- ١ - اشتهر بالجود والكرم حتى جرى ذكره مجرى الأمثال فيقال "أجود من حاتم الطي" وقد وصل إلينا من شعره قليل جاء في ديوان الحماسة وكتاب الأغاني وغيرهما من كتب الأدب، وله ديوان معروف باسمه وتوفي حاتم سنة ٦٠٥م، وقبره بعوارض، وهو جبل لبني طي، ويحكى عن جوده الحكايات الكثيرة، ومن غريبها أن نفرًا من بني أسد مروا بقبر حاتم فقالوا: نزلنا بحاتم فلم يقرنا، وجعلوا ينادون: يا حاتم ألا تقرى أضيافك؟ ثم ناموا جميعًا وكان رئيس القوم رجلًا يقال له أبو الخيبري فنام أيضًا، حتى إذا كان السحر وثب وجعل يصيح: وا رحلتاه. فقال له أصحابه: مالك! قال: خرج والله حاتم بالسيف وأنا أنظر إليه حتى عقر ناقتي. قالوا: كذبت. فنظروا إلى راحلته فإذا هي منخزلة لا تنبعث. قالوا والله قراك. فظلوا يأكلون من لحمها ثم أردفوه فانطلقوا فساروا، وإذا راكب يلحقهم فنظروا فإذا هو عدي بن حاتم راكبًا قارنًا جملًا أسود فلحقهم وقال أيكم أبو الخبيرى فدلوه عليه فقال جاءني أبي في النوم فذكر لي شتمك له وأنه قرى راحلتك لأصحابك وقد قال في ذلك أبياتًا ورددها حتى حفظتها وهي:
أبا الخيبرى وأنت امرؤ حسود العشيرة شتامها
فماذا أردت إلى رمة بداوية صخب هامها
تبغي أذاها وإعسارها وحولك غوث وانعامها
وإنا لنطعم أضيافنا من ال كرم بالسيف نعتامها
وقد أمرني أن أحملك على جمل فدونكه فأخذوه وركبه وذهبوا.
ولم يبلغ أحد في الجود ما بلغ حاتم، وهو من بني الحشرج من طي وأحد شعراء الجاهلية.. ويكنى أبا عدي وأبا سفانة.. وأدرك ابنه الإسلام وأسلم.
قال عدي قلت يا رسول الله: إن أبي كان يصل الرحم ويفعل كذا وكذا، قال: إن أباك أراد أمرًا فأدركه يعني الذكر. وكانت سفانة بنته أتى بها إلى رسول الله ﷺ فقالت، يا محمد هلك الولد، وغاب الرافد فإن رأيت أن تتخلى عني ولا تشمت بي أحياء العرب فإن أبي سيد قومه، وكان يفك العاني ويحمي الذمار ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشى السلام، ولم يطلب إليه طالب قط حاجة فرده، أنا ابنة حاتم طي.. فقال النبي ﷺ: يا جارية هذه صفة المؤمن لو كان أبوك إسلاميًا لترحمنا عليه، خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق.
[ ١١٢ ]
قال ابن الأعرابي كان حاتم من شعراء الجاهلية، وكان جوادًا يشبه جوده شعره، ويصدق قوله فعله، وكان حيثما نزل عرف منزله، وكان مظفرًا إذا قاتل غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا ضرب بالقداح فاز، وإذا سابق سبق، وإذا أسر أطلق. وكان إذا أهل رجب نحر في كل يوم عشرة من الإبل وأطعم الناس واجتمعوا عليه، وكان أول ما ظهر من جوده أن أباه خلفه في إبله وهو غلام، فمر به جماعة من الشعراء، فيهم عبيد بن الأبرص، وبشر بن أبي خازم، والنابغة الذبياني، يريدون النعمان بن المنذر، فقالوا هل من قرى؟ ولم يعرفهم. فقال أتسألوني القرى وقد رأيتم الإبل والغنم، انزلوا فنزلوا فنحر لكل واحد منهم، وسألهم عن أسمائهم، فأخبروه ففرق فيهم الإبل والغنم، وجاء أبوه فقال: ما فعلت؟ قال طوقتك مجد الدهر طةق الحمامة وعرفه القضية، فقال أبوه إذا لا أساكنك بعدها أبدا ولا آويك. فقال حاتم: إذا لا أبالي.
