[ ٤٧ ]
هذه المعلقة هي أثر آخر من آثار البلاغة العربية القديمة، يقع في تسعة وخمسين بيتًا، وصاحبها هو زهير بن أبي سلمى ربيعة بن رباح المزني. نشأ في أقاربه بني غطفان وتخرج في الشعر على خال أبيه بشامة بن الغدير، وكان يروي لأوس بن حجر أيضًا وكان أوس زوج أمه، فكان شاعرًا فحلًا، كما كان صائب الرأي عاقلًا حازمًا حكيمًا وكان يتأله ويتعفف في شعره.. ويدل شعره على إيمان بالبعث:
يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ليوم حساب أو يعجل فينقم
وفضله عمر بن الخطاب على الشعراء، لأنه كان لا يعاظل بين القول ولا يتبع حوشي الكلام ولا يمدح الرجل إلا بما هو فيه.
وكان زهير أحكمهم شعرًا، وأبعدهم من سخف وأجمعهم لكثير من المعنى في قليل من المنطق وأشدهم مبالغة في المدح.
كانت حرب داحس والغبراء بين عبس وبيان تؤرق زهيرًا وتضنيه، وتثير شاعريته. ولما سعى هرم بن سنان والحارث بن عوف المريان في الصلح وحقن الدماء وتحملا ديات القتلى أنطلقت تلك المأثرة زهيرًا، فنظم معلقته هذه يمدح هذين السيدين، وينوه بعملهما الجليل ويدعو إلى السلم وينفر من الحرب ويصف مآسيها وآلامها، وهي قصيدة رائعة، تمتاز بحكمها الكثيرة، وكان زهير ذا حكمة في شعره.. وقد بدأ زهير معلقته بذكر الديار وزيارته لها ووقوفه فيها عشرين عامًا طوالًا يتذكر ذكريات حبه ووفائه، قال:
أمن أم أوفى دمنه لم تكلم بحوماته الدراج فالمتثلم
وقفت بها من بعد عشرين حجة فلأيًا عرفت الدار بعد توهم
فلما عرفت الدار قلت لربعها ألا أنعم صباحًا أيها الربع واسلم
ثم أخذ يصف النساء اللاتي ارتحلن عنها، فيتبعن ببصره كئيبًا حزينًا، ويصف الطريق التي سلكنها، والهوادج التي كن فيها، والمياه التي نزلنها، في عذوبة وسهولة وجمال، إلى أن يقول:
فلما وردن الماء زرقا جمامه وضعن عصى الحاضر المتخيم
تذكرني الأحلام ليلى ومن تطف عليه خيالات الأحبة يحلم
ثم ينتقل إلى مدح هرم الحارث والإشادة بمنقبتهما الكريمة في إنقاذ السلام وإطفاء الحرب بين عبس وذبيان وتحملهما ديات القتلى من ما لهما، وقد بلغت ثلاثة آلاف بعير. قال:
سعى ساعيًا "غيظ بن مرة" بعدما تبزل ما بين العشيرة بالدم
فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله رجال بنوه من قريش وجرهم
يمينًا لنعم السيدان وجدتما على كل حال من سحيل ومبرم
تداركتما عبسًا وذبيان بعدما تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم
وقد قلتما إن ندرك السلم واسعًا بمال ومعروف من الأمر نسلم
فأصبحتما منها على خير موطن بعيدين فيها من عقوق ومآثم
ثم ندد بالحرب ووصف فظائعها؛ ودعا إلى السلم وأكده وأوجبه على المتحاربين، قال:
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم وما هو عنها بالحديث المرجم
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة وتضر إذا ضربتموها فتضرم
ثم ينصح قومه بأن يبقوا على السلم، ويندد بالحصين بن ضمضم وبآثار عمله في تهييج الشر وإعادة نار المحرب، وكان الحصين حين اجتمع القوم للصلح قد حمل على رجل له عنده ثأر في الحرب فقتله، ويعيد التنويه بالرجلين اللذين احتملا ديات القتلى واحدًا واحدًا على غير جريرة كانت منهما.
