[ ٧٨ ]
أ - عنترة بن عمرو بن شداد العبسي ٦١٥ م أحد فرسان العرب وأبطالها وشعرائها، كان عبدًا أسود. وكان لا يقول من الشعر إلا البيتين أو الثلاثة، فخاصمه رجل وعيره بسواده وسواد أمه وسوى ذلك وأنه لا يقول الشعر. فقال عنترة: والله إن الناس ليترافدون الطعام فما حضرت أنت ولا أبوك ولا جدك مرفد الناس قط، وإن الناس ليدعون في الغارات فيعرفون بتسويمهم فما رأيتك في خيل مغيرة في أوائل الناس قط، وإن اللبس ليكون بيننا فما حضرت أنت ولا أبوك ولا جدك خطة فصل. وإني لأحضر البأس وأوفى المغنم، وأعف عن المسألة، وأجود بما ملكت يدي، وأفصل الخطة الصماء، وأما الشعر فستعلم. فغاب حينًا وعاد إليه فأنشده معلقته:
هل غادر الشعر من متردم أم هل عرفت الدار بعد توهم
وهي أجود شعره. وكان العرب تسميها الذهبية.
وشجاعة عنترة وبسالته دفعت أباه إلى أن يستلحقه بنسبه، وإلى أن يزوجه عمه ابنته عبلة، وكان فارس داحس والغبراء، كما كان فارس عبس، وأحد أغربة العرب المشهورين.
ب - تحليل ونقد للمعلقة: ١ - هي إحدى المعلقات السبع، ومن روائع الشعر العربي القديم مطلعها:
هل غادر الشعراء من متردم أم هل عرفت الدار بعد توهم
٢ - وتمتاز بالسهولة واللين الباديين فيها، والذين قلما يوجدان في الشعر النجدي القديم، والذين لا يخلوان من فخامة وجزالة واضحة جلية، سهلة اللفظ، قريبة المعنى، ليس بينها وبين النفس حجاب من هذه الجزالة التي تكاد تبلغ الغرابة، وإنما تسير في سهولة ويسر، وترتفع عن الإسفاف والابتداء دون تورط في الغلظة والإغراب، وعنترة فيها رقيق في غزله والإشادة ببطولته، بل هو رقيق في حديثه عن أعدائه. أليس هو الذي يقول:
فشككت بالرمح الأصم ثيابه ليس الكريم على القنا بمحرم
بل هو رقيق على فرسه، يألم لألمه، ويشقى لشقائه، ويرى بكاءه، ويسمع توجعه حين تعبث به رماح الأعداء:
فازور من وقع القنا بلبانه وشكا إلى بعبرة وتحمحم
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ولكان لو علم الكلام مكلمي
وعنترة لا تنتهي به الرقة إلى الضعف، كما لا تنتهي به الشدة إلى العنف، وكما لا ينتهي به السكر إلى ما يفسد الأخلاق والمروءة، أو الصحو إلى التقصير والعيب والبخل، وهو مقدم إذا كانت الحرب عفيف إذا قسمت الغنائم، يحاول أن يصف من أخلاقه ما يشرف به الرجل العربي الكريم، مما يستغنى عن الإبانة عنه، فيقول هذه الكلمة الرائعة: "وكما علمت شمائلي وتكرمي".
المعلقة تصوير واضح لنفسية الشاعر ومشاعره وحياته وعواطفه وبطولته وقوته وبأسه ونضاله للأعداء، ولا عجب فهي تنبع من نفسه وحياته وتصورهما تمام التصوير.
ولو لم نعرف عنترة أو نسمع بأخباره وحياته، لعرفناه من معلقته بطلا مقداما، وشجاعا فارسا، وعربيًا كريم الخلق، رقيق العاطفة، حار الشعور، يضع روحه في كفه، ويبذلها مضحيا في سبيل كرامته وشرفه وبطولته.
٣ - وقد سار فيها على نهج غيره من الشعراء فذكر الديار كما ذكروها، ووصف الناقة كما وصفوها، وافتخر بالكرم والنجدة والبطولة.
