه، وقص لذكرياته وأيامه، وإبداع في وصف الليل وطوله "والفرس ومحاسنه، والبرق، والمطر وآثاره".
وفي المعلقة الكثير من التشبيهات الجميلة، كتشبيه موقفه حين رحيل أحبابه بموقف الحنظل، وغزارة ما ينهمر منهما من دموع، وكتشبيه عبق الرائحة من حبيبه بعبق رائة النسيم، قد جاء بريا القرنفل. وتشبيه شحم ناقته بهداب الدمقس المفتل، والثغر بالأقحوان المنور، وتعرض الثريا في السماء بتعرض أثناء الوشاح المفصل، وتشبيه ترائب المرأة بالمرآة المجلوة، وجيدها بجيد الظباء، وبنانها بأساريع الظبي، وجمالها المشرق بمنارة الراهب المتبتل، وتشبيه الليل بموج البحر واهتزام الفرس بغلي المرجل. فقد أخذ الحسن من جميع الحيوانات، أخذ من الظبي خاصرته، ومن النعامة ساقها، ومن الذئب والثعيلب مشيهما، فهو جواد ويا له من جواد ضافي الذيل مستقيم العسيب، لماع الظهر كما تلمع صلاية الحنظل مما يعلق بها من الدهن اللامع، أو صلاية عروس تدق فيها العطر والطيب، وكأن دماء هوادي فرائسه في نحره المخضوب عصارة حناء في شيب مسرح.
وتمتاز المعلقة بكناياتها الساحرة، كنؤوم الضحى في وصف المرأة بالترف والنعمة وقوله "لم تنتطق عن تفضل" في وصفها بأنها عزيزة منعمة لم تعز بعد ذل ولم تنعم بعد شقاء، وقوله "إذا ما اسبكرت بين درع ومجول" يريد إذا بلغت سن الشباب لأنه الدرع هو قميص المرأة والمجول ثوب تلبسه الفتاة وتجول فيه قبل أن تخدر، وقوله "قيد الأوابد" في وصف الفرس بسرعة العدو، وقوله: ولم ينضح بماء فيغسل في وصفه بالنشاط. ومنها كثير من المجازات الجميلة والاستعارات المبدعة كقوله "فسلي ثيابي من ثيابك تنسلي" يريد بالثياب القلب أو الصداقة. وقوله "وبيضة خدر" يريد امرأة كريمة مخدرة. وقوله في وصف الليل بالطول "فقلت له لما تمطى بصلبه" وقوله "وتتقي بناظرة من وحش وجرة" وكذلك قوله "له أيطلا ظبي وساقا نعامة" من أساليب التجريد أو التشبيه الجميلة.
[ ١١ ]
وقد تجد في المعلقة تنقلًا في الخيال وفي رسم الصور الشعرية، ولكن لا ضير في ذلك، لأن الشعر فن والفنون تأبى أن تخضع لقيود المنطق والفلسفة وحريتها في التعبير والتصوير هو سر جمالها وخلودها وفق ذلك فإن الشعر صورة للحياة العربية في سذاجتها وبساطتها فضلًا عن أثر الارتجال والبديهة في نظم الشعر وإنشاده وخاصة في العصر الجاهلي.
وفي المعلقة وصف لما يحبه العربي من مظاهر الجمال في المرأة وفي الفرس وفيها بيان مفصل لزينة المرأة وترفها وفيها نواة للقصص الشعري وخاصة في الغزل، مما نهج نهجه عمر بن أبي ربيعة ثم بشار وأبو نواس. وليس فيها أثر للمدح لأن شخصية امرئ القيس العظيمة أرفع من المدح، ولأن المعلقة لم تنظم إلا لوصف ذكرياته ولهوه وترفه ومجونه، مما يرجع أنها نظمت في أيام صبواته وشبابه قبل أن يحمل عبء الأخذ بثأر والده، حيث تجدها خالية من ذكر الأحداث التي طافت به بعد ذلك. وتعدد الأعراض والفنون في القصيدة يتفق ونهج العرب والشعراء الجاهليين في صياغة قصائدهم؛ حيث كانوا يروحون عن أنفسهم وسامعيهم بهذا الاستطراد الجميل وبتعدد نواحي القصيدة ومراميها حتى تكون أشد أثرًا وسحرًا.
وروح الشاعرية في المعلقة متحدة متناسقة إلا في أبيات يضيفها بعض الرواة إليها وهي:
وقربة أقوام جعلت عصامها على كاهلي مني ذلول مرحل
وما بعده من أبيات، مما تخالف روحها روح المعلقة. والصحيح أن هذه الأبيات لتأبط شرًا وأنكرها الكثير من الرواة، وقيل هي لامرئ القيس في عصر مشيبه وكهولته وأضيفت إلى المعلقة إضافة، فهي لا تمثل روحه في فترة شبابه اللاهية الماجنة التي نراها في معلقته.
وتمثل هذه المعلقة الحياة العربية في كثير من نواحيها المختلفة، كما تصور حياة امرئ القيس وترفه وروحه اللاهي المسرف في العبث والمجون أتم التصوير، فهي صورة جميلة واضحة لحياة الشاعر وقومه، وأثر أدبي كبير نستطيع أن نفهم منه الكثير من عادات العرب وأخلاقهم.
نشأ امرؤ القيس في بيت سؤدد ومجد ونعمة، فخب في سبل اللهو وذاق أفاويق الجمال والحب وقضى أيام شبابه في مغازلة الغيد الحسان؛ فكانت له معهن أيام وذكريات قص الكثير منها في هذه المعلقة، وما برح في لهوه ومجونه حتى ضاق به والده ذرعًا فأبعده عنه، فأقام مع أمثاله من أهل البطالة واللهو حتى قتل أبوه فذهبت سكرته وطالت حسرته، وهب للأخذ بثأره حتى قضى عليه أخيرًا إسرافه في الانتقام.
ذلك هو امرؤ القيس قائد الشعراء في الجاهلية، وحامل لواء الشعر في ذلك العصر البعيد، والمفتن في أبواب الشعر وأغراضه، والمجلى في بيان أسرار الجمال واللهو وفي رقة الأسلوب وسحره، وفي جزالة اللفظ وأسره، وفي روائع التشبيه وبدائع الخيال، وفي ابتداع الكثير من المعاني الشعرية الطريفة التي قلده فيها سواء من الشعراء وتتناول المعلقة كثيرًا من فنون الشعر، وتحوي الكثير من الأفكار المنوعة، ففيها بكاء لديار أحبابه في ثلاثة أبيات وتصوير لحيرته وذهوله يوم رحيلهن واستيقاف لأصحابه ليحملوا معه عبء الحزن والشجى في بيتين وفيها شرح للهوه وعبثه وقص لذكرياته وأشجانه مع محبوباته ووصف للجمال العربي وزينة المرأة في الجاهلية ولأثر الجمال وسحره في النفوس وذلك في عشرين بيتًا، وفيها مناجاة الليل وذكر لطوله وآلامه فيه في خمسة أبيات ووصف دقيق لفرسه في ثمانية عشر بيتًا، وللبرق والمطر ونشوة الطبيعة في عشرة أبيات فأبياتها تبلغ الستين أو تزيد وهي كلها في درجة عالية من الإحسان.