ومن حديثه، أنه خرج في الشهر الحرام يطلب حاجة، فلما كان بأرض عنزة ناداه أسير لهم: يا أبا سفانة أكلني الاسار والقمل. فقال: ويحك ما أنا في بلاد قومي وما معي شيء، وقد أسأت بي إذ نوهت باسمي ومالك مترك، ثم ساوم به العنزيين واشتراه منهم فخلاه وأقام مكانه في قيده حتى أتى بفدائه فأداه إليهم.
وحدثت ماوية امرأة حاتم أن الناس أصابتهم سنة فأذهبت الخف والظلف فبتنا ذات ليلة بأشد الجوع فأخذ حاتم عديا وأخذت سفانة فعللناهما حتى ناما، ثم أخذ يعللني بالحديث لأنام، فرققت لما بعد من الجهد فأمسكت عن كلامه لينام ويظن أني نائمه، فقال لي أنمت مرارًا فلم أحبه، فسكت ونظر من وراء الخباء فإذا شيء قد أقبل فرفع رأسه، فإذا امرأة تقول: يا أبا سفانة قد أتيتك من عند صبية جياع. فقال أحضريني صبيانك فوالله فأشبعنهم. قالت: فقمت سريعًا فقلت بماذا يا حاتم فوالله ما نام صبيانك من الجوع إلا بالتعليل، فقام إلى فرسه فذبحه ثم أجج نارًا وقال اشتوى وكلي وأطعمي ولدك. وقال لي أيقظي صبيتك فأيقظتهم، ثم قال والله إن هذا للؤم أن تأكلوا وأهل الصرم حالهم كحالكم فجعل يأتي الصرم بيتًا بيتًا ويقول: عليكم النار فاجتمعوا وأكلوا وتقنع بكسائه وقعد ناحية حتى لم يوجد من الفرس على الأرض قليل ولا كثير ولم يذق منه شيئا.
- ٢ - ولحاتم الطائي شعر كثير وهو من البلاغة بمكان، والمذكور في ديوانه بعض منه ومن شعره يخاطب امرأته ماوية بنت عبد الله:
أيا ابنة عبد الله وابنة مالك ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد
إذا ما صنعت الزاد فالتمس له اكيلا فإني لست آكله وحدي
أخا طارقا أو جار بيت فإنني أخاف مذ مات الأحاديث من بعدي
وإني لعبد الضيف مادام ثاويا وما في إلا تلك من شيمة العبد
عني بذي البردين عامر بن أحيمر بن بهدلة. وكان من حديث البردين حين لقب به أن الوفود اجتمعت عند المنذر بن ماء السماء وهو المنذر بن امرئ القيس، وماء السماء قيل أمه، نسب إليها لشرفها، وقيل لقبت بماء السماء لصفاء نسبها ويقال لنقاء لونها، ويراد أنها كماء السماء لم يحتمل كدورة. وأخرج المنذر بردين يوما يبلو الوفود، وقال ليقم أعز العرب قبيلة فليأخذهما، فقام عامر بن أحيمر فأخذهما وائتزر بأحدهما وارتدى بالآخر. فقال له المنذر: أأنت أعز العرب قبيلة؟ قال العز والعدد في معد، ثم في نزار ثم في مضر، ثم في خندف ثم في تميم، ثم في سعد ثم في كعب، ثم في عوف، ثم في بهدلة، فمن أنكر هذا فلينافرني. فسكت الناس، فقال المنذر هذه عشيرتك كما تزعم فكيف أنت في أهل بيتك وفي نفسك؟ فقال أنا أبو عشرة وأخو عشرة وخال عشرة، وعم عشرة، وأما أنا في نفسي فشاهد العز شاهدي ثم وضع قدمه على الأرض فقال: من أزالها عن مكانها فله مائة من الإبل؟ فلم يقم إليه أحد من الحاضرين، ففاز بالبردين.