وفيها معان قلما انتهى إلى مثلها غير عنترة من الشعراء ولم يخطئ ابن سلام حين قال إن هذه القصيدة نادرة فهي نادرة حقًا، وكأنها طائفة من الأنغام الموسيقية الكثيرة المختلفة فيما بينها أشد الاختلاف، وفيها نغمة واحدة متصلة منذ بدء القصيدة إلى نهايتها تظهر واضحة حينًا، وتحسها النفس وإن لم تسمعها الأذن حينًا آخر. وهذه النغمة التي تكون وحدة هذه القصيدة كما كونت الوحدة في معلقة لبيد هي حديث الشاعر إلى صاحبته واستحضار صورتها في الفسة منذ بدء القصيدة. ولكن بين هذه النغمة في قصيدة عنترة وقصيدة لبيد فرقًا واضحًا جدًا، فهي في قصيدة عنترة حلوة رقيقة تمازج النفس فتمتزج بها لأن عنترة فيما يظهر كان حلو النفس، رقيق القلب، قوي العاطفة، جاءه ذلك من أنه عز بعد ذلة، وتحرر بعد رق، فهو قد شقي في صباح وطفولته، واحتمل الأذى في شبابه والذل الذي يمتزج بالنفس فيصفي عواطفها ويلطف حدتها. على حين نجد هذه النغمة عند لبيد غليظة خشنة، لبيد يتحدث عن صاحبته في أول القصيدة ويذكرها أثناءها ولكنه ليس متهالكًا عليها ولا متحرجًا من الصد عنها، فهو يبادل القطيعة بالقطيعة والهجر بالهجر. أما عنترة فيقول:
[ ٧٩ ]
ولقد نزلت تلافظني غيره مني بمنزلة المحب المكرم
٤ - وفيها عدة تشبيهات رائقة، كتشبيه الظليم وقد تبعته النعام بالعبد الأسود وقد ثابت إليه الإبل:
تأوي له قلص النعام كما أوت حزق بجانبه لأعجم طمطم
ومثل هذا التشبيه الرائع الذي يعجب به النقاد من القدماء ويحبونه، في الأبيات التي وصف فيها ثغر صاحبته بالجمال وطيب النشر فذكر فأرة المسك وذكر الروضة الأنف التي ألح عليها الغيث حتى زكا نبتها وكثر فيها الذباب مبتهجًا نشوان مترنمًا:
وكأن فأرة تاجر بقسيمة سبقت عوارضها إليك من الفم
أو روضة أنفا تضمن نبتها غيت قليل الدمن ليس بمعلم
جادت عليه كل بكر حرة فتركن كل قرارة كالدرهم
سحا وتسكابا فكل عشية يجري عليها الماء لم يتصرم
وخلا الذباب فيها فليس ببارح غردا كفعل الشارب المترنم
هزجا يحك ذراعه بذراعه قدح المكب على الزناد الأجذم
٥ - وكثير جدًا من أبيات هذه المعلقة قد ظفر بحظ كبير من الإيجاز والامتلاء والبراءة من اللغو والفضول، حتى جرى مجرى الأمثال، فأي الناس لا يتمثل قوله:
وإذا شربت فإنني مستهلك مالي وعرضي وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصر عن ندى وكما علمت شمائلي وتكرمي
أو قوله:
ينبئك من شهد الوقيعة أنني أغشى الوغى وأعف عند المغنم
أو قوله:
ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر للحرب دائرة على ابني ضمضم
الشاتمي عرضي ولم أشتمهما والناذرين إذا لقيتهما دمي
مما احتذاه جميل فقال:
وليت رجالًا فيك قد نذر وأدمى وهموا بقتلي يا بثين لقوني
أو قوله:
إن يفعلا فلقد تركت أباهما جزر السباع وكل نسر قشعم
وجل هذه القصيدة يجري مجرى المثل وينشد على اختلاف العصور والبيئات والظروف. فلا يمل إنشاده ولا تحس النفس نوا عنه، أو نفورا منه، وإنما تحس كأنها تجري فيه أو كأن هذا الشعور مرآة صافية صادقة لكل نفس كريمة ولكل قلب ذكي، ولكل خلق نقي.
ذلك لأن عنترة بحياته وشخصيته ومشاعره وعواطفه وآماله وآلامه كان كأنما يتحدث عن النفوس ويصف حياة الناس، ويأخذ من تجاربه وخبرته ومن فراسته وذكائه أساليبه وصوره ويستمد من إلمامه بالحياة ومعرفته ببيئته مادة بيانه وشعوره وشعره.