ويقول الزوزني في سبب إنشاد هذه القصة: "السبب في إنشادها هو قصة غدير دارة جلجل حيث كان امرؤ القيس يحب ابنة عمه عنيزة فتركها تستحم في هذا الغدير مع أتراب لها وجمع ملابسهن ثم لم يعطها لهن إلا بعد مرورهن أمامه عاريات، ثم ذبح لهن ناقته وقسم متاعه عليهن يحملنه وركب مع عنيزة في هودجها".
وقد بدأها ببكاء الديار بمطلع جميل ساحر ثم يستمر في وصف الديار وآثارها حتى يقول: وقوفًا بها صحبي على مطيهم.
ثم يصف ذكريات لهوه وعبثه وغزله. ثم يصف الليل وطوله، وطوله والفرس وقوته ويذكر الصيد الذي صاده وطهى الطهاة له وسط الصحراء ويصف البرق والمطر في عذوبة وسحر وجمال.
- ٢ - وقال أيضًا:
ألا عم صباحًا أيها الطلل البالي وهل يعمن من كان في العصر الخالي
[ ١٢ ]
وهل يعمن إلا سعيد مخلد قليل الهموم ما يبيت بأوجال
وهل يعمن من كان أحدث عهده ثلاثين شهرًا في ثلاثة أحوال
ديار لسلمى عافيات بذي خال ألح عليها كل أسحم هطال
وتحسب سلمى لا تزال ترى طلا من الوحش أو بيضًا بميثاء شملال
وتحسب سلمى لا تزال كعهدنا بواد الخزامى أو على رس أو عال
ليالي سلمى إذ تريك منصبًا وجيدًا كجيد الرئم ليس بمعطال
ألا زعمت بسباسة اليوم أنني كبرت وأن لا يحسن اللهو أمثالي
كذبت لقد أصبى على المرء عرسه وأمنع عرسي أن يزن بها الخالي
ويا رب يوم قد لهوت وليلة بآنسة كأنها خط تمثال
يضيء الفراش وجهها لضجيعها كمصباح زيت في قناديل ذبال
كأن على لباتها جمر مصطل أصاب غضى جزلا وكف بأجذال
وهبت له ريح بمختلف الصوا صبًا وشمال في منازل قفال
ومثلك بيضاء العوارض طفلة لعوب تنسيني إذا قمت سربالي
إذا ما الضجيع ابتزها من ثيابها تميل عليه هونة غير مجبال
كحقف النقا يمشي الوليدان فوقه بما احتسبا من لين مس وتسهال
لطيفة طي الكشح غير مفاضة إذا انفلتت مرتجة غير متفال
تنورتها من أذرعات وأهلها بيثرب أدنى دارها نظر عال
نظرت إليها والنجوم كأنها مصابيح رهبان تشب لفقال
سموت إليها بعد ما نام أهلها سمو حباب الماء حالا على حال
فقالت سباك الله، إنك فاضحي ألست ترى السماء والناس أحوالي
فقلت يمين الله أبرح قاعدًا ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
حلفت لها بالله حلفة فاجر لناموا فما إن من حديث ولا صال
فلما تنازعنا الحديث وأسمحت هصرت بغصن ذي شماريخ ميال
وصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا ورضت فذلت صعبة أي إذلال
فأبحت معشوقًا وأصبح بعلها عليه القتام سيئ الظن والبال
يغط غطيط البكر شد خناقه ليقتلني والمرء ليس بقتال
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أعوال
وليس بذي رمح فيطعنني به وليس بذي سيف وليس بنبال
أيقتلني وقد شغفت فؤادها كما شغف المهنوءة الرجل الطالي
وقد علمت سلمى وإن كان بعلها بأن الفتى يهذي وليس بفعال
وماذا عليه أن ذكرت أوانسا كغزلان رمل في محاريب أقيال
وبيت عذارى يوم دحن ولجته يطفن بحباء المرافق مكسال
سباط البنان والعرانين والقنا لطاف الخصور في تمام وإكمال
نواعم يتبعن الهوى سبل الردى يقلن لأهل الحلم ضل بتضلال
صرفت الهوى عنهن من خشية الردى ولست بمقلي الخلال ولا قال
كأني لم أركب جوادًا للذة ولم أتبطن كاعبًا ذات خلخال
ولم أسبإ الزرق الروى ولم أقل لخليلي كري كرة بعد إجفال
ولم أشهد الخيل المغيرة بالضحى على هيكل عبل الجزارة جوال
سليم الشظى عبل الشوى شنج النسا لع حجبات مشرفات على الفال
وصم صلاب ما يقين من الوحي كأن مكان الردف منه على رال
وقد أغتدي والطير في وكناتها لغيث من الوسمي رائده خال
تحاماه أطراف الرماح تحاميًا وجاد عليه كل أسحم هطال
بعجلزة قد أترز الجري لحمها كميت كأنها هراوة منوال
ذعرت بها سربًا نقيًا جلوده وأكرعه وشي البرود من الخال
كأن الصوار إذ تجهد عدوه على جمزى خيل تجول بأجلال
فجال الصوار واتقين بقرهب طويل الفرا والروق أخنس ذيال
فعادى عداء بين ثور ونعجة وكان عداء الوحش مني على بال
كأني بفتحاء الجناحين لقوة صيود من العقبان طأطأت شملالي
تخطف خزان الشربة بالضحى وقد حجرت منها ثعالب أورال
كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا لدي وكرها العناب والحشف البالي
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة كفاني ولم أطلب قليل من المال
ولكنما أسعى لمجد مؤثل وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
[ ١٣ ]
وطر المرء مادامت حشاشة نفسه بمدرك أطراف الخطوب ولا آلي
- ٣ - وقال امرؤ القيس أيضًا:
خليلي مرا بي على أم جندب نقض لبانات الفؤاد المعذب
فإنكما إن تنظراني ساعة من الدهر تنفعني لدى أم جندب
ألم ترياني كلما جئت طارقًا وجدت بها طيبًا وإن لم تطيب
عقيلة أتراب لها لا دميمة ولا ذات خلق إن تأملت جأنب
ألا ليست شعري كيف حادث وصلها وكيف تراعى وصلة للتغيب
أقامت على ما بيننا من مودة أميمة أم صارت لقول المخبب
فإن تنأ عنها حقبة لا تلاقها فإنك مما أحدثت بالمجرب
وقالت متى يبخل عليك ويعتلل يسؤك وإن يكشف غرامك تدرب
تبصر خليلي هل ترى من ظعائن سوالك نقبا بين حزمى شعبعب
علون بأنطاكية فوق عقمة كجرمة نخل أو كجنة يثرب
ولله عينًا من رأى من تفرق أشت وأنأى من فراق المحصب
فريقان منهم جازع بطن نخلة وآخر منهم قاطع بحد كبكب
فعيناك غربًا جدول في مفاضة كمر الخليج في صفيح مصوب