ومن شعر حاتم أيضًا قوله:
وعاذلة قامت علي تلومني كأني إذا أعطيت مالي أضيمها
أعاذل أن الجود ليس بمهلكي ولا مخلد النفس الشحيحة لومها
وتذكر أخلاق الفتى وعظامه مغيبة في اللحد بال رميمها
ومن يبتدع ما ليس من خيم نفسه يدعه ويغلبه على النفس خيمها
ومن ذلك قوله أيضًا:
أكف يدي عن أن ينال التماسها أكف أصحابي حين حاجتنا معا
[ ١١٣ ]
أبيت هضيم الكشح مضطمر الحشا من الجوع أخشى الذم أن أتضلعا
وإني لأستحيي رفيقي أن يرى مكان يدي من جانب الزاد أقرعا
وانك مهما تعط بطنك سؤله وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
وقال أيضًا:
أما والذي لا يعلم السر غيره ويحيي العظام البيض وهيم رميم
لقد كنت أختار القرى طاوي الحشا محافظة من أن يقال لئيم
وإني لأستحيي يميني وبينها وبين فمي داجي الظلام بهيم
وقال أيضًا:
ولما رأيت الناس هرت كلابهم ضربت بسيفي ساق أفعى فخرت
وقلت لأصباء صغار ونسوة بشهباء من ليل الثمانين قرت
عليكم من الشطين كل ورية إذا النار مست جانبيها أرمعلت
وقال أيضًا:
لا تشتري قدري إذا ما طبختها على إذا ما تطبخين حرام
ولكن بهذاك اليفاع فأوقدي بجزل إذا أوقدت لا بضرام
وقال أيضًا:
وقائلة أهلكت بالجود مالنا ونفسك حتى ضربت نفسك جودها
فقلت دعيني إنما تلك عادتي لكل كريم عادة يستعيدها
وهو القاتل لغلامه يسار، وكان إذا اشتد البرد وكلب الشتاء أمر غلامه فأوقد نارًا في بقاع من الأرض، لينظر إليها من أضل الطريق ليلا فيصمد نحوه:
أوقد فإن الليل ليل قر والريح يا واقد ريح صر
عل يرى نارك من يمر إن جلبت ضيفا فأنت حر
وقال أيضًا:
أماوي قد طال التجنب والهجر وقد عذرتنا في طلابكم العذر
أماوي إن المال غاد ورائح ويبقى من المال الأحاديث والذكر
أماوي إما مانع فمبين وإما عطاء لا ينهنهه الزجر
أماوي إني لا أقول لسائل إذا جاء يومًا حل في مالي النذر
أماوي لا يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
أماوي إن يصبح صداي بقفرة من الأرض لا ماء لدي ولا خمر
ترى إن ما أنفقت لم يك ضرتي وأن يدي مما بخلت به صفر
إذا أنا دلاني الذين بلونني بمظلمة لج جوانبها غبر
وراحوا سراعا ينفضون أكفهم يقولون قد أدمى أظافرنا الحفر
أماوي إن المال مال بذلته فأوله شكر وآخره ذكر
وقد يعلم الأقوام لو أن حاتما أراد ثراء المال كان له وفر
ولا أظلم ابن العم إن كان إخوتي شهودا وقد أودى باخوته الدهر
غنينا زمانا بالتقصد والغنى وكل سقانا وهو كاسينا الدهر