فعنترة في معلقته شاعر يتحدث عن البطولة في البداية وعن المجتمع الذي كان يعيش فيه وعن الحياة التي كان يتأثر بها وعن عواطف الشاعر وعن دخائل نفسه حديث المصور الماهر والشاعر العبقري.
وبعد، فكل ما في المعلقة جيد وكل أبياتها خليق أن نطيل الوقوف عنده ونفكر فيه والإعجاب به، كما يقول الدكتور طه حسين.
(ج) وفنون المعلقة كثيرة.
١ - بدأها عنترة بالغزل في ابنة عمه عبلة ومخاطبة دارها ذات الذكريات الجميلة، قال:
هل غادر الشعراء من متردم أم هل عرفت الدار بعد توهم
يا دار عبلة بالجواء تكلمي وعمي صباحًا دار عبلة واسلمي
وتحل عبلة بالجواء وأهلنا بالحزن فالصمان فالمتثلم
حبيت من طلل تقادم عهده أقوى وأقفر بعد أم الهيثم
٢ - واسنطرد إلى وصف الروضة:
أو روضة أنقا تضمن نبتها غيث قلل الدمن ليس بمعلم
جادت عليه كل بكر حرة فتركن كل قرارة كالدرهم
وخلا الذباب بها فليس ببارح غردا كفعل الشارب المترنم
هزجا يحك ذراعه بذراعه قدح لمكب على الزناد الأجذم
٣ - ثم يصف ناقته في أبيات كأبيات طرفة تمتاز بالغرابة:
هل تبلغني دارها شدنية لعنت بمحروم الشراب مصرم
٤ - ثم يفتخر بنفسه وشجاعته:
أثنى علي بما علمت فإنني سهل مخالطتي إذا لم أظلم
فإذا ظلمت فإن ظلمي باسل مر مذاقته كطعم العلقم
وإذا شربت فإنني مستهلك مالي، وعرضي وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصر عن ندى وكما علمت شمائلي وتكرمي
ويستمر في التنويه بشجاعته إلى أن يقول:
ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم
[ ٨٠ ]
لما رأيت القوم أقبل جمعهم يتذامرون كررت غير مذمم
يدعون عنتر والرماح كأنها أشطان بئر في لبان الأدهم
مازلت أرميهم بثغرة نحرة ولبانه حتى تسربل بالدم
فازور من وقع القنا بلبانه وشكا إلى بعيرة وتحمحم
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ولكان لو علم الكلام مكلمي
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها قيل الفوارس: ويك عنتر أقدم
٥ - ثم يختمها بتهديد ابني ضمضم، وكانا قد نذرا دمه وتربصا له لأنه قتل أباهما في الحرب. قال:
ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر للحرب دائرة على ابني ضمضم
الشاتمي عرضي ولم أشتمهما والناذرين إذا لم ألقهما دمي
إن يفعلا فلقد تركت أباهما جزر السباع وكل نسر قشعم
- ٢ - وقال عنترة يذكر يوم الفروق:
ألا قاتل الله الطلول البواليا وقاتل ذكراك السنين الخواليا
وقولك للشيء الذي لا تناله إذا ما هو احلولى ألا ليت ذاليا
ونحن منعنا بالفروق نساءنا نطرف عنها مشعلات غواشيا
حلفنا لهم والخيل تردى بنا معًا نزايلكم حتى تهزوا العواليا
عوالي زرقا من رماح ردينة هرير الكلاب ينقين الأفاعيا
تفاديتم أستاه نيب تجمعت على رمة من العظام تفاديا
ألم تعلموا أن الأسنة أحرزت بقيتنا لو أن للدهر باقيا
أبينا أن تضب لثاتكم على مرشقات كالظباء عواطيا
وقلت لمن أحضر الموت نفسه ألا من لأمر حازم قد بدا ليا
وقلت لهم ردوا المغيرة عن هوى سوابقها وأقبلوها النواصيا
فما وجدونا بالفروق أشابة ولا كشفًا ولا دعينا مواليا