وإنك لم يفخر عليك كفاخر ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب
وإنك لم تقطع لبانة عاشق بمثل غدو أو رواح مؤوب
بأدماء حرجوج كأن قتودها على أبلق الكشحين ليس بمغرب
يغرد بالأسحار في كل سدفة تغرد مياح الندامى المطرب
أقب رباع من حمير عماية يمج لعاع البقل في كل مشرب
بمحنية قد آزر الضال نبتها مجر جيوش الغانمين وخيب
وقد أغتدي والطير في وكناتها وماء الندى يجري على كل مذنب
بمنجرد قيد الأوابد لاحه طراد الهوادي كل شأو مغرب
على الأين جياش كان سراته على الضمر والتعداء سرحة مرقب
يباري الخنوف المستاقل زماعه ترى شخصه كأنه عود مشحب
له أيطلا ظبي وساقا نعامة وصهوة عير قائم فوق مرقب
ويخطو على ضم صلاب كأنها حجارة غيل وارسات بطحلب
له كفل كالدعص لبده الندى إلى حارك مثل الغبيط المذأب
وعين كمرآة الصناع تديرها لمحجرها من النصيف المنقب
له أذنان تعرف العتق فيهما كسامعتي مذعورة وسط ربرب
ومستفلك الذفرى كأن عنانه ومثناته في رأس جذع مشذب
وأسحم ريان العسيب كأنه عثاكيل قنو من سميحة مرطب
إذا ما جرى شأوين وابتل عطفه تقول هزير الريح مرت بأثأب
يدير قطاة كالمحالة أشرفت إلى سند مثل الغبيط المذأب
ويخضد في الاري حتى كأنما به غرة من طائف غير معقب
فيومًا على سرب نقي جلوده ويومًا على بيدانة أم تولب
فبينا نعاج يرتعين خميلة كمشي العذارى في الملاء المهدب
فكان تنادينا وعقد عذاره وقال صحابي قد شأونك فاطلب
فلأيًا بلأي ما حملنا غلامنا على ظهر محبوك السراة محنب
وولى كشؤبوب العشي بوابل ويخرجن من جعد ثراه منصب
فللساق ألهوب وللسوط درة وللزجر منه وقع أهوج منعب
فأدرك لم تجهد ولم يثن شأوه يمر كخذروف الوليد المثقب
ترى الفأر في مستنقع القاع لاجبًا على جدد الصحراء من شد ملهب
خفاهن من أنفاقهن كأنما خفاهن ودق من عشي مجلب
فعادى عداءً بين ثور ونعجة وبين شبوب كالقضيمة قرهب
وظل لثيران الصريم غماغم يداعسها بالسمهري المعلب
فكاب على حر الجبين ومتق بمذرية كأنها ذاق مشعب
وقلنا لفتيان كرام ألا انزلوا فعالوا علينا فضل ثوب مطنب
وأوتاده ماذية وعماده ردينية فيها أسنة قعضب
وأطنابه أشطان خوض نجائب وصهوته من أتحمى مشرعب
فلما دخلناه أضفنا ظهورنا إلى كل حاري جديد مشطب
كأن عيون الوحش حول خبائنا وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب
نمش بأعراف الجياد أكفنا إذا نحن قمنا عن شواء مضهب
ورحنا كأنا من جؤائي عشية نعالى النعاج بين عدل ومحقب
[ ١٤ ]
وراح كتيس الربل ينفض رأسه أذاة به من صائك متحلب
كأن دماء الهاديات بنحره عصارة حناء بشيب مخضب
وأنت إذا استدبرته سد فرجه بضاف فويق الأرض ليس بأصهب
- ٤ - وقال أيضًا حين توجه إلى قيصر:
سما لك شوق بعدما كان أقصرا وحلت سليمى بطن قو فعرعرا
كنانية بانت وفي الصدر ودها مجاورة غسان والحي يغمرا
بعيني ظعن الحي لما تحملوا لدى جانب الأفلاج من جنب تيمرى
فشبهتهم في الآل لما تكمشوا حدائق دوم أو سفينًا مقيرا
أو المكرعات من نخيل ابن يامن دوين الصفا اللآلئ يلين المشقرا
سوامق جبار أثيث فروعه وعالين قنوانًا من البسر أحمرا
حمته بنو الربداء من آل يامن بأسيافهم حتى أقو وأوقرا
وأرضى بني الربداء واعتم زهوه وأكمامه حتى إذا ما تهصرا
أطافت به جيلان عند قطاعه تردد فيه العين حتى تحيرا
كأن دمى شغف على ظهر مرمر كسا مزبد الساجوم وشيًا مصورا
غرائر في كن وصون ونعمة يحلين ياقوتًا وشذرًا مفقرا
وريح سنًا في حقه حميرية تخص بمفروك من المسك أذفرا
وبانا وألويا من الهند ذاكيا ورندا ولبنى والكباء المقترا
غلقن برهن من حبيب به ادعت سليمى فأمسى حبلها قد تبترا
وكان لها في سالف الدهر خله يسارق بالطرف الخباء المسترا
إذ نال منها نظرة ريع قلبه كما ذعرت كأس الصبوح المخمرا
نزيف إذا قامت لوجه تمايلت تراشى الفؤاد الرخص ألا تخترا
أأسماء أمسى ودها قد تغيرا سنبدل إن أبدلت بالود آخرا
تذكرت أهلي الصالحين وقد أتت على خملي خوص الركاب وأوجرا
فلما بدا حوران والآل دونه نظرت فلم تنظر بعينيك منظرا
تقطع أسباب اللبانة والهوى عشية جاوزنا حماة وشيزرا
بسير يضج العود منه يمنه أخو الجهد لا يلوى على من تعذرا
ولم ينسى ما قد لقيت ظعائنا وخملا لها كالقر يوما مخدرا
كأثل من الأعراض من دون بيثشة ودون الغمير عامدات لغضورا
فدع ذا وسل اللهم عنك بجسرة ذمول إذا صام النهار وهجرا
تقطع غيطانًا كأن متونها إذا أظهرت تكسى ملاء منشرا
بعيدة بين المنكبين كأنما ترى عند مجرى الضفر هرًا مشجرا
تطاير ظران الحصى بمناسم صلاب العجى ملثومها غير أمعرا
كأن الحصى من خلفها وأمامها إذا نجلته رجلها حذف أعسرا
كأن صليل المروحين تشده صليل زيوف ينتقدن بعبقرا
عليها فتى لم تحمل الأرض مثله أبر بميثاق وأوفى وأصبرا
هو المنزل الآلاف من جونا عطٍ بني أسد حزنًا من الأرض أوعرا
ولو شاء كان الغزو من أرض حمير ولكنه عمدًا إلى الروم أنفرا
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه وأيقن أنا لاحقان بقيصرا
فقلت له لا تبك عينك إنما نحاول ملكا أو نموت فنعذرا
وإني زعيم إن رجعت مملكا بسير ترى منه الفرانق أزورا
على لاحبٍ لا يهتدى بمناره إذا سافه العود النباطي جرجرا
على كل مقصوص الذنابي معاود يريد السرى بالليل من خيل بربرا
أقب كسرحان الغضى متمطر ترى الماء من أعطافه قد تحدرا