ثم ينتقل من هذا المجال الرهيب مجال النصح والتوجيه وتأكيد السلام، إلى مجال الحكمة الإنسانية العامة، حكمة الرجل المجرب للحياة الذي ذاقها وخبرها، وعاش في خضمها، ثم امتد به العمر فزهدها وانصرف عنها.. قال:
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله على قومه يستغن عند ويذمهم
إلى أن قال:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولًا لا أبالك يسأم
وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غد عم
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
ويختمها بتأكيد معروف السيدين الممدوحين عليه فيقول:
سألنا فأعطيتم وعدنا فعدتم ومن يكثر التسآل يومًا سيحرم
- ٢ - وقال أيضًا يمدح سنان بن أبي حارثة المري:
صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو وأقفر من سلمى التعانيق فالثقل
[ ٤٨ ]
وقد كنت من سلمى سبين ثمانيا على صبر أمر ما يمر وما يحلو
وكنت إذا ما جئت يومًا لحاجة مضت وأجمت، حاجة الغد ما تخلو
وكل محب أحدث النأي عنده سلو فؤاد غير حبك ما يسلو
تأوبني ذكر الأحبة بعده ما هجعت ودوني قلة الحزن فالرمل
فأقسمت جهدًا بالمنازل من منى وما سحقت فيها المقادم والقمل
لأرتحلن بالفجر ثم لأدأبن إلى الليل إلا أن يعرجني طفل
إلى معشر لم يورث اللؤم جدهم أصاغرهم وكل فحل له نجل
تربص فإن تقو المروراة منهم وداراتها لا تقو منهم إذن نخل
فإن تقويا منهم فإن محجرًا وجزع الحسا منهم إذن قلما يخلو
بلاد بها ندمتهم وألفتهم فإن تقويا منهم فإنهما بسل
إذا فزعوا طاروا إلى مستغيثهم طوال الرماح لا ضعاف ولا عزل
بخيل عليها جنة عبقرية جديرون يومًا أن ينالوا فيستعلوا
وإن يقتلوا فيشتفى بدمائهم وكانوا قديمًا من مناياهم القتل
عليها أسود ضاريات لبوسهم سوابغ بيض لا تخرقها النبل
إذا لقحت حرب عوان مضرة ضروس تهر الناس أنيابها عصل
قضاعية أو أختها مضرية يحرق في حافاتها الخطب الجزل
تجدهم على ما خيلت هم إزاءها وإن أفسد المال الجماعات والأزل
يحشونها بالمشرفيات والقنا وفتيان صدق لا ضعاف ولا نكل
تهامون نجديون كيدًا ونجعة لكل أناس من وقائعهم سجل
هم ضربوا عن فرجها بكتيبة كبيضاء حرس في طوائفها الرجل
متى يشتجر قوم تفل سرارتهم هم بيننا فهم رضا وهم عدل
هم جددوا أحكام كل مضلة من العقم لا يلقى لأمثالها فصل
بعزمة مأمور مطيع وآمر مطاع فلا يلقى لحزمهم مثل
ولست بلاق بالحجاز مجاورا ولا سفرًا إلا له منهم حبل
بلاد بها عزوا معدا وغيرها مشاربها عذب وأعلامها ثمل
هم خير حي من معد علمتهم لهم نائب في قومهم ولهم فضل
فرحت بما خبرت عن سيديكم وكانا امرأين كل أرهما يعلو
رأى الله بالإحسان ما فعلا بكم فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو
تداركتما الأحلاف قد ثل عرشهم وذبيان قد زلت بأقدامها النعل
فأصبحتما منها على خير موطن سبيلكما فيه وإن أحرثوا سهل
إذا السنة الشهباء بالناس أجحفت ونال كرام المال في الحجرة الأكل
رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم قطينًا بها حتى إذا نبت البقل
هنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا وإن يسألوا يعطوا وإن يسروا يغلوا
وفيهم مقامات حسان وجوههم وأندية ينتابها القول والفعل
على مكتريهم رزق من يعتريهم وعند المقلين السماحة والبذل
وإن جئتهم ألفيت حول بيوتهم مجالس قد يشفى بأحلامها الجهل
وإن قام فيهم حامل قال قاعد رشدت، فلا غرم عليك ولا خذل
سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم فلم يفعلوا، ولم يليموا، ولم يألوا
فما يك من خير أتوه فإنما توارثه آباء آبائهم قبل
وهل ينبت الخطي إلا وشيجه وتغرس إلا في مناتها النخل
- ٣ - وقال يمدح خصن بن حذيفة بن بدر:
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله وعرى أفراس الصبا ورواحله
وأقصرت عما تعلمين وسددت علي سوى قصد السبيل معادله
وقال العذارى إنما أنت عمنا وكان الشباب كالخليط زايله
فأصبحت ما يعرفن إلا خليفتي وإلا سواد الرأس والشيب شامله
لمن طلل كالوحي عاف منازله عفا الرس منه فالرسيس فعاقله
فرقد فصارات فأكناف منعج فشرقي سلمى: حوضه فأجاوله
فوادي البدي فالطوي فنادق فوادي القنان: جزعه فأفاكله
وغيث من الوسمي حو تلاعه أجابت روابيه النجا وهواطله
هبطت بممسود النواشر سابح ممر أسيل الخد نهد مراكله
تميم فلوناه فأكمل صنعه فتم وعزته يداه وكاهله
أمين شظاه لم يخرق صفاقة بمنقبة ولم تقطع أباجله
[ ٤٩ ]