وإنا نقود الخيل حتى رؤوسها رؤوس نساء لا يجدن فواليا
تعالوا إلى ما تعلمون فإنني أرى الدهر لا ينجي من الموت ناجيا
- ٣ - وقال عنترة أيضًا في يوم عراعر:
ألا هل أتاها أن يوم عراعر شفى سقما لو كانت النفس تشتفي
فجئنا على عمياء ما جمعوا لنا بأرعن لا خل ولا متكشف
تماروا بنا إذ يمدرون حياضهم على ظهر مقضي من الأمر محصف
وما نذروا حتى غشينا بيوتهم بغية موت مسبل الودق مزعف
فظلنا نكر المشرفية فيهم وخرصان لدن السمهري المثقف
علالتنا في كل يوم كريهة بأسيافنا والقرح لم يتقرف
أبينا فلا نعطى السواء عدونا قيامًا بأعضاد السراء المعطف
بكل هتوف عجسها رضوبة وسهم كسير الحميري المؤنف
فإن يك عز في قضاعة ثابت فإن لنا برحرحان وأسقف
كتائب شهبًا فوق كل كتيبة لواء كظل الطائر المتصرف
وغادرن مسعودًا كأن بنحره شقيقة برد من يمان مفوف
- ٤ - وقال عنترة أيضًا يهجو عمارة بن زياد:
أحولي تنفض استك مذرويها لتقتلني، فهأنذا عمار
ومتى ما تلقني فردين ترجف روانف إليتيك وتستطارا
وسيفي صارم قبضت عليه أشاجع لا ترى فيها انتشارا
وسيفي كالعقيقة وهو كمعي سلاحي لا أفل ولا فطارا
وكالورق الخفاف وذات غرب ترى فيها عن الشرع ازورارا
ومطرد الكعوب أحض صدق تخال سنانه بالليل نارا
ستعلم أينا للموت أدنى إذا دانيت بي الأسل الحرارا
ومنجوب له منهن صرع يميل إذا عدلت به الشوارا
أقل عليك ضرًا من قريح إذا أصحابه ذمروه سارا
وخيل قد زحفت لها بخيل عليها الأسد تهتصر اهتصارا
- ٥ - وقال عنترة أيضًا:
نأتك رقاش إلا عن لمام وأمسى حبلها خلق الرمام
وما ذكرى رقاش إذا استقرت لدى الطرفاء عند ابني شمام
ومسكن أهلها من بطن جزع تبيض به مصاييف الحمام
ووقفت وصحبتي بأرينبات على أقتاد عوج كالسمام
فقلت تبينوا ظعنا أراها تحل شواحطا جنح الظلام
وقد كذبتك نفسك فاكذبنها لما منتك تغريرًا قطام
ومرقصة رددت الخيل عنها وقد همت بإلقاء الزمام
[ ٨١ ]
فقلت لها اقصري منه وسيرى وقد قرع الرجائز بالخدام
أكر عليهم مهري كليمًا قلائده سبائب كالقرام
كأن دفوف مرجع مرفقيه توارثها منازيع السهام
تقعس وهو مضطمر مضر بقارحه على فأس اللجام
يقدمه فتى من خير عبس أبوه وأمه من آل حام
- ٦ - وقال عنترة:
طال الثواء على رسوم المنزل بين اللكيك وبين ذات الحرمل
فوقفت في عرصاتها متحيرًا أسل الديار كفعل من لم يذهل
لعبت بها الأنواء بعد أنيسها والرامسات وكل جون مسبل
أفمن بكاء حمامة في أيكة ذرفت دموعك فوق ظهر المحمل
كالدر أو فضض الجمان تقطعت منه عقائد سلكه لم توصل
لما سمعت دعاء مرة إذ دعا ودعاء عبس في الوغى ومحلل
ناديت عبسًا فاستجابوا بالقنا وبكل أبيض صارم لم ينحل
حتى استباحوا آل عوف عنوة بالمشرفي وبالوشيج الذبل
إني امرؤ من خير عبس منصبًا شطري، وأحمي سائري بالمنصل
إن يلحقوا أكرر، وإن يستلحموا أشدد، وإن يلفوا بضنك أنزل
حين النزول يكون غاية مثلنا ويفر كل مضلل مستوهل
ولقد أبيت على الطوى وأظله حتى أنال به كريم المأكل
وإذا الكتيبة أحجمت وتلاحظت ألفيت خيرًا من معم مخول