إذا زعته من جانبيه كليهما مشى الهيدبى في دفه ثم فرفرا
إذا قلت زوحنا أرن فرانق على جلعد واهي الأباجل أبترا
لقد أنكرتني بعلبك وأهلها ولابن جريج في قرى حمص أنكرا
نشيم يروق المزن أين مصابه ولا شيء يشفي منك يا ابنة عفزرا
من القاصرات الطرف لو دب مخول من الذر فوق الإتب منها لأثرا
له الويل إن أمسى ولا أم هاشم قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا
أرى أم عمرو دمعها قد تحدرا بكاء على عمرو وما كان أصبرا
إذا نحن سرنا خمس عشرة ليلة وراء الحساء من مدافع قيصرا
إذا قلت هذا صاحب قد رضيته وقرت به العينان بدلت آخرا
[ ١٥ ]
كذلك جدي ما أصاحب صاحبًا من الناس إلا خانني وتغيرا
وكنا أناسًا قبل غزوة قرمل ورثنا الغنى والمجد أكبر أكبرا
وما جبنت خيلي ولكن تذكرت مرابطها في بربعيص وميسرا
ألا رب يوم صالح قد شهدته بتادف ذات التل من فوق طرطرا
ولا مثل يوم في قداران ظلته كأني وأصحابي على قرن أعفرا
ونشرب حتى نحسب الخيل حولنا نقادًا وحتى نحسب الجون أشقرا
- ٥ - قال أيضًا:
أعني على برق أراه وميض يضيء حبيًا في شماريخ بيض
ويهدأ تارات سناه وتارة ينوء كتعتاب الكسير المهيض
وتخرج منه لامعات كأنها أكف تلقى الفوز عند المفيض
قعدت له وصحبتي بين ضارج وبين تلاع يثلث فالعريض
أصاب قطاتين فسال لواهما فوادي البدي فانتحى للأريض
بلاد عريضة وأرض أريضة مدافع غيث في فضاء عريض
فأضحى يسح الماء عن كل فيقة يحوز الضباب في صفاصف بيض
فأسقى به أختي ضعيقة إذ نأت وإذ بعد المزار غير القريض
ومرقبة كالزج أشرفت فوقها أقلب طرفي في فضاء عريض
فظلت وظل الجون عندي بلبده كأني أعدي عن جناح مهيض
فلما أجن الشمس عني غيارها نزلت إليه قائمًا بالحضيض
يباري شباة الرمح خد مذلق كصفح السنان الصلبي النحيض
أخفضه بالنقر لما علوته ويرفع عزفًا غير جاف غضيض
وقد أعتدي والطير في وكناتها بمنجرد عبل اليدين قبيض
له قصريا عير وساقا نعامة كفحل الهجان ينتجى للعضيض
يجم على الساقين بعد كلاله جموم عيون الحسى بعد المخيض
ذعرت بها سربًا نقيًا جلودها كما ذعر السرحان جنب الربيض
ووالى ثلاثًا واثنتين وأربعًا وغادر أخرى في قناة الرفيض
فآب إيابًا غير نكد مواكل وأخلف ماء بعد ماء فضيض
وسن كسنيق سناء وسنما ذعرت بمدلاج الهجير نهوض
أرى المرء ذا الأذواد يصبح محرضا كإحراض بكر في الديار مريض
كأن الفتى لم يغن في الناس ساعة إذا اختلف اللحيان عند الجريض
- ٦ - وقال أيضًا:
غشيت ديار الحي بالبكرات فعارمة فبرقة العيرات
فغول فحليت فنفى فمنعج إلى عاقل فالجب ذي الأمرات
ظللت ردائي فوق رأسي قاعدًا أعد الحصى ما تنقضي عبراتي
أعني على التهمام والذكرات يبتن على ذي الهم معتكرات
بليل التمام أو وصلن بمثله مقايسة أيامها نكرات
كأني وردفي والقراب ونمرقي على ظهر عير وارد الخبرات
أرن على عقب حيال طروقة كذود الأجير الأربع الأشرات
عنيف بتجميع الضرائر فاحش شتيم كدلق الزج ذي ذمرات
ويأكلن بهمى جعدة حبشية ويشربن برد الماء في السبرات
فأوردها ماء قليلًا أنيسه يحاذرن عمرًا صاحب القترات
تلت الحصى لتًا بسمر رزينة موازن لا كزم ولا معرات
ويرخين أذنابًا كأن فروعها عرا خلل مشهورة ضفرات
وعنس كألواح الإران فسألتها على لاحب كالبرد ذي الخبرات
فغادرتها من بعد بدن ردية تغالى على عوج لها عود لها كدنات
وأبيض كالمخراق بليت حده وهبته في الساق والقصرات
- ٧ - وقال أيضًا يمدح غوير بن شجنة بن عطارد من بني تميم، وبني عوف رهطه:
ألا إن قومًا كنتم أمس دونهم هم منعوا جاراتكم آل غدران
عوير ومن مثل العوير ورهطه وأسعد في ليل البلايل صفوان
ثياب بني عوف طهارى نقية وأوجههم عند المشاهد غران
هم أبلغوا الحي المضلل أهلهم وساروا بهم بين العراق ونجوان
فقد أصبحوا والله أصفاهم به أبر بميثاق وأوفى بجيران
- ٨ - وقال أيضًا:
لمن طلل أبصرته فشجاني كخط زبور في عصيب بمان
ديار لهند والرباب وفرتني ليالينا بالنعف من بدلان
ليالي يدعوني الهوى فأجيبه وأعين من أهوى إلي رواني
[ ١٦ ]
فإن أمس مكروبًا فيا رب بهمة كشفت إذا ما اسود وجه الجبان
وإن أمس مكروبًا فيا رب قينة منعمة أعملتها بكران
لها مزهر يعلو الخميس بصوته أجش إذا ما حركته اليدان
وإن أمس مكروبًا فيا رب غارة شهدت على أقب رخو اللبان
على ربذ يزداد عفوًا إذا جرى مسح حثيث الركض والذألان
ويخدى على صم صلاب ملاطس شديدات عقد لينات المثاني
وغيث من الوسمي حو تلاعه تبطنته بشيظم صلتان
مكر مفر مقبل مدبر معًا كتيس ظباء الحلب الغذوان
إذا ما جنبناه تأود متنه كعرق الرخامى اهتز في الهجلان
تمتع من الدنيا فإنك فاني من النشوات والنساء الحسان
من البيض كالآرام والأدم كالدمى حواصنها والمبرقات الرواني
أمن ذكر نبهانية حل أهلها بجزع الملا عيناك تبتدران
فدمعهما سكب وسح وديمة ورش وتوكاف وتنهملان
كأنهما مزادتا متعجن فريان لما تسلقا بدهان
- ٩ - وقال أيضًا:
قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان ورسم عفت آياته منذ أزمان
أتت حجج بعدي عليها فأصبحت كخط زبور في مصاحف رهبان
ذكرت بها الحي الجميع فهيجت عقابيل سقم من ضمير وأشجان
فسحت دموعي في الرداء كأنها ثكلى من شعيب ذات سح وتهتان
إذا المرء لم يحزن عليه لسانه فليس على شيء سواه بخزان
فإما تريني في رحالة جابر على حرج كالقر تخفق أكفاني