إذا ما غدونا نبتغي الصيد مرة متى نره فإننا لا نخاتله
فبينا نبغي الصيد جاء غلامنا يدب ويخفى شخصه ويضائله
فقال شياه راتعات بقفرة بمستأسد القريان حو مسائله
ثلاث كأقواس السراء مسحل قد اخضر من لس الغمير جحافله
وقد خرم الطراد عنه جحاشه فلم تبق إلا نفسه وحلائله
فقال: أميري ما ترى رأي ما نرى أنختله عن نفسه أم نصاوله
فبتنا عراة عند رأس جوادنا يزاولنا عمن نفسه ونزاوله
ونضربه حتى اطمأن قذاله ولم يطمئن قلبه وخصائله
وملجمنا ما إن ينال قذاله ولا قدماه الأرض إلا أنامله
فلأيًا بلأي ما حملنا وليدنا على ظهر محبوك ظماء مفاصله
فقلت له سدد وأبصر طريقه وما هو فيه عن وصاتي شاغله
وقلت: تعلم أن للصيد غرة وإلا تضبعها فإنك قاتله
فتمع آثار الشياه وليدنا كشؤبوب غيث يحفش الأكم وابله
نظرت إليه نظرة فرأيته على كل حال مرة هو حامله
يثرن الحصى في وجهه وهو لاحق سراع تواليه صياب أوائله
فرد علينا العير من دن إلفه على رغمه يدمى نساه وفائله
ورحنا به ينضو الجياد عشية مخضبة أرساغه وعوامله
بذي ميعة لا موضع الرمح مسلم لبطء ولا ما خلف ذلك خاذله
وأبيض فياض يداه غمامة على معئفيه ما تغب فواضله
بكرت عليه غدوة فرأيته قعودًا لديه بالصريم عواذله
يفدينه طورًا وطورًا يلمنه وأعيا فما يدرين أين مخاتله
فأقصرن منه عن كريم مرزأ عزم على الأمر الذي هو فاعله
أخي ثقة لا تتلف الخمر ماله ولكنه قد يهلك المال نائله
تراه إذا ما جئته متهللًا كأنك تعطيه الذي أنت سائله
وذي نسب ناء بعيد وصلته بمال وما يدري بأنك واصله
وذي نعمة تممتها وشكرتها وخصم يكاد يغلب الحق باطله
دفعت بمعروف من القول صائب إذا ما أضل الناطقين مفاصله
وذي خطل في القول يحسب أنه مصيب فما يلمم به فهو قائله
عبأت له حلمًا وأكرمت غيره وأعرضت عنه وهو باد مقاتله
حذيفة ينميه وبدر كلاهما إلى باذخ يعلو على من يطاوله
ومن مثل حصن في الحروب، ومثله لإنكار ضيم، أو لأمر يحاوله؟
أبي الضيم والنعمان يخرق نابه عليه فأفضى والسيوف معاقله
عزيز إذا حل الخليفان حوله بذي لجب لجاته وصواهله
يهد له ما دون رملة عالج ومن أهله بالغور زالت زلازله
وأهل خباء صالح ذات بينهم قد احتربوا في عاجل أنا آجله
فأقبلت في الساعين أسأل عنهم سؤالك بالشيء الذي أنت جاهله
- ٤ - وقال يمدح هرم بن سنان وأباه وإخوته:
إن الخليط أجد البين فانفرقا وعلق القلب من أسماء ما علقا
وفارقتك برهن لا فكاك له يوم الوداع وأمسى الرهن قد غلقا
وأحلفتك ابنة البكري ما وعدت فأصبح الحبل واهنًا خلقا
قامت تراءى بذي ضال لتحزنني ولا محالة أن يشتاق من عشقا
بجيد مغزلة أدماء خازلة من الظباء تراعى شادنًا خرقا
كأن ريقتها بعد الكرى اغتبقت من طيب الراح لما يعد أن عتقا
شج لسقاة على ناجودها شبما من ماء لينة لا طرقًا ولا زنقا
مازلت أرمقهم حتى إذا هبطت أيدي الركاب بهم من راكس فلقا
دانية لشروري أو قفا أدم يسعى الحداة على آثارهم حزقا
كأن عيني في غربي مقتلة من النواضح تسقى جنة سحقا
تمطو الرشاء فتجري في ثنايتها من المحالة ثقبًا رائدًا قلقا
لها متاع وأعوان غدون به قتب وغرب إذا ما أفرغ انسحقا
وخلفها سائق يحذو إذا خشيت منه اللحاق تمد الصلب والعنقا
وقابل يتغنى كلما قدرت على العراقي يداه قائمًا دفقا
يحيل في جدول تخبو ضفادعه حبو الجواري ترى في مائه نطقا
يخرجن من شربات ماؤها طحل على الجذوع يخفن الغم والغرقا
[ ٥٠ ]
بل اذكرن خير قبس كلها حسبًا وخيرها نائلًا وخيرها خلقا
القائد الخيل منكوبًا دوابرها قد أحكمت حكمات القد والأبقا
غزت سمانًا فآبت ضمرا خدجا من بعد ما جنبوها بدنًا عققا
حتى يئوب بها عوجًا معطلة تشكو الدوابر والأنساء والصفقا
يطلب شأو امرأين قدما حسنا نالا الملوك وبذا هذه السوقا
هو الجواد فإن يلحق بشأوهما على تكاليفه فمثله لحقا
أو يسبقاه على ما كان من مهل فمثل ما قدما من صالح سبقا
أغر أبيض فياض يفكك عن أيدي العناة وعن أعناقها الربقا
وذاك أحزمهم رأيًا إذا نب أمن الحوادث عادى الناس أو طرقا
فضل الجياد على الخيل البطاء فلا يعطى بذلك ممنونًا لا نزقا
قد جعل المبتغون الخير في هرم والسائلون إلى أبوابه طرقا
وليس مانع ذي قربى وذي رحم يومًا ولا معدما من خابط ورقا
إن تلق يومًا على علاته هرما تلق السماحة منه والندى خلقا
ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ما كدب الليث عن أقرانه صدقا
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنوا ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا
هذا وليس كمن يعيا بخطته وسط الندى إذا ما ناطق نطقا
لو نال حي من الدنيا بمنزلة أفق السماء لنالت كفه الأفقا
- ٥ - وقال أيضًا:
بان الخليط ولم يأووا لمن تركوا وزودك اشتياقًا أية سلكوا
رد القيان جمال الحي فاحتملوا إلى الظهيرة أمر بينهم لبك
ما إن يكاد يخليهم لوجهتهم تخالج الأمر إن الأمر مشترك
ضحوا قليلًا قفا كتبان أسنمة ومنهم بالقسوميات معترك
ثم استمروا وقالوا إن مشربكم ماء بشرقي سلمى قيد أوركك
يغشى الحداة بهم وعث الكثيب كما يغشى السفائن موج اللجة العرك
هل تبلغني أذني دراهم قلص يزحى أوائلها التبغيل والرتك
مقورة تتبارى لا شوار لها إلا القطوع على الأنساع والورك
مثل النعام إذا هيجتها ارتفعت على الواجب بيض بينها الشرك
وقد أروح أمام الحي مقتنصًا قمرًا مراتعها القيعان والنبك
وصاحبي وردة نهد مراكلها جرداء لا فحج فيها ولا صكك
مرا كفاتًا إذا ما الماء أسهلها حتى إذا ضربت بالسوط تبترك
كأنها من قطا الأجباب حلأها ورد وأفرد عنها أختها الشرك
جونية كحصاة القسم مرتعها بالسي ما تنبت القفعاء والحسك
أهوى لها أسفع الخدين مطرق ريش القوادم لم ينصب له السبك
لا شيء أسرع منها وهي طيبة نفسًا بما سوف ينجيها وتترك
دون السماء وفرق الأرض قدرهما عند الذنابى، فلا فوت ولا درك
عند الذنابي لها صوت وأزملة يكاد يخطفها طورًا وتهتلك
حتى إذا هوت كف الغلام لها طارت وفي كفه من ريشها بتك
ثم استمرت إلى الوادي فألجأها منه وقد طمع الأظفار والحنك
حتى استغاثت بماء لا رشاء له من الأباطح في حافاته البرك
مكلل بأصول النبت تنسجه ريح خريق لضاحي مائه حبك
كما استغاث بسيء فز غيطلة خاف العيون فلم ينظر به الحشك
فزل عنها وأوفى رأس مرقبة كمنصب العتر دمى رأسه النسك
هلا سألت بني الصيداء كلهم بأي حبل جوار كنت أمتسك
فلن يقولوا بحبل واهن خلق لو كان قومك في أسبابه هلكوا
يا حار لا أرمين منكم بداهية لم يلقها سوقة قبلي ولا ملك
فاردد يسارًا لا تعف علي ولا تمعك بعرضك إن الغادر المعك
ولا تكونن كأقوام علمتهم يلوون ما عندهم حتى إذا نهكوا
طابت نفوسهم عن حق خصمهم مخافة الشر فارتدوا لما تركوا
تعلمن ها "لعمر الله" ذا قسما فاقدر بذرعك وانظر أين تنسلك
لئن حللت بجو في بني أسد في دين غمرو وحالت بيننا فدك
ليأتينك مني منطق قذع باق كما دنس القبطية الودك
- ٦ - وقال أيضًا:
[ ٥١ ]
تعلم أن شر الناس حي ينادي في شعارهم يسار
ولولا عسبه لرددتموه وشر منيحة عسب معار
إذا جمحت نساؤكم إليه أشظ كأنه مسد مغار
يبربر حين يغدو من بعيد إليها وهو قبقاب قطار
كطفل ظل يهدج من بعيد ضئيل الجسم يعلوه انبهار
إذا أبزت به يومًا أهلت كما تبزى الصفائد والعشار
فأبلغ إن عرضت لهم رسولا بني الصيداء إن نفع الجوار
فإن الشعر ليس له مرد إذا ورد المياه به التجار
- ٧ - وقال أيضًا:
أبلف بني نوفل عني وقد بلغوا مني الحفيظة لما جاءني الخبر
القائلين يسارًا لا تناظره غشًا لسيدهم في الأمر إذا أمروا
إن ابن ورقاء لا تخشى غوائله لكن وقائعه في الحرب تنتظر
لولا ابن ورقاء والمجد التليد له كانوا قليلًا فما عزوا ولا كثروا
المجد في غيرهم لولا مآثره وصبره نفسه والحرب تستعر
أولى لهم ثم أولى أن تصيبهم مني بواقر لا تبقي ولا تذر
وأن يعلل ركبان المطي بهم بكل قافية شنعاء تشتهر
- ٨ - وقال أيضًا يمدح الحارث:
أبلغ لديك بني الصيداء كلهم أن يسارًا أتانا غير مغلول
ولا مهان ولكن عند ذي كرم وفي حبال وفي غير مجهول
يعطي الجزيل ويسمو وهو متئد بالخيل والقوم في الرجراجة الجول
وبالفوارس من ورقاء قد علموا فرسان صدق على جرد أبابيل
في حومة الموت إذ ثابت حلائبهم لا مقرفين، ولا عزل، ولا ميل
في ساطع من غيابات ومن رهج وعثير من دقاق الترب منخول
أصحاب زند وأيام لهم سلفت من حاروا أعذبوا عنه بتنكيل
أو صالحوا فله أمن ومنتفذ وعقد أهل وفاء غير مخذول
- ٩ - وقال يمدح هرم بن سنان المري:
قف بالديار التي لم يعفها القدم بلى وغيرها الأرواح والديم
لا الدار غيرها بعدي الأنيس ولا بالدار لو كلمت ذا حاجة صمم
دار لأسماء بالغمريز ماثلة كالوحي ليس بها من أهلها أرم
وقد أراها حديثًا غير مقوية السر منها فوادي الجفر فالهدم
فلا لكان إلى وادي الغمار، ولا شرقي سلمى، ولا قيد، ولا رهم
شطت بهم قرقرى: برك بأيمنهم والعاليات، وعن أيسارهم خيم
عوم السفين، فلما حال دونهم فند الفريات فالعتكان فالكرم
كان عيني وقد سال السليل بهم وعبرة ما هم لو أنهم أمم!