والخيل تعلم والفوارس أنني فرقت جمعهم بطعنة فيصل
إذ لا أبادر في المضيق فوارسي ولا أركل بالرعيل الأول
ولقد غدوت أمام راية غالب يوم الهياج وما غدوت بأعزل
بكرت تخوفني الحتوف كأنني أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل
فأجبتها إن المنية منهل لابد أن أسقى بكاس المنهل
فاقني حياءك لا أبالك واعلمي أني امرؤ سأموت إن لم أقتل
إن المنية لو تمثل مثلت مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل
والخيل ساهمة الوجوه كأنما تسقى فوارسها نقيع الحنظل
وإذا حملت على الكريهة لم أقل بعد الكريهة ليتني لم أفعل
عجبت عبيلة من فتى متهذل عاري الأشاجع شاحب كالمنصل
شعث المفارق منهج سرباله لم يدهن حولًا ولم يترجل
لا يكتسي إلا الحديد إذا اكتسى وكذاك كل مغاور مستبسل
قد طال مالبس الحديد فإنما صدأ الحديد بجلده لم يغسل
فتضاحكت عجبًا وقالت قولة لا خير فيك كأنها لم تحفل
فعجبت منها كيف زلت عينها عن ماجد طلق اليدين شمردل
لا تصرميني يا عبيل وراجعي في البصيرة نظرة المتأمل
فلرب أملح منك دلا فاعلمي وأقر في الدنيا لعين المجتلي
وصلت حبالي بالذي أنا أهله من ودها وأنا رخي المطول
يا عبل كم من غمرة باشرتها بالنفس ماكادت لعمرك تتجلى
فيها لوامع لو رأيت ذهاءها لسلوت بعد تخضب وتكحل
إما تريني قد نحلت ومن يكن غرضًا لأطراف الأسنة ينحل
فلرب أبلج مثل بعلك بادن ضخم على ظهر الجواد مهبل
غادرته متعفرًا أرصاله والقوم بين مجرح ومجدل
فيهم أخو ثقة يضارب نازلًا بالمشرفي وفارس لم ينزل
ورماحنا تكف النجيع صدورها وسيوفنا تخلى الرقاب فتختلي
والهام تندر بالصعيد كأنها تلقى السيوف بها رؤوس الحنظل
ولقد لقيت الموت يوم لقيته متسربلًا والسيف لم يتسربل
فرأيتنا ما بيننا من حاجز إلا المجن ونصل أبيض مفصل
ذكر أشق به الجماجم في الوغى وأقول لا تقطع يمين الصيقل
ولرب مشعلة وزعت رعالها بمقلص نهد المراكل هيكل
سلس المعذر لاحق أقرابه متقلب عبثًا بفأس المسحل
نهد القطاة كأنها من صخرة ملساء يغشاها المسيل بمحفل
وكأن هاديه إذا استقبلته جذع أذل وكان غير مذلل
وكأن مخرج روحه في وجهه سربان كانا مولجين لجيئل
وكأن متنيه إذا جردته ونزعت عنه الجل متنا ايل
وله حوافر موثق تركيبها صم النسور كأنها من جندل
[ ٨٢ ]
وله عسيب ذو سبيب سابغ مثل الرداء على الغني المفضل
سلس العنان إلى القتال فعينه قبلاء شاخصة كعين الأحول
وكأن مشيته إذا نهنهته بالنكل مشية شارب مستعجل
فعليه أقتحم الهياج تقحمًا فيها وأنقض انقضاض الأجدل
- ٧ - وقال عنترة:
ظعن الذين فراقهم أتوقع وجرى بينهم الغراب الأبقع
خرق الجناح كأن لحي رأسه جلمان، بالأحبار هش مولع
فزجرته ألا يفرخ عشه أبدًا، ويصبح واحدًا يتفجع
إن الذين نعبت لي بفراقهم قد أسهروا ليلى التمام فأوجعوا
ومغيرة شعواء ذات أشلة فيها الفوارس حاسر ومقنع
فزجرتها عن نسوة من عامر أفخاذهن كلهن الخروع
وعرفت أن منيتي إن تأتني لا ينجني منها الفرار الأسرع
فصبرت عارفة لذلك حرة ترسو إذا نفس الجبان تطلع
- ٨ - قال عنترة أيضًا:
ألا يا دار عبلة بالطوى كرجع الوشم في رسغ الهدي