فما زادنا مأوى على ذي قرابة غنانا ولا أزرى بأحلامنا الفقر
وله قصيدة طويلة تتعلق بالكرم ومكارم الأخلاق، وهي مسطورة في الخماسة البصرية وغيرها.. وهي هذه:
وعاذلتين هبتا بعد هجعة تلومان متلافا مفيدا ملوما
تلومان لما غور النجم ضلة فتى لا يرى الإنفاق في الحمد مغرما
فقلت وقد طال العتاب عليهما وأوعدني تماني أن تبينا وتصرما
ألا لا تلوماني على ما تقدما كفى بصروف الدهر للمرء محكما
فإنكما لا ما مضى تدركانه ولست على ما فاتني متندما
فنفسك أكرمها فإنك إن تهن عليك فلن تلقى مدى الدهر مكرما
أهن للذي تهوى البلاد فإنه إذا مت كان المال نهبا مقسما
ولا تشقين فيه فيسد وارث به حين تغشى أغبر الجوف مظلما
يقسمه غنما ويشرى كرامة وقد صرت في خط من الأرض أعظما
قليلا به ما يحمدنك وارث إذا نال مما كنت تجمع مغنما
تحلم عن الأدنين واستبق ودهم ولن تستطيع الحلم حتى تحلما
وعوراء قد أعرضت عنها فلم تضر وذمي أود قومته فتقوما
وأغفر عوراء الكريم ادخاره وأعرض عن شتم اللئيم تكرما
ولا أخذل المولى وإن كان خاذلا ولا أشتم ابن العم إن كان مفحما
ولا زادني عنه منأى تباعدا وإن كان ذا نقص من المال مصرما
وليل بهيم قد تسربلت هوله إذا الليل بالنكس الدنيء تجهما
ولن يكسب الصعلوك حمدًا ولا غنى إذا هو لم يركب من الأمر معظما
لحا الله صعلوكا مناه وهمه من العيش أن يلقى لبوسًا ومغنما
[ ١١٤ ]
ينام الضحى حتى إذا نومه استوى تنبه مثلوج الفؤاد مورما
مقيم مع المثرين ليس ببارح إذا نال وجدي من الطعام ومجثما
ولله صعلوك يساور همه وتمضي على الأحداث والدهر مقدما
فتى طلبات لا يرى الخمص ترحة ولا شبعة إن نالها عد مغنما
إذا ما رأى يومًا مكارم أعرضت تيمم كبراهن ثمت صمما
ويغشى إذا ما كان يوم كريهة صدور العوالي فهو مختضب دما
يرى رمحه ونبله ومجنه وذا شطب عضب الضريبة مخذما
وأحناء سرج قاتر ولجامه عتاد فتى هيجا وطرفا مسموما
فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه وإن عاش لم يقعد ضعيفًا مذمما
وعلى الجملة فشعر حاتم صوره لنفسه وأخلاقه وجوده، ولذلك قال ابن الأعرابي: جوده يشبه شعره.
وهو غزير البحر، فياض بالأمثال والحكم والمعاني المتصلة بالجود واللوم عليه وما يتصل به من جمال الذكر وحسن الأحدوثة.
وقد ترى بعض التفاوت في شعره، وذلك إنما يرجع إلى كثرة المدسوس عليه، وجمع شعره في ديوان طبع بلندن وبيروت. وتوفي حاتم نحو سنة ٤٥ ق. هـ.