غرب على بكرة أو لؤلؤ قلق في السلك خان به رباته النظم
عهدي بهم يوم باب القريتين زال الهماليج بالفرسان واللجم
فاستبدلت بعدنا دارًا يمانية ترعى الخريف فأدنى دارها ظلم
إن البخيل ملوم حيث كان ول كن الجواد على علاته هرم
هو الجواد الذي يعطيك نائله عفوًا ويظلم أحيانًا فيظلم
وإن أتاه خليل يوم مسئلة يقول لا غاثب مالي ولا حرم
القائد الخيل منكوبًا دوابرها منها الشنون ومنها الزاهق الزهم
قد عوليت فهي مرفوع جواشنها على قوائم عوج لحمها زيم
تنبذ أفلاءها في كل منزلة تفتح أعينها العقبان والرخم
فهي تتلع بالأعناق يتبعها خلج الأجرة في أشداقها ضجم
تخطو على ربذات غير فائرة تحذى وتعقد في أرساغها الخدم
قد أبدأت قطفًا في المشي منشرة ال أكتاف تنكبها الحزان والأكم
يهوى بها ماجد سمح خلائقه حتى إذا ما أناخ القوم فاحتزموا
صدت صدودًا عن الأشوال واشترفت فبلا تقلقل في أعناقها الجذم
كانوا فريقين يصغون الزجاج على قعس الكواهل في أكتافها شمم
وآخرين ترى الماذي عدتهم من نسج داود أو ما أورثت إرم
هم يضربون حبيك البيض إذ لحقوا لا ينكصون إذا ما استلحموا وحموا
ينظر فرسانهم أمر الرئيس وقد شد السروج على أثباجها الحزم
يمرونها ساعة مريًا بأسوقهم حتى إذا ما بدا للغارة النعم
[ ٥٢ ]
شدوا جميعًا وكانت كلها نهزًا تحشك درتها الأرسان والجذم
ينزعن إمة أقوام لذي كرم بحر يفيض على العافين إذ عدموا
حتى تآوى إلى لا فاحش برم ولا شحيح إذا أصحابه غنموا
يقسم ثم يسوي القسم بينهم معتدل الحكم لا هار ولا هشم
فضله فرق أقوام ومجده مالم ينالوا وإن جادوا وإن كرموا
قود الجياد وإصهار الملوك وصبر في مواطن لو كانوا بها سئموا
ينزع إمة أقوام ذوي حسب مما ييسر أحيانًا له الطعم
ومن ضريبته التقوى ويعصمه من سيئ العثرات الله والرحم
مورث المجد لا يغتال همته عن الرياسة لا عجز ولا سأم
كالهندواني لا يحزنك مشهده وسط السيوف إذا ما تضرب البهم
- ١٠ - وقال زهير أيضًا يمدح هرما:
لمن الديار بقنة الحجر أقوين من حجج ومن شهر؟
لعب الزمان بها وغيرها بعدى سوافي المور والقطر
قفرًا بمندفع النحائت من ضفوى أولات الضال والسدر
دع ذا وعد القول في هرم حير البداة وسيد الحضر
تالله قد علمت سراة بني ذبيان عام الحبس والأصر
أن نعم معترك الجياع إذا خب السفير وسابي الخمر
ولنعم حشو الدرع أنت إذا دعيت نزال ولج في الذعر
حامي الذمار على محافظة ال جلى أمين مغيب الصدر
حدب على المولى الضريك إذا نابت عليه نوائب الدهر
ومرهق النيران يحمد في ال لأواء غير معلن القدر
ويقيك ما وفى الأكارم من حوب تسب به ومن غدر
وإذا برزت به برزت إلى صافي الخليقة طيب الخبر
متصرف للمجد معترف للنائبات يراح للذكر
جلد يحث على الجميع إذا كره الظنون جوامع الأمر
فلأنت تفرى ما خلقت وبع ض القوم يخلق ثم لا يفرى
ولانت أشجع حين تتجه ال أبطال من ليث أبي أجر
ورد عراض الساعدين حدي د الناب بين ضراغم غثر
يصطاد أحدان الرجال فما تنفك أجريه على ذحر
والستر دون الفاحشات وما يلقاك دون الخير من ستر
أثنى عليك بما علمت وما سلفت في النجدات والذكر
لو كنت من شيء سوى بشر كنت المنور ليلة البدر
- ١١ - وقال أيضًا:
عفا من آل فاطمة الجواء فيمن فالقوادم الحساء
فذو هاش فميث عريينات عفتها الريح بعدك والسماء
فذروة فالجناب كأن خنس النعاج الطاويات بها الملاء
يشمن بروقه ويرش أرى ال جنوب على حواجبها العماء
فلما أن تحمل آل ليلى جرت بيني وبينهم ظباء
جرت سنحًا فقلت لها أجيزي نوى مشمولة فمتى البقاء؟
تحمل أهلها منها فبانوا على آثر من ذهب العفاء
كأن أوابد الثيران فيها هجائن في مغابنها الطلاء
لقد طالبتها ولكل شيء وإن طالت لجاجته انتهاء
تنازعها المها شبهًا ودر الن حور وشاكهت فيها الظباء
فأما ما فويق العقد منها فمن أدماء مرتعها الخلاء
وأما المقلتان فمن مهاة وللدر الملاحة والصفاء