كوحي صحائف من عهد كسرى فأهداها لأعجم طمطمي
أمن رو الحوادث يوم تسمو بنو جرم لحرب بني عدي
إذا اضطربوا سمعت الصوت فيهم خفيًا غير صوت المشرفي
وغير نوافذ يخرجن منهم بطعن مثل أشطان الركي
وقد خذلتهم ثعل بن عمرو سلاميوهم والجرولي
- ٩ - وقال عنترة أيضًا:
أمن سهية دمع العين مذروف لو أن ذا منك قبل اليوم معروف
كأنها يوم صدت ما تكلمني ظبي بعسفان ساجي الطرف مطروف
تجللتني إذ أهوى العصا قبلي كأنها صم يعتاد معكوف
المال مالكم والعبد عبدكم فهل عذابك عني اليوم مصروف
تنسى بلائي إذا ما غارة لفحت تخرج منها الطوالات السراعيف
يخرجن منها وقد بلت رحائلها بالماء تركضها المرد الغطاريف
قد أطعن الطعنة النجلاء عن عروض تصفر كف أخيها وهو منزوف
لاشك للمرء أن الدهر ذو خلف فيه تفرق ذو إلف ومألوف
- ١٠ - وقال عنترة أيضًا:
لا تذكري مهري وما أطعمته فيكون جلدك مثل جلد الأجرب
إن الغبوق له وأنت مسوءة فتأوهي ماشئت ثم تحوبي
كذب العتيق وماء شن بارد إن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي
إن الرجال لهم إليك وسيلة إن يأخذوك، تكحلي، وتخضبي
ويكون مركبك القعود وزحله وابن النعامة عند ذلك مركبي
وأنا امرؤ إن يأخذوني عنوة أقرن إلى شر الركاب وأجنب
إني أحاذر أن تقول ظعيني هذا غبار ساطع فتلبب
- ١١ - وقال عنترة أيضًا:
وفوارس لي قد علمتهم صبر على التكرار والكلم
يمشون والماذي فوقهم يتوقدون توقد الفحم
كم من فتى فيهم أخي ثقة حر أغر كقوة الرئم
ليسوا كأقوام علمتهم سود الوجوه كمعدن البرم
عجلت بنو شيبان مدتهم والبقع أستاها بنو لأم
كنا إذا نفر المطي بنا وبدا لنا أحواض ذي الرضم
نعدى فنطعن في أنوفهم نختار بين القتل والغنم
إنا كذلك يا سهى إذا غدر الحليف نمور بالخطم
وبكل مرهقة لنا نفذ بين الضلوع كطرة القدم
- ١٢ - وقال عنترة أيضًا:
كأن السرايا بين قو وقارة عصائب طير ينتحين لمشرب
وقد كنت أخشى أن أموت ولم تقم قرائب عمرو وسط نوح مسلب
شفى النفس مني أو دنا من شفائها ترديهم من حالق متصوب
تصيح الردينيات في حجباتهم صياح العوالي في الثقاف المثقب
كتائب تزحى فوق كل كتيبة لواء كظل الطائر المتقلب
- ١٣ - وقال عنترة أيضًا:
هديكم خير أبًا من أبيكم أعف وأوفى بالجوار وأحمد
وأطعن في الهيجا إذا الخيل صدها غداة الصياح السمهري المقصد
فهلا وفي الغوغاء عمرو بن جابر بذمته وابن اللقيطة عصيد
سيأتيكم عني وإن كنت نائيًا دخان العلندي دون بيتي مذود
قصائد من قبل امرئ يحتديكم بني العشراء فارتدوا وتقلدوا
- ١٤ - وقال أيضًا:
[ ٨٣ ]
تركت جرية العمري فيه شديد العير معتدل سديد
جعلت بني الهجيم له دوارًا إذا تمضى جماعتهم تعود
إذا تقع الرماح بجانبيه تولى قابعًا فيه صدود
فإن يبرأ فلم أنفث عليه وإن يفقد فحق له الفقود
وهل يدري جرية أن نبلى يكون جفيرها البطل النجيد
كأن رماحهم أشطان بئر لها في كل مدلجة خدود
- ١٥ - وقال عنترة أيضًا:
خذوا ما أسأرت منها قداحي ورفد الضيف والأنس الجميع
فلو لاقيتني وعلي درعي علمت علام تحتمل الدروع