- ٣ - ويقول فيه الشريشي في شرح المقامات: أبو عدي فارس شاعر جاهلي أحد الأجواد الذين يضرب بهم المثل بل هو أشهر منهم، وهم كعب بن أمامة وهرم بن سنان وحاتم، وكان إذا قاتل غلب وإذا غنم أنهب وإذا سئل وهب وإذا قامر سبق وإذا أسر أطلق وإذا أثر أنفق ويقال إنه لا يعرف ميت قرى أضيافه إلا هو وذلك أن ركبًا من العرب نزلوا بموضع قبره وقد نفذ زادهم وفيهم رجل يكنى أبا خيبرى فجعل يقول: أبا سفانة أما تقرى أضيافك أبا سفانة إن أضيافك جياع، ويعيدها، فلما نام ثار من نومه وهو يقول: وا راحلتاه عقرت والله ناقتي، فقال له أصحاب: وكيف؟ قال رأيت أبا سفانة قد انشق عنه قبره فاستوى قائمًا ينشدني:
أبا خيبرى لأنت امرؤ ظلوم العشيرة لوامها
وماذا تريد إلى رمة بداوية صخب هامها
أتبغي أذاهم وأسعارها ودونك طي وأنعامها
ثم عمد إلى سيفي فانتضاه من غمده وعقر ناقتي وقال: دونكم فما أيقظني إلا رغاؤها، وإذا الناقة ترغو ما تنبعث، فقالوا قد والله قراك حاتم. فنحروها وأكلوا وتزودوا واقتسموا متاع أبي خيبرى واستمروا لوجهتهم فلما صاروا في الظهيرة وضح لهم راكب يجنب بعيرا يؤم سمتهم حتى التقوا فقال لهم أفيكم أبو خيبرى؟ قالوا نعم، فقال فإن عدي بن حاتم رأى أباه البارحة وهو يقول إن أبا خيبرى وأصحابه استقروني فقريتهم ناقته فعوضه منها وزده بكرا يحمل عليه متاعه وهذه الناقة وهذا البكر فارتحل أبو خيبرى الناقة وتخفف هو وأصحابه من أزوادهم على البكر ومضوا بأتم قرى.. وأدرك عدي ابنه النبي ﷺ، وروى عنه، وكان يحدث أصحابه بهذا الحديث بعد إسلامه.. وقال الشاعر في عدي:
أبوك أبو سفانة الخير لم يزل لدن شاب حتى مات في الخير راغبا
قرى قبره الأضياف إذ نزلوا به ولم يقر قبر قبله الدهر راكبا
وكانت سفانة بنته من أجود نساء العرب وكان أبوها يعطيها الصرمة من إبله فتهبها وتعطيها للناس، فقال لها أبوها: يا بنية إن الغويين إذا اجتمعا في المال أتلفاه فإما أن أعطي وتمسكي وإما أن أمسك وتعطي فإنه لا يبقى على هذا شيء. فقالت والله لا أمسك أبدا. قال وأنا لا أمسك أبدا، قالت فلا نتجاور، فقاسمها ماله وتباينا.. وحكي أن أمه كانت من أسخى الناس وأقراهم للضيف وكانت لا تحبس شيئًا تملكه، وهي عتبة بنت عفيف بن عمرو بن عبد القيس، فلما رأى إخوتها إتلافها حجروا عليها ومنعوها مالها حتى إذا ظنوا أنها قد وجدت ألم ذلك أعطوها سرمة من إبلها، فجاءتها امرأة من هوازن تسألها، فقالت دونك الصرمة فخذيها فوالله لقد عضني من الجوع مالا أمنع بعده سائلا أبدا.. ثم أنشأت تقول:
لعمري لقد ما عضني الجوع عضة فآليت أن لا أمنع الدهر جائعا
فقولا لهذا اللائم اليوم أعفني فإن أنت لم تفعل فعض الأصابعا
فماذا عسيتم أن تقولوا لأختكم سوى عذلكم أو عذل من كان معانا
وهل ما ترون اليوم إلا طبيعة وكيف بتركي ياابن أم الطبائعا؟
[ ١١٥ ]