فصرم حبلها إذ صرمته وعادى أن تلاقيها العداء
بآرزة الفقارة لم يخنها قطاف في الركاب ولا خلاء
كأن الرحل منها فوق صعل من الظلمان جؤجؤه هواء
أصك مصلم الأذنين أجنى له بالسي تنوم وآء
أذلك أم شتيم الوجه جأب عليه من عقيقته عفاء
تربع صارة حتى إذا ما فنى الدحلان عنه والإضاء
ترفع للقنان وكل فج طباه الرعي منه والخلاء
فأوردها حياض صنيبعات فألفاهن ليس بهن ماء
فشج بها الأماعز فهي تهوى هوي الدلو أسلمها الرشاء
فليس لحاقه كلحاق إلف ولا كنجائها منه نجاء
وإن مالا لوعث خازمته بألواح مفاصلها ظماء
يخر نبيذها عن حاجبيه فليس لوجهه منه غطاء
يغرد بين خرم مفضيات صواف لم يكدرها الدلاء
[ ٥٣ ]
يفضله إذا اجتهدا عليه تمام السن منه والذكاء
كأن سحيله في كل فجر على أحساء يمئود دعاء
فآض كأنه رجل سليب على علياء ليس له رداء
كأن بريقه برقان سحل جلا عن متنه حرض وماء
فليس بغافل عنها مضيع رعيته إذ غفل الرعاء
وقد أغدو على ثبة كرام نشاوى واجدين لما نشاء
لهم راح وراووق ومسك تعل به جلودهم وماء
يجرون البرود قد تمشت حميا الكأس فيهم والغناء
تمشى بين قتلى قد أصيبت نفوسهم ولم تغرق دماء
وما أدرى وسوف إخال أدرى أقوم آل حصن أم نساء
فإن قالوا: النساء مخبئات فحق لكل محصنة هداء
وإما أن يقول بنو مصاد إليكم إننا قوم براء
وإما أن يقولوا قد وفينا بذمتنا فعادتنا الوفاء
وإما أن يقولوا قد أبينا فشر مواطن الحسب الإباء
وإن الحق مقطعه ثلاث يمين أو نفار أو حلاء
فذلكم مقاطع كل حق ثلاث كلهن شفاء
فلا مستكرهون لما منعتم ولا تعطون إلا أن تشاءوا
جوار شاهد عدل عليكم وسيان الكفالة والتلاء
بأي الجيرتين أجرتموه فلم يصلح لكم إلا الأداء
وجار شار معتمدًا إليكم أجاءته المخافة والرجاء
فجاور مكرمًا حتى إذا ما دعاه الصف وانقطع الشتاء
ضمنتم ماله وغدا جميعًا عليكم نقصه وله النماء
ولولا أن ينال أبا طريف إسار من مليك أو لحاء
لقد زارت بيوت عليم من الكلمات آنية ملاء
فتجمع أيمن منا ومنكم بقسمة تمور بها الدماء
سيأتي آل حصن حيث كانوا من المثلات باقية ثناء
فلم أر معشرًا أسروا هديًا ولم أر جاء بيت يستباء
وجار البيت والرجل المنادي أمام الحي عقدهما سواء
أبى الشهداء عندك من معد فليس لما تدب له خفاء
تلجلج مضغة فيها أنيض أصلت فهي تحت الكشح داء
غصصت بنيئها فبشمت منها وعندك لو أردت لها دواء
وإني لو لقيتك فاجتمعنا لكان لكل مندية لقاء
فأبرئ موضحات الرأس منه وقد يشفى من الجرب الهناء
فمهلًا آل عبد الله عدوا مخازي لا يدب لها الضراء
أرونا سنة لا عيب فيها يسوى بيننا فيها السواء
فإن تدعوا السواء فليس بيني وبينكم بني حصن بقاء
ويبقى بيننا قدع وتلفوا إذن قومًا بأنفسهم أساءوا
وتوقد ناركم شررًا ويرفع لكم في كل مجمعة لواء
- ١٢ - وقال زهير أيضًا يمدح هرما:
لمن طلل برامة لا يريم عفا وخلا له حقب قديم
تحمل أهله منه فبانوا وفي عرصاته منهم رسوم
يلحن كأنه يدا فتاة ترجع في معاصمها الوشوم
عفا عن آل ليلى بطن ساق فأكثبة العجالز فالقصيم
تطالعنا خيالات لسلمى كما يتطلع الدين الغريم
لعمر أبيك ما هرم بن سلمى بملحي إذا اللؤماء ليموا
ولا ساهى الفؤاد ولاعبي ال لمسان إذا تشاجرت الخصوم
وهو غبث لنا في كل عام يلوذ به المخول والعديم
وعود قومه هرم عليه ومن عاداته الخلق الكريم
كما قد كان عودهم أبوه إذا أزمتهم يومًا أزوم
كبيرة مغرم أن يحملوها تهم الناس أو أمر عظيم
لينجو من سلامتها وكانوا إذا شهدوا العظائم لم يليموا
كذلك خيمهم ولكل قوم إذا مستهم الضراء خيم
وإن سدت به لهوات ثغر يشار إليه جانبه سقيم
مخوف بأسه يكلاك منه عتيق لا ألف ولا سئوم
له في الذاهبين أروم صدق وكان لكل ذي حسب أروم
- ١٣ - وقال أيضًا:
ألا أبلغ لديك بني تميم وقد تأتيك بالخبر الظنون
بأن بيوتنا بمحل حجر بكل قرارة منها نكون