فيا رب مكروب كررت وراءه وعان فككت الغل عنه ففداني
وفتيان صدق قد بعثت بسخرة فقاموا جميعًا بين عاث ونشوان
وخرق بعيد قد قطعت نياطه على ذات لوث سهوة المشي مذعان
وغيث كألوان الفنا قد هبطته تعاون فيه كل أوطف حنان
على هيكل يعطيك قبل سؤاله أفانين جرى غير كز ولا وان
كتيس الظباء الأعفر انضرجت له عقاب تدلت من شماريخ ثهلان
وخرق كجوف العير قفر مضلة قطعت بسام ساهم الوجه حسان
يدافع أعطاف المطايا بركنه كما مال غصن ناعم فوق أغصان
ومجر كغلان الأنيعم بالغ ديار العدو ذي زهار وأركان
مطوت بهم حتى تكل مطيهم وحتى الجياد ما يقدن بأرسان
وحتى ترى الجون الذي كان بادنا عليه عواف من نسور وعقبان
- ١٠ - وقال أيضًا يمدح جارية بن مر أبا حنبل، ويذم خالد بن سدوس بن أصمع النبهاني:
دع عنك نهبًا صبح في حجراته ولكن حديثًا ما حديث الرواحل
كأن دثارًا حلقت بلبونه عقاب تنوفي لا عقاب القواعل
تلعب باعث بذمة خالد وأودى عصام في الخطوب الأوائل
وأعجبني مشي الحزقة خالد كمشي أتان حلئت بالمناهل
أبت أجأ أن تسلم العام جارها فمن شاء فلينهض لها من مقاتل
تبيت لبوني بالقرية أمنا وأسرحها غبًا بأكناف خائل
بنو ثعل جيرانها وحماتها وتمنع من رماة سعد ونائل
تلاعب أولاد الوعول رباعها دوين السماء في رؤوس المجادل
مكللة حمراء ذات أسرة لها حبك كأنها من وصائل
- ١١ - وقال أيضًا:
أرانا موضعين لأمر غيب ونسحر بالطعام وبالشراب
عصافير وذبان ودود وأجرأ من مجلحة الذئاب
فبعض اللوم عاذلني فإني ستكفيني التجارب وانتسابي
إلى عرق الثرى وشجت عروقي وهذا الموت يسلبني شبابي
ونفسي سوف يسلبها وجرمي فيلحقني وسيكا بالتراب
ألم أفض المطي بكل خرق أمق الطول لماع السراب
وأركب في اللهام المجر حتى أنال مآكل القحم الرغاب
وكل مكارم الأخلاق صارت إليه همتي وربه اكتسابي
وقد طوفت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب
أبعد الحارث الملك ابن عمرو وبعد الخير حجر ذي القباب
أرجي من صروف الدهر لينًا ولم تغفل عن الصم الهضاب
وأعلم أنني عما قريب سأنشب في شبا ظفر وناب
[ ١٧ ]
كما لاقى أبي حجر وجدي ولا أنسى قتيلا بالكلاب
- ١٢ - وقال:
أماوي هل لي عندكم من معرس أم الصرم تختارين بالوصل نيأس
أبيني لنا إن الصريمة راحة من الشك ذي المخلوجة المتلبس
كأني ورحلي فوق أحقب قارح بشربة أوطاف بعرنان موجس
تعشى قليلًا ثم أنحى ظلوفه يشير التراب عن مبيت ومكنس
يهيل ويذري تربها ويثيره إثارة نباث الهواجر مخمس
فبات على خد أحم ومنكب وضجعته مثل الأسير المكردس
وبات إلى أرطأة حقف كأنها إذا التقتها غبية بيت معرس
فصبحه عند الشروق غدية كلاب ابن مر أو كلاب ابن سنبس
مغرثة زرقا كأن عيونها من الذمر والإيحاء نوار عضرس
فأدبر يكسوها الرغام كأنها على الصمد والآكام جذوة مقبس
وأيقن إن لاقينه أن يومه بذي الرمث إن ماوتنه يوم أنفس
فأدركنه يأخذن بالساق والنسا كما شبرق الولدان ثوب المقدس
وغورن في ظل الغضى وتركنه كقرم الهجان القادر المتشمس
- ١٣ - وقال:
ألما على الربع القديم بعسعسا كأني أنادي أو أكلم أخرسا
فلو أن أهل الدار فيها كعهدنا وجدت مقيلًا عندهم ومعرسا
فلا تنكروني إنني أنا ذاكم ليالي حل الحي غولًا فألعسا
فإما تريثي لا أغمض ساعة من الليل إلا أن أكب فأنعسا
تأوبي دائي القديم فغلسا أحاذر أن يرتد دائي فأنكسا
فيا رب مكروب كررت وراءه وطاعنت عنه الخيل حتى تنفسا
ويا رب يوم قد أروح مرجلا حبيبًا إلى البيض الكواعب أملسا
يرعن إلى صوتي إذا ما سمعنه كما ترعوي عيط إلى صوت أعيسا
أراهن لا يحببن من قل ماله ولا من رأين الشيب فيه وقوسا
وما خفت تبريح الحياة كما أرى تضيق ذراعي أن أقوم فألبسا
فلو أنها نفس تموت جميعة ولكنها نفس تساقط أنفسا
وبدلت قرحًا داميًا بعد صحة فيا لك من نعمى تحولن أبؤسا
لقد طمح الطماح من بعد أرضه ليلبسني من دائه ما تلبسا
ألا إن بعد العدم للمرء قنوة وبعد المشيب طول عمر وملبسا
- ١٤ - وقال:
لعمرك ما قلبي إلى أهله بحر ولا مقصر يومًا فيأتيني بقر
ألا إنما الدهر ليال وأعصر وليس على شيء قويم بمستمر
ليال بذات الطلح عند محجر أحب إلينا من ليال على أقر
أعادي الصبوح عند هر وفرتني وليدًا وهل أفنى شبابي غير هر
إذا ذقت فاه قلت طعم مدامة معتقة مما تجيء به التجر
هما نعجتان من نعاج تبالة لذي جؤذرين أو كبعض دمى هكر
إذا قامتا تضوع المسك منهما نسيم الصبا جاءت بريح من القطر
كأن التجار أصعدوا بسبيئة من الخص حتى أنزلوها على يسر
فلما استطابا صب في الصحن نصفه وشجت بماء غير طرق ولا كدر
بماء سحاب زل عن متن صخرة إلى بطن أخرى طيب ماؤها خصر
لعمرك ما إن ضرني وسط حمير وأقوالها إلا المخيلة والشكر
وغير الشقاء المستبين فليتني أجر لساني يوم ذلكم مجر
لعمرك ما سعد بخلة آثم ولا نأنإ يوم الحفاظ ولا حصر
لعمري لقوم قد نرى أمس فيهم مرابط للأمهار والعكر الدثر
أحب إلينا من أناس بقنة يروح على آثار شأنهم النمر
يفاكهنا سعد ويغدو لجمعنا بمثنى الزقاق المترعات وبالجزر
لعمري لسعد حيث حلت دياره أحب إلينا منك فافرس حمر
وتعرف فيه من أبيه شمائلًا ومن خاله ومن يزيد ومن حجر
سماحة ذا وبر ذا ووفاء ذا ونائل ذا إذا صحا وإذا سكر
- ١٥ - وقال يجيب سبيع بن عوف بن مالك:
لمن الديار غشيتها بسحام فعمايتين فهضب ذي أقدام
فصفا الأطيط فصاحتين فغاضر تمشي النعاج بها مع الآرام!