فقد اكتنفه الجود من أمه وأبيه.. وقالت امرأته النوار: أصابتنا سنة اقشعرت لها الأرض واغبر أفق السماء وضنت المراضع عن أولادها فما تبض بقطرة فأيقنا بالهلاك، فوالله إني لفي ليلة صبيرة بعيدة الطرفين إذ تضاعى صبيتنا جوعا، عبد الله وعدي وسفانة، فقام إلى الصبيين وقمت إلى الصبية فوالله ما سكتوا إلا بعد هدأة من الليل وأقبل يعللني بالحديث فعرفت ما يريد فتناومت، فلما تغورت النجوم إذا شيء قد رفع كسر البيت فقال من هذا فقالت جاريتك فلانة أتيتك من عند صبية يتعاوون من الجوع عواء الذئب فما وجدت معلولا إلا عليك أبا عدي، فقال اعجليهم فقد أشبعك الله وإياهم فأقبلت تحمل اثنين ويمشي إلى جانبها أربعة كأنها نعامة حولها رثالها، فقام إلى فرسه فوجا لبتها بمدية فخرت ثم كشط الجلد ودفع المدية إلى المرأة وقال: شأنك. فاجتمعنا على اللحم نشوي ونأكل، ثم جعل يأتيهم بيتًا بيتًا ويقول هبوا أيها القوم عليكم بالنار فاجتمعوا، والتف في ثوبه ناحية ينظر إلينا والله إن ذاق منها مزعة، وإنه لأحوج إليها منا فأصبحنا وما على الأرض منها إلا عظم وحافر فأنشأ يقول:
مهلا نوار أقلي اللوم والعذلا ولا تقول لشيء فات ما فعلا
ولا تقولي لشيء كنت مهلكه مهلا وإن كنت معطي العنس والجملا
يرى البخيل سبيل الماء واحدة إن الجواد يرى في ماله سبلا
ولم يكن يمسك شيئًا ما عدا فرسه وسلاحه فإنه كان لا يجود بهما.. وذكر الحريري أن عقيلا تمثل بقول حاتم: شنشنة أعرفها من أخزم.
- ٤ - ويروى أن الحكم بن أبي العاص خرج ومعه عطر يريد الحيرة، وكان بالحيرة سوق يجتمع إليها الناس كل سنة، فمر في طريقه بحاتم بن عبد الله الطائي، فسأله الجوار في أرض طيء حتى يصير إلى الحيرة، فأجاره، ثم أمر حاتم بجزور فنحرت وطبخت، ثم دعاهم إلى الطعام فأكلوا ولما فرغوا من الطعام طيبهم الحكم من طيبه.
وكان النعمان بن المنذر قد جعل لبني لام ربع الطريق طعمة لهم، لأن بنت سعد بن حارثة بن لأم كانت عنده ومر سعد بن حارثة بحاتم ومعه قومه من بني لام، فوضع حاتم سفرته وقال: اطعموا حياكم الله! فقالوا: من هؤلاء الذين معك يا حاتم؟ قال هؤلاء جيراني. قال له سعد: فأنت تجير علينا في بلادنا! قال له: أنا ابن عمكم وأحق من لم تخفروا ذمته. فقالوا: لست هناك! وأرادوا أن يفضحوه، ووثبوا إليه وتناول سعد حاتمًا، فأهوى له حاتم بالسيف، وأطار أرنبة أنفه، ووقع الشر حتى تحاجزوا ثم قالت بنو لام لحاتم: بيننا وبينك سوق الحيرة فنماجدك، ثم وضعوا تسعة أفراس رهنًا ووضع حاتم فرسه رهنًا عند رجل من كلب وخرجوا حتى انتهوا إلى الحيرة. وسمع بذلك إياس بن قبيصة الطائي فخاف أن يعينهم النعمان بن المنذر ويقويهم بماله وسلطانه للصهر الذي بينهم وبينه فجمع رهطه من بني حية، وقال: يا بني حية إن هؤلاء القوم قد أرادوا أن يفضحوا ابن عمكم في مماجدته، فقال رجل منهم: عندي ناقة سوداء ومائة ناقة حمراء أدماء، وقام آخر فقال: عندي عشرة حصن على كل حصان منها فارس مدجج لا يرى منه إلا عيناه، وقال حسان بن جبلة الخير: قد علمتم أن أبي قد مات وترك خيرًا كثيرًا، فعلى كل خمر ولحم أو طعام ما أقاموا في سوق الحيرة، ثم قام إياس فقال: على مثل جميع ما أعطيتم كلكم - وحاتم لا يعلم بشيء مما فعلوا.