إلى قلهى تكون الدار منا إلى أكتاف دومة فالجحون
بأودية أسافلهن روض وأعلاها إذا خفنا حصون
نحل بسهلها فإذا فزعنا جرى منهن بالأصلاء عون
[ ٥٤ ]
وكل طوالة وأقب نهد مرًا كلها من النعداء جون
تصمر بالأصائل كل يوم تسن على سنابكها القرون
وكانت تشتكي الأضغان منها ال لجون الخب واللحج الحرون
وخرجها صوارخ كل يوم فقد جعلت عرائكها تلين
وعزتها كواهلها وكلت سنابكها وقدحت العيون
إذا رفع السياط لها تمطت وذلك من علالتها متين
ومرجعها إذا نحن انقلبنا نسيف البقل واللبن الحقين
فقري في بلادك إن قومًا متى يدعوا بلادهم يهونوا
أو انتجعي سنانًا حيث أمسى فإن الغيث منتجع معين
متى تأتيه تأتي لج بحر تقاذف في غواربه السفين
له لقب لباغي الخير سهل وكيد حين تبلوه متين
- ١٤ - وقال أيضًا:
رأيت بني آل امرئ القيس أصفقوا علينا وقالوا: إننا نحن أكثر
سليم بن منصور وأفناه عامر وسعد بن بكر والنصور وأعصر
خذوا حظكم يا آل عكرم واذكروا أواصرنا والرحم بالغيب تذكر
خذوا حظكم من ودنا إن قربنا إذا ضرستنا الحرب نار تسعر
وإنا وإياكم إلى ما تسومكم لمثلان أو أنتم إلى الصلح أفقر
إذا ما سمعنا صارخًا معجت بنا إلى صوته ورق المراكل ضمر
وإن شل ريعان الجميع مخافة نقول جهارًا ويلكم لا تنفروا
على رسلكم إنا سنعدي وراءكم فتمنعكم أرماحنا أو سنعذر
وإلا فإنا بالشر به فاللوى نعقر أمات الرباع ونيسر
- ١٥ - وقال أيضًا:
لعمرك والخطوب مغيرات وفي طول المعاشرة التقالي
لقد باليت مظعن أم أوفى ولكن أم أوفى لا تبالي
- ١٦ - وقال أيضًا:
إن الرزية لا رزية مثلها ما تبتغي غطفان يوم أضلت
إن الركاب لتبتغي ذا مرة بجنوب نخل إذا الشهور أحلت
ينعون خير الناس عند كريهة عظمت رزيتهم هناك وجلت
ولنعم حشو الدرع كان إذا سطا نهلت من العلق الرماح وعلت
- ١٧ - وقال زهير أيضًا:
ألا ليت شعري هل ترى الناس ما أرى من الأمر أو يبدو لهم ما بدا ليا
بدا لي أن الله حق فزادني إلى الحق تقوى الله ما كان باديا
بدا لي أن الناس تفنى نفوسهم وأموالهم ولا أرى الدهر فانيا
وإني متى أهبط من الأرض تلعة أجد أثرًا قبلي جديدًا وعافيا
أراني إذا ما بت بت على هوى وأني إذا أصبحت أصبحت غاديا
إلى حفرة أهدى إليها مقيمة يحث إليها سائق من ورائيا
كأني وقد خلفت تسعين حجة خلعت بها عن منكبي ردائيا
بدا لي أني لست مدرك ما مضى ولا سابقي شيء إذا كان جاثيا
أراني إذا ما شئت لاقيت آية تذكرني بعض الذي كنت ناسيا
وما إن أرى نفسي تقيها كريهتي وما إن تقي نفسي كرائم ماليا
ألا لا أرى على الحوادث باقيا ولا خالدًا إلا الجبال الرواسيا
وإلا السماء والبلاد وربنا وأيامنا معدودة واللياليا
ألم تر أن الله أهلك تبعًا وأهلك لقمان بن عاد وعاديا
وأهلك ذا القرنين من قبل ما ترى وفرعون جبارًا طغى والنجاشيا
ألا لا أرى ذا أمة أصبحت به فتتركه الأيام وهي كما هيا
ألم تر للعمان كان بنجوة من الشر لو أن امرأ كان ناجيا
فغير منه ملك عشرين حجة من الدهر يوم واحد كان غاويا
لم أر مسلوبًا له مثل ملكه أقل صديقًا باذلًا أو مؤاسيا
فأين الذين كان يغطى جياده بأرسائهن والحسان الغواليا
وأين الذين كان يعطيهم القرى بغلاتهن والمئين الغواديا
وأين الذين يحضرون جفانه إذا قدمت ألقوا عليها المراسيا
رأيتهم لم يشركوا بنفوسهم منيته لما رأوا أنها هيا
خلا أن حيًا من رواحة حافظوا وكانوا أناسًا يتقون المخازيا
فساروا له حتى أناخوا ببابه كرام المطايا والهجان المتاليا
فقال لهم خيرًا وأثنى عليهم وودعهم وداع أن لا تلاقيا
[ ٥٥ ]
وأجمع أمرًا كان ما بعده له وكان إذا ما اخلولج الأمر ماضيا
- ١٨ - وقال زهير أيضًا لأم ولده كعب:
قالت أم كعب لا تزرني فلا والله مالك من مزار
رأيتك عبتني وصددت عني فكيف عليك صبري واصطباري
فلم أفسد بنبك ولم أقرب إليك من الملمات الكبار
أقيمي أم كعب واطمئني فإنك ما أقمت بخير دار