دار لهند والرباب وفرتني وبليس قبل حوادث الأيام
عوجا على الطلل المحيل لاننا نبكي الديار كما بكى ابن خذام
[ ١٨ ]
أو ما ترى أظعانهن بواكرًا كالنخل من شوكان حين صرام
حور تعلل بالعبير جلودها بيض الوجوه نواعم الأجسام
فظلت في دمن الديار كأنني نشوان باكره صبوح مدام
أنف كلون دم الغزال معتق من خمر عانة أو كروم شبام
وكأن شاربها أصاب لسانه موم يخالط جسمه بسقام
ومجدة نسأتها فتكمشت رتك النعامة في طريق حام
تخدى على العلات سام رأسها روعاء منسمها رثيم دام
جالت لتصرعني فقلت لها اقصري إني امرؤ صرعي عليك حرام
فجزيت خير جزاء ناقة واحد ورجعت سالمة القرا بسلام
وكأنما بدر وصيل كتيفة وكأنما من عاقل أرمام
أبلغ سبيعًا إن عرضت رسالة إني كهمك إن عشوت أمامي
أقصر إليك من الوعيد فإنني مما ألاقي لا أشد حزامي
وأنا المنبه بعد ما قد نوموا وأنا المعالن صفحة النوام
وأنا الذي عرفت معد فضله ونشدت عن حجر ابن أم قطام
وأنازل البطل الكريه نزاله وإذا أناضل لا تطيش سهامي
خالي ابن كبشة قد علمت مكانه وأبو يزيد ورهطه أعمامي
وإذا أذيت ببلدة ودعتها ولا أقيم بغير دار مقام
- ١٦ - وقال:
يا دار ماوية بالحائل فالسهب فالخبتين من عاقل
صم صداها وعفا رسمها واستعجمت عن منطق السائل
قولا لدودان عبيد العصا ما غركم بالأسد الباسل
قد قرت العينان من مالك ومن بني عمرو ومن كاهل
ومن بني غنم بن دودان إذ نقذف أعلاهم على السافل
نطعنهم سلكي ومخلوجة لفتك لأمين على نابل
إذ هن أقساط كرجل الدبى أو كقطا كاظمة الناهل
حتى تركناهم لدى معرك أرجلهم كالخشب الشائل
حلت لي الخمر وكنت امرأ عن شربها في شغل شاغل
فاليوم أسقى غير مستحقب إثمًا من الله ولا واغل
- ١٧ - وقال:
رب رام من بني ثعل مثلج كفيه في قتره
عارض زوراء من نشم غير باناة على وتره
قد أتته الوحش واردة فتنحى النزع في يسره
فرماها في فرائصها بإزاء الحوض أو عقره
برهيش من كنانته كتلظي الجمر في شرره
راشه من ريش ناهضة ثم أمهاه على حجره
فهو لا تنمى رميته ماله لا عد من نفره
مطعم للصيد ليس له غيرها كسب على كبره
وخليل قد أفارقه ثم لا أبكي على أثره
وابن عم قد تركت له صفو ماء الحوض عن كدره
وحديث الركب يوم هنا وحديث ما على قصره
- ١٨ - وقال:
يا هند لا تنكحي بوهة عليه عقيقته أحسبا
مرسعة بين أرساغه به عسم يبتغي أرنبا
ليجعل في رجله كعبها حذار المنية أن يعطبا
ولست بخزرافة في القعود ولست بطياخة أحدبا
ولست بذي رثية إفر إذا قيد مستكرهًا أصحبا
وقالت بنفسي شباب له ولمته قبل أن يشجبا
وإذ هي سوداء مثل الفحيم تغشى المطانب والمنكبا
- ١٩ - وقال في قتل شرحبيل بن عمرو بن حجر عمه ويهجو البراجم من بني تميم ويربوعًا ودارما:
ألا قبح الله البراجم كلها وجدع يربوعًا وعفر دارما
وآثر بالملحاة آل مجاشع رقاب إماء يقتنين المفارما
فما قاتلوا عن ربهم وربيبهم ولا آذنوا جارًا فيظفر سالما
وما فعلوا فعل العوير بجاره لدى باب هند إذ تجرد قائما
- ٢٠ - وقال يمدح العوير بن شجنة وقؤمة بني عوف:
إن بني عوف ابتنوا حسبا ضيعه الدخللون إذ غدروا
إدوا إلى جارهم خفارته ولم يضع بالمغيب من نصروا
لم يفعلوا فعل آل حنظلة إنهم جير بئس ما ائتمروا
لا حميري وفي ولا عدس ولا أست عير يحكها النفر
لكن عوير وفي بذمته لا عور شانه ولا قصر
- ٢١ - وقال حين بلغه أن بني أسد قتلت أباه:
تالله لا يذهب سيخي باطلا
حتى أبير مالكًا وكاهلا
القاتلين الملك الحلاحلا
[ ١٩ ]
خير معد حسبًا ونائلا
يا لهف هند إذ خطئن كاهلا
نحن جلبنا القرح القوافلا
يحملننا والأسل النواهلا
مستفرمات بالحصى جوافلا
تستنفر الأواخر الأوائلا
- ٢٢ - وقال لما ذهبت إبله:
ألا إلا تكن إبل فمعزى كأن قرون جلتها العصي
وجاد لها الربيع بواقصات فآرام وجاد لها الولي
إذا مشت حوالبها أرنت كأن الحي صبحهم نعي
تروح كأنها مما أصابت معلقة بأحقبها الدلي
فتوسع أهلها أقطًا وسمنًا وحسبك من غنى شبع وري
- ٢٣ - وقال حين غزا بني أسد فأخطأهم وأوقع ببني كنانة وهو لا يدري:
ألا يا لهف هند إثر قوم هم كانوا الشفاء فلم يصابوا
وقاهم جدهم ببني أبيهم وبالأشقين ما كان العقاب
وأفلتهن علباء جريصًا ولو أدركنه صفر الوطاب
- ٢٤ - وقال يمدح المعلى أحد بني تميم ب- ٢٤ -ن ثعلبة من جديلة طيئ وكان أجاره والمنذر بن ماء السماء يطلبه فمنعه ووفى له:
كأني إذ نزلت على المعلى نزلت على البواذخ من شمام
فما ملك العراق على المعلى بمقتدر ولا ملك الشآم
أشد نشاص ذي القرنين حتى تولى عارض الملك الهمام
أقر حشا امرئ القيس بن حجر بنو تيم مصابيح الظلام
- ٢٥ - وقال يمدح طريف بن مالك:
لنعم الفتى تعشو إلى ضوء ناره طريف بن مال ليلة الجوع والخصر
إذا البازل الكوماء راحت عشية تلاوذ من صوت المبسين بالشجر
- ٢٦ - وقال يصف تقلب الزمان ودورانه:
أبعد الحارث الملك بن عمرو له ملك العراق إلى عمان
مجاورة بن شمحى بن جرم هوانا ما أتيح من الهوان
ويمنعها بنو شمحى بن جرم معيزهم خانك ذا الحنان
- ٢٧ - وقال يصف الغيث
ديمة هطلاء فيها وطف طبق الأرض تحرى وتدر
تخرج الود إذا ما أشجدت وتواريه إذا ما تشتكر