تركت جبيلة بن أبي عدي ببل ثيابه علق نجيع
وآخر منهم أجررت رمحي وفي البجلي معبلة وقيع
- ١٦ - وقال عنترة أيضًا:
قد أرعدوني بأرماح معلبة سود لقطن من الجومان أخلاق
لم يسلبوها ولم يعطوا بها ثمنًا أيدي النعام فلا أسقاهم الساقي
عمرو بن أسود فازباء قاربة ماء الكلاب عليها الظبي معناق
- ١٧ - وقال أيضًا في قتل قرواش وقتل عبد الله بن الصمة أخي دريد:
نجا فارس الشهباء والخيل جنح على فارس بين الأسنة مقصد
ولولا يد نالته منا لأصبحت سباع تهادى شلوه غير مسند
فلا تكفر النعمى وأثن بفضلها ولا تأمنن ما يحدث الله في غد
فإن يك عبد الله لاقى فوارسا يردون خال العارض المتوقد
فقد أمكنت منك الأسنة عانية فلم نجز إذ تسعى فتيلا بمعبد
- ١٨ - وقال عنترة وتروى للربيع بن زياد العبسي:
إن تك حربكم أمست عوانًا فإني لم أكن ممن جناها
ولكن ولد سودة أرثوها وشبوا نارها لمن اصطلاها
فإني لست خاذلكم ولكن سأسعى الآن إذ بلغت إناها
- ١٩ - وقال عنترة أيضًا:
إذا لاقيت جمع بني أبان فإني لائم للجعد لاحي
كأن مؤشر العضدين جحلا هدرجا بين أقلبة ملاح
تضمن نعمتي فعدا عليها بكورًا أو تعجل في الرواح
ألم تعلم لحاك الله أني أجم إذا لقيت ذوي الرماح
كسوت الجعد جعد بني أبان سلاحي بعد عري وافتضاح
- ٢٠ - وقال أيضًا:
سائل عميرة حيث حلت جمعها عند الحروب بأي حي تلحق
أبحق قيس أم بعذرة بعدما رفع اللواء لها وبئس الملحق
واسأل حذيفة حين أرث بيننا حربًا ذوائبها بموت تخفق
فلتعلمن إذا التقت فرساننا بلوى النجيزة أن غنك أحمق
- ٢١ - وقال في قتل ورد بن حابس نضلة الأسدي:
غادرن نضلة في معرك يجر الأسنة كالمحتطب
فمن يك عن شأنه سائلًا فإن أبا نوفل قد شجب
تذاءب ورد على أثره وأدركه وقع مرد خشب
تدارك لا يتقي نفسه بأبيض كالقبس الملتهب
- ٢٢ - وقال أيضًا:
ومكروب كشفت الكرب عنه بضربة فيصل لما دعاني
دعاني دعوة والخيل تردى فما أدرى أباسمي أم كناني
فلم أمسك بسمعي إذ دعاني ولكن قد أبان له لساني
فكان إجابتي إياه أني عطفت عليه خوار العنان
بأسمر من رماح الخط لدن وأبيض صارم ذكر يمان
وقرن قد تركت لدى مكر عليه سبائب كالأرجوان
تركت الطير عاكفة عليه كما تردى إلى العرس البوانيٍ
ويمنعهن أن يأكلن منه حياة يد ورجل تركضان
فما أوهى مراس الحرب ركني ولكن ما تقادم من زماني
وقد علمت بنو عبس بأني أهش إذا دعيت إلى الطعان
وأن الموت طوع يدي إذا ما وصلت بنانها بالهندواني
ونعم فوارس الهيجاء إذا ما علقوا الأعنة بالبنان
هم قتلوا لقيطًا وابن حجر وأردوا حاجبًا وابني أبان
- ٢٣ - وقال أيضًا:
طربت وهاجتك الظباء السوانح غدت منها سنيح وبارح
فمالت بي الأهواء حتى كأنما بزندين في جوفي من الوجد قادح
تعزيت عن ذكرى سهية حقبة فبح عنك منها بالذي أنت بائح
لعمري لقد أعذرت لو تعذريني وخشنت صدرًا غيبة لك ناصح
[ ٨٤ ]
أعادل كم من يوم حرب شهدته له منظر بادي النواجذ كالح
فلم أر حيًا صابروا مثل صبرنا ولا كافحوا مثل الذين نكافح
إذا شئت لاقاني كمي مدجج على أعوجي بالطعان مسامح
نزاحف زحفًا أو نلاقي كتيبة تطاعننا أو يذعر السرح صائح