- ١٩ - وقال زهير يمدح هرم بن سنان أيضًا عن أبي عمرو المفضل:
خشيت ديارًا بالبقيع فثهمد دوارس قد أقوين من أم معبد
أربت بها الأرواح كل عشية فلم يبق إلا آل خيم منضد
وغير ثلاث كالحمام خوالد وهاب محيل هامد متلبد
فلما رأيت أنها لا تجيبني نهضت إلى وجناء كالفحل جلعد
جمالية لم يبق سيري ورحلتي على ظهرها من نيها غير محفد
متى ما تكلفها مآبة منهل فتستعف أو تنهك إليه فتجهد
برده ولما يخرج السوط شأوها مروحًا جنوح الليل ناجية الغد
كهمك إن تجهد تجدها نجيحة صبورًا وإن تسترخ عنها تزيد
وتنضح ذفراها بجون كأنه عصيم كحيل في المراجل معقد
وتلوى بربان العسيب تمره على فرج محروم الشراب مجدد
تبادر أغوال العشي وتاتقي علالة ملوي من القد مخصد
كخنساء سفعاء الملاطم حرة مسافرة مزؤودة أم فرقد
غدت بسلاح مثله يتقى به ويؤمن جأش الخائف المتوحد
وسامعتين تعرف العتق فيهما إلى جذر مدلوك الكعوب محدد
وناظرتين تطرحان قذاهما كأنهما مكحولتان بإثمد
طباها ضحاء أو خلاء فحالفت إلي السباع في كناس ومرقد
أضاعت فلم تغفر لها خلونها فلاقت بيانًا عند آخر معهد
دمًا عند شلو تخجل الطير حوله وبضع لحام في إهاب مقدد
وتنفض عنها غيب كل خميلة ونخشى رماة الغوث من كل مرصد
فجالت على وحشيها وكأنها مسربلة في رزاقى معضد
ولم تدر وشك البين حتى رأتهم وقد قعدوا أنفاقها كل مقعد
وثاروا بها من جانبيها كليهما وحالت وإن تجشمنها الشد تجهد
تبذ الألى يأتينها من ورائها وإن تتقدمها السوابق تصطد
فأنقذها من غمرة الموت أنها رأت أنها إن تنظر النبل تقصد
نجاء مجد ليس فيه وتيرة وتذيبها عنها بأسحم مذود
وجدت فألقت بينهن وبينها غبارًا كما فارت دواخن غرقد
بملتئمات كالخذاريف قوبلت إلى جوشن خاطى الطريقة مسند
إلى هرم تهجيرها ووسيجها تروح من الليل التمام وتغتدي
إلى هرم سارت ثلاثًا من اللوى فنعم مسير الواثق المتعمد
سواء عليه أي حين أتيته أساعة نحس يتقي أم بأسعد
أليس بضراب الكماة بسيفه وفكاك أغلال الأسير المقيد
كليث أبي شبلين يحمي عرينه إذا هو لاقى نجدة لم يعرد
ومدره حرب حميها يتقى به شديد الرجام باللسان وباليد
وثقل على الأعداء لا يضونه وحمال أثقال ومأوى المطرد
أليس بفياض يداه عمامة ثمال اليتامى في السنين محمد
إذا ابتدرت قيس بن عيلان غاية من المجد من يسبق إليها يسود
سبقت إليها كل طلق مبرز سبوق إلى الغايات غير مجلد
كفضل جواد الخيل يسبق عفوه ال راع وإن يجهدن يجهد ويبعد
تقي نقي لم يكثر غنيمة بنهكة ذي القربى ولا بحقلد
سوى ربع لم يأت فيه مخونة ولا رهقًا من عائذ متهود
يطيب له أو افتراض بسيفه على دهش في عارض متوقد
فلو كان حمد يخلد الناس لم تمت ولكن حمد الناس ليس بمخلد
ولكن منه باقيات وراثة فأورث بنيك بعضها وتزود
تزود إلى يوم الممات فإنه ولو كرهته النفس آخر موعد
- ٢٠ - وقال يمدح سنان بن أبي حارثة:
أمن آل ليلى عرفت الطلولا بذي حرض ماثلات مثولا
بلين وتحسب آياته ن عن فرط حولين رقًا محيلا
إليك سنان الغداة الرحي ل أعصى النهاة وأمضى الفئولا
[ ٥٦ ]
فلا تأمني غزو أفراسه بني وائل وازهبيه جديلا
وكيف اتقاء امرئ لا يئو ب بالقوم في الغزو حتى يطيلا
بشعث معطلة كالقسي غزون مخاضًا وأدين حولا
نواشز أطباق أعناقها وضمرها قافلات قفولا
وإذا أدلجوا لحوال الغوا ر لم تلف في القوم نكسًا ضئيلا
ولكن جلدًا جميع السلا ح ليلة ذلك عضًا بسيلا
فلما تبلج ما فوقه أناخ فشن عليه الشليلا
وضاعف من فوقها نثرة يرد القواضب عنها فلولا
مضاعفة كأضاة المسي ل تغشى على قدميه فضولا
فنهنهها ساعة ثم قا ل للوازعين خلوا السبيلا
فأتبعهم فيلقًا كالسراب جأواء تتبع شخبًا ثعولا
عناجيج في كل رهو ترى رعالًا سراعًا تبارى رعيلا
جوانح يخلجن الظبا ء يركضن ميلًا وينزعن ميلا
فظل قصيرًا على صحبه وظل على القوم يومًا طويلا
@طرفة بن العبد