وذهب حاتم إلى ابن عمه وهم بن عمرو، وكان مصارمًا له لا يكلمه فقالت له امرأته: أي وهم، هذا والله أبو سفانة حاتم قد طلع. فقال: ما لنا ولحاتم! أثبتي النظر. فقالت: ها هو. قال: ويحك! هو لا يكلمني، فما جاء به إلي؟ ثم نزل حتى سلم عليه فرد سلامه وحياه ثم قال له: ما جاء بك يا حاتم؟ قال: خاطرت على حسبك وحسبي. قال في الرحب والسعة، هذا مالي وعدته تسعمائة بعير فخذها مائة مائة حتى تذهب الإبل أو تصيب ما تريد.
ثم إن إياس بن قبيصة قال لقومه: احملوني إلى الملك، وكان به نقرس، فحمل حتى أدخل عليه فقال: أنعم صباحًا أبيت اللعن! فقال النعمان: وحياك إليهك. فقال إياس: أنمد أختانك بالمال والخيل وجعلت بني ثعل في قعر الكنانة! أظن أختانك أن يصنعوا بحاتم كما صنعوا بعامر بن جوين لم يشعروا أن بني حية بالبلد؟ فإن شئت والله ناجزناك حتى يسفح الوادي دمًا فليحضروا مجادهم غدًا بمجمع العرب.
[ ١١٦ ]
فعرف النعمان الغضب في وجهه وكلامه فقال له: يا أحلمنا لا تغضب فإني سأكفيك. وأرسل النعمان إلى سعد بن حارثة وإلى أصحابه فقال: انظروا ابن عمكم حاتمًا فأرضوه، فوالله ما أنا بالذي أعطيكم مالي تبذرونه وما أطيق بني حية.
فخرج بنو لام إلى حاتم وقالوا له: أعرض عن هذا المجاد ندع أرش أنف ابن عمنا. قال: لا والله لا أفعل حتى تتركوا أفراسكم ويغلب مجادكم، فتركوا أرش أنف صاحبهم وأفراسهم وقالوا: قبحها الله وأبعدها! فعمد إليها حاتم فعقرها وأطعمها الناس.
- ٥ - ولما وجه رسول الله ﷺ إلى طيء فريقًا من جنده، يقدمهم على ﵇، فزع عدي بن حاتم الطائي - وكان من أشد الناس عداء لرسول الله - إلى الشام فصبح على القوم، واستاق خيلهم ونعمهم ورجالهم ونساءهم إلى رسول الله.
فلما عرض عليه الأسرى نهضت من بين القوم سفانة بنت حاتم، فقالت: يا محمد، هلك الوالد، وغاب المرافد. فإن رأيت أن تخلي عني، ولا تشمت بي أحياء العرب! فإن أبي كان سيد قومه، يفك العاني، ويقتل الجاني، ويحفظ الجار، ويحمي الذمار، ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام ويفشي السلام، ويحمل الكل، ويعين على نوائب الدهر، وما أتاه أحد في حاجة فرده خائبًا، أنا بنت حاتم الطائي!.
فقال النبي ﷺ: يا جارية، هذه صفات المؤمنين حقًا، لو كان أبوك مسلمًا لترحمنا عليه. خلوا عنها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق. ثم قال: "ارحموا عزيزًا ذل، وغنيًا افتقر، وعالمًا ضاع بين جهال". وامتن عليها بقومها فأطلقهم تكريمًا لها.
فاستأذنته في الدعاء له، فأذن لها. وقال لأصحابه: اسمعوا وعوا. فقالت: أصاب الله ببرك مواقعه، ولا جعل لك إلا لئيم حاجة، ولا سلب نعمة عن كريم قوم إلا جعلك سببًا في ردها عليه.
فلما أطلقها رجعت إلى أخيها عدي وهو بدومة الجندل، فقالت له: يا أخي إيت هذا الرجل قبل أن تعلقك حبائله. فإني قد رأيت هديا ورأيا