وترى الضب خفيفًا ماهرًا ثانيًا برثنه ما ينعفر
وترى الشجراء في ربقه كروس قطعت فيها الخمر
ساعة ثم انتحاها وابل ساقط الأكناف واه منهمر
راح تمريه الصبا ثم انتحى فيه شؤبوب جنوب منفجر
ثج حتى ضاق عن آذيه عرض خيم فجفاف فيسر
قد غدا يحملني في أنفه لاحق الإطلين محبوك ممر
- ٢٨ - وقال ينازع الحارث التوءم اليشكري قال امرؤ القيس: أحار ترى بريقًا حب وهنًا فقال الحارث بن التوءم: كنار مجوس تستعر استعارا ثم قال امرؤ القيس: أرقت له ونام أبو شريح فقال الحارث: إذا ما قلت قد هدأ استطارا فقال امرؤ القيس: كان هزيزه بوراء غيب فقال الحارث: عشار وله لاقت عشارا فقال امرؤ القيس: فلما أن دنا لقفا أضاخ فقال الحارث: وهت أعجاز ريقه فحارا فقال امرؤ القيس: فلم يترك بذات السر ظبيا فقال الحارث: ولم يترك بجلهتها حمارا - ٢٩ - وقال:
أحار بن عمر وكأني خمر ويعدوا على المرء ما يأتمر
لا وأبيك ابنة العامر ي لا يدعي القوم أني أفر
تميم بن مر وأشياعها وكندة حولي جميعًا صبر
إذا ركبوا الخيل واستلأموا تحرقت الأرض واليوم قر
تروح من الحي أم تبتكر وماذا عليك بأن تنتظر
أمرخ خيامهم أم عشر أم القلب في إثرهم منحدر
وفيمن أقام عن الحي هر أم الظاعنون بها في الشطر
وهر تصيد قلوب الرجال وأفلت منها ابن عمرو حجر
رمتني بسهم أصاب الفؤاد غداة الرحيل فلم أنتصر
فأسبل دمعي كفض الجمان أو الدر رقراقه المنحدر
وإذ هي تمشي كمشي النزي ف يصرعه بالكثيب البهر
برهرهة رؤدة رخصة كخرعوبة البانة المنفطر
فتور القيام قطيع الكلا م تفتر عن ذي غروب خصر
كأن المدام وصوب الغمام وريح الخزامى ونشر القطر
يعل به برد أنيابها إذا طرب الطائر المستحر
فبت أكابد ليل التما م والقلب من خشية مقتشعر
فلما دنوت تسديتها فثوبًا نسيت وثوبًا أجر
[ ٢٠ ]
ولم يرنا كالئ كاشح ولم يفش منا لدى البيت سر
وقد رابني قولها يا هنا هـ ويحك ألحقت شرًا بشر
وقد اغتدى معي القانصان وكل بمربأة مقتفر
فيدركنا فغم داجن سميع بصير طلوب نكر
ألص الضروس حتى الضلوع تبوع طلوب نشيط آشر
فأنشب أظفاره في النسا فقلت هبلت ألا تنتصر
فكر إليه بمبراته كما خل ظهر اللسان المجر
فظل يرنح في غيطل كما يستدير الحمار النعر
وأركب في الروع خيفانة كسا وجهها سعف منتشر
لها حافز مثل قعب الولي د ركب فيه وظيف عجر
لها ثنن كخوافي العقا ب سود يفئن إذا تزبئر
وساقان كعباهما أصمعا ن لحم حماتيهما منبتر
لها عجز كصفاة المسي ل أبرز عنها جحاف مضر
لها ذنب مثل ذيل العروس تسد بها فرجها من دبر
لها متنتان خظاتاكما أكب على ساعديه النمر
لها عذر كقرون النسا ء ركبن في يوم ريح وصر
وسالفة كسحوق الليا ن أضرم فيها الغوى السعر
لها جبهة كسراة المج ن حذفه الصانع المقتدر
لها منخر كوجار الضباع فمنه تريح إذا تنبهر
وعين لها حذرة بدرة وشقت مآقيها من أخر
إذا أقبلت قلت دباءة من الخضر مغموسة في الغدر
وإن أدبرت قلت أثفية ململمة ليس فيها أثر
وإن أعرضت قلت سرعوفة لها ذنب خلفها مسبطر
وللسوط فيها مجال كما تنزل ذو برد منهمر
لها وثبات كصوب السحاب فواد خطاء وواد مطر
وتعدو كعدو نجاة الظبا ء أخطأها الحاذف المقتدر
- ٣٠ - وقال:
ألا انعم صباحًا أيها الربع وانطق وحدث حديث الركب إن شئت واصدق
وحدث بأن زالت بليل حمولهم كنخل من الأعراض غير منبق
جعلن حوايا واقتعدن قعائدا وخففن من حوك العراق المنمق
وفوق الحوايا غزلة وجآذر تضمخن من مسك ذكي وزنبق
فأتبعتهم طرفي وقد حال دونهم غوارب رمل ذي ألاء وشبرق
على إثر حي عامدين لنية فحلوا العقيق أو ثنية مطرق
فعزيت نفسي حين بانوا بجسرة أمون كبنيان اليهودي خيفق
إذا زجرت ألفيتها مشمعلة تنيف بعذق من غرس ابن معنق
تروح إذا راحت رواح جهامة بإثر جهام رائح متفرق
كأن بها هرًا جنيبًا تجره بكل طريق صادفته ومأزق
كأني ورحلي والقراب وتمرقي يرفئ ذي زوائد نقنق
تروح من أرض لأرض نطية لذكرة قيض حول بيض مفلق
يجول بآفاق البلاد مغربا وتسحقه ريح الصبا كل مسحق
وبيت يفوح المسك في حجراته بعيد من الآفات غير مروق
دخلت على بيضاء جم عظامها تعفى بذيل الدرع إذ جئت مودقي
وقد ركدت وسط السماء نجومها ركود نوادي الربرب المتورق
وقد أغتدي قبل العطاس بهيكل شديد مشك الجنب فعم المنطق
بعشا ربيئًا قبل ذاك مخملًا كذئب الغضى يمشي الضراء ويتقي
فظل كمثل الخشف يرفع رأسه وسائره مثل التراب المدقق
وجاء خفيًا يسفن الأرض بطنه ترى الترب منه لاصقًا كل ملصق
وقال ألا هذا صوار وعانة وخيط نعام.. يرتعي متفرق
فقمنا بأشلاء اللجام ولم نقد إلى غصن بان ناضر لم يحرق
نزاوله حتى حملنا غلامنا على ظهر ساط كالصليف المعرق
كأن غلامي إذ علا حال متنه على ظهر باز في السماء محلق
رأى أرنبًا فانقض يهوى أمامه إليها وجلاها بطرف ملقلق
فقلت له صوب ولا تجهدنه فيدرك من أعلى القطاه فتنزلق
فأدبرن كالجزع المفصل بينه بجيد الغلام ذي القميص المطوق
وأدركهن ثانيًا من عنانه كغيث العشي الأقهب المتودق
فصاد لنا عيرًا وثورًا وخاضبًا عداء ولم ينضح بماء فيعرق
وظل غلامي يضجع الرمح حوله لكل مهاة أو لأحقب سهوق
وقام طوال الشخص إذ يخضبونه قيام العزيز الفارسي المنطق
[ ٢١ ]
فقلنا ألا قد كان صيد لقانص فخبوا علينا كل ثوب مزرق
وظل صحابي يشتوون بنعمة يصفون غارا باللكيك الموشق
ورحنا كأنا من جؤاثى عشية نعالي النعاج بين عدل ومشنق
ورحنا بكابن الماء يجنب وسطنا تصوب فيه العين طورًا وترتقي
وأصبح زهلولًا يزل غلامنا كقدح النضي باليدين المفوق
كأن دماء الهاديات بنحره عصارة حناء بشيب مفرق
- ٣١ - وقال:
أمن ذكر سلمى إذ نأتك تنوص فتقصر عنها خطوة وتبوص
وكم دونها من مهمة ومفازة وكم أرض جدب دونها ولصوص
تراءت لنا يومًا بجنب عنيزة وقد حان منها رحلة فقلوص
بأسود ملتف الغدائر وارد وذي أشر تشوفة وتشوص
منابته مثل السدوس ولونه كشوك السيال فهو عذب يفيض
فهل تسلين الهم عنك شملة مداخلة صم العظام أصوص
تظاهر فيها الني لا هي بكرة ولا ذات ضغن في الزمام قموص
أؤوب نعوب لا يواكل نهزها إذا قيل سير المدلجين نصيص
كأني ورحلي والقراب وغرقي إذا شب للمرو والصغار وبيص
على نقنق هيق له ولعرسه بمنعرج الوعساء بيض رصيص
إذا راح للأدحي أوبًا يفنها تحاذر من إدراكه وتحيص
أذلك أم جون يطارد آتنًا فأربى حملهن دروص
طواء اضطمار الشد فالبطن شارب معالي إلى المتنين فهو خميص
بحاجبه كدح من الضرب جالب وحاركه من الكدام حصيص
كأن سرته وجدة ظهره كنائن يجري بينهن دليص
ويأكلن من قو لعاعًا وربة تجبر بعد الأكل فهو نميص
تطير عفاء من نسيل كأنه مسدس أطارته الرياح وخوص
تصيفها حتى إذا لم يسغ لها حلي بأعلى حائل وقصيص
تغالبن فيه الجزء لولا هواجر جنادبها صرعى لهن فصيص
أرن عليها قاربًا وانتحت له طوالة أرساغ اليدين نحوص
فأوردها من آخر الليل مشربًا بلائق خضرًا ماؤهن قليص
فيشربن أنفاسًا وهن خوائف وترعد منهن الكلى والفريص
فأصدرها تعلو النجاد عشية أقب كمقلاء الوليد خميص
فجحش على أدبارهن مخلف وجحش لدى مكرهن وقيص
وأصدرها بادي النواجذ قارح أقب كسكر الأندري محيص
- ٣٢ - وقال:
تطاول ليلك بالأثمد نام الخلي ولم ترقد
وبات وباتت له ليلة كليلة ذي العائر الأرمد
وذلك من نبأ جاءني وحبرته عن أبي الأسود
ولو عن نثا غيره جاءني وجرح اللسان كجرح اليد
لقلت من القول ما لايزا ل يؤثر عني يد المسند
بأي علاقتنا ترغبون أعن دم عمرو على مرثد
فإن تدفنوا الداء لا تخفه وإن تبعثوا الحرب لا نقعد
فإن تقتلونا نقتلكم وإن تقصدوا لدم نقصد
متى عهدنا بطعان الكما ة والحمد والمجد والسؤدد
وبني القباب وملء الجفا ن والنار والحطب المفاد
وأعددت للحرب وثابة جواد المحثة والمرود
سبوحًا جموحًا وإحضارها كمعمعة السعف الموقد
ومشدودة السك موضونة تضاءل في الطي كالمبرد
تفيض على المرء أردانها كفيض الأتي على الجدجد
ومطردًا كرشاء الجرو ر من خلب النخلة الأحرد
وذا شطب غامضًا كلمه إذا صاب بالعظم لم ينأد
- ٣٣ - وقال:
حي الحمول بجانب العزل إذ لا يلائم شكلها شكلي
ماذا يشق عليك من ظعن إلا صباك وقلة العقل
منيتنا بغد وبعد غد حتى بخلت كأسوأ البخل
يا رب غانية لهوت بها ومشيت متئدًا على رسلي
لا استقيد لمن دعا لصبا قسرًا ولا أصطاد بالختل
وتنوفة جرداء مهلكة جاوزتها بنجائب فتل
فيبتن ينهشن الجبوب بها وأبيت مرتفقًا على رحلي
متوسدًا عضبًا مضاربه في متنه كمدبة النمل
يدعى صقيلًا وهو ليس له عهد بتمويه ولا صقل
عفت الديار فما بها أهلي ولوت شموس بشاشة البذل
[ ٢٢ ]
نظرت إليك بعين جازئة حوراء حانية على طفل
فلها مقلدها ومقتلها ولها عليه سراوة الفضل
أقبلت مقتصدًا وراجعني حلمي وسدد للتقى فعلي
الله أنجدح ما طلبت به والبر خير حقيبة الرحل
ومن الطريقة جائر وهدى قصد السبيل ومنه ذو دخل
إني لأصرم من يصارمني وأجد وصل من ابتغى وصلي
وأخي إخاء ذي محافظة سهل الخليقة ماجد الأصل
حلو إذا ما جئت قال ألا في الرحب أنت ومنزل السهل
نازعته كأس الصبوح ولم أجهل مجدة عذرة الرجل
إني بحبلك واصل حبلي وبريش نبلك رائش نبلي
ما لم أجدك على هدى أثر يقرو مقصك قائف قبلي
وشمالي ما قد علمت وما نبحت كلابك طارقًا مثلي
- ٣٤ - وقال:
جزعت ولم أجزع من البين مجزعا وعزيت قلبًا بالكواعب مولعا
وأصبحت ودعت الصبا غير أنني أراقب خلات من العيش أربعا
فمنهن قولي للندامى ترفقوا يداجون نشاجًا من الخمر مترعا
ومنهن ركض الخيل ترجم بالقنا يبادرن سربًا آمنًا أن يفزعا
ومنهن نص العيس والليل شامل تيمم مجهولًا من الأرض بلقعا
خوارج من برية نحو قرية يجددن وصلًا أو يقربن مطمعا
ومنهن سوفي الخود قد بلها الندى تراقب منظوم التمائم مرضعا
تعز عليها ريبتي ويسوءها بكاه فتثنى الجيد أن يتضوعا
بعثت إليها والنجوم طوالع حذارًا عليها أن تقوما فتسمعا
فجاءت قطوف المشي هيابة السرى يدافع ركناها كواعب أربعا
يزجينها مشي النزيف وقد جرى صباب الكرى في مخها فتقطعا
تقول وقد جردتها من ثيابها كما رعت مكحول المدامع أتلعا
وجدك لو شيء أتانا رسوله سواك ولكن لم نجد لك مدفعا
فبتنا تسد الوحش عنا كأننا قتيلان لم يعلم لنا الناس مضرعا
تجافى عن الماثور بيني وبينها وتدنى على السايري المضلعا
إذا أخذتها هزة الروع أمسكت بمنكب مقدام على الهول أروعا