فلما التقيننا بالجفار تضعضعوا وردت على أعقابهن المسالح
وسارت رجال نحو أخرى عليهم ال حديد كما تمشى الجمال الدوالح
إذا ما مشوا في السابغات حسبتهم سيولًا وقد جاشت بهن الأباطح
فأشرع رايات وتحت ظلالها من القوم أبناء الحروب المراجح
ودرنا كما دارت على قطبها الرحى ودارت على هام الرجال الصفائح
بهاجرة حتى تغيب نورها وأقبل ليل يقبض الطرف سائح
تداعى بنو عبس بكل مهند حسام يزيل الهام والصف جانح
وكل رديني كأن سنانه شهاب بدا في ظلمة الليل واضح
فخلوا لنا عوذ النساء وخببوا عباديد منها مستقيم وجامح
وكل كعاب خدلة الساق فخمة لها منيت في آل ضبة طامح
تركنا ضرارًا بين عان مكبل وبين قتيل غاب عنه النوائح
وغمرًا وحيانا تركنا بقفرة تعودهما فيها الضباع الكوالح
يجرون هاما فلقتها سيوفنا تزيل منهن اللحى والمسائح
- ٢٤ - وقال أيضًا:
وكتيبة لبستها بكتيبة شهباء باسلة يخاف رداها
خرساء ظاهرة الأداء كأنها نار يثب وقودها بلظاها
فيها الكماة بنو الكماة كأنهم والخيل تعشر في الوغى بقناها
شهب بأيدي القابسين إذا بدت بأكفهم بهر الظلام سناها
صبر أعدوا كل أجرد سابح ونجية ذبلت وخف حشاها
يغدون بالمستلثمين عوابسًا قودًا تشكى أينها ووجاها
يحملن فتيانًا مداعس بالقنا وقرًا إذا ما الحرب خف لواها
من كل أروع ماجد ذي صولة مرس إذا لحقت خصي بكلاها
وصحابة شم الأنوف بعثتهم ليلًا وقد مال الكرى بطلاها
وسريت في وعث الظلام أقودهم حتى رأيت الشمس زال ضحاها
ولقيت في قبل الهجير كتيبة طعنت أول فارس أولاها
وضربت قربى كبشها فتجدلا وحملت مهري وسطها فمضاها
حتى رأيت الخيل بعد سودها حمر الوجوه خضن من جرحاها
يعثرن في نقع النجيع جوافلا ويطأن من حمى الوغى صرعاها
فرجعت محمودًا برأس عظيمها وتركتها جزرًا لمن ناءاها
ما استمت أنثى نفسها في موطن حتى أوفى مهرها مولاها
ولما رزأت أخا حفاظ سلعًا إلا له عندي بها متلاها
أغشى فتاة الحي عند خليلها وإذا غزا في الحرب لا أغشاها
وأغض طرفي ما بدت لي جارتي حتى يوارى جارتي مأواها
إني امرؤ سمح الخليقة ماجد لا أتبع النفس اللجوج هواها
ولئن سألت بذاك عبلة أخبرت لا أريد من النساء سواها
وأجيبها إما دعت لعظيمة وأعينها وأكف عما ساها
- ٢٥ - وقال عنترة أيضًا في قتل قراوش العبسي:
ومن يك سائلًا عني فإني وجروة لا ترود ولا تعار
مقربة الشتاء ولا تراها وراء الحي يتبعها المهار
لها بالصيف أصبرة وجل ونيب من رائمها غزار
ألا أبلغ بني العشراء عني علانية فقد ذهب السرار
قتلت سراتكم وخسلت منكم خسيلًا مثلما خسل الوبار
ولم نقتلكم سرًا ولكن علانية وقد سطع الغبار
فلم يك حقكم أن تشتمونا بني العشراء إذ جد الفخار
- ٢٦ - وقال يرثي مالك بن زهير العبسي وتولى قتله بنو بدر:
لله عينا من رأى مثل مالك عقيرة قوم أن حرى فرسان
فليتهما لم يجريا نصف غلوة وليتهما لم يرسلا لرهان
وليتهما ماتا جميعًا ببلدة وأخطأهما قيس فلا يريان
لقد جلبا حينًا وحربًا عظيمة تبيد سراة القوم من غطفان
وكان فتى الهيجا ويحمى ذمارها ويضرب عند الكرب كل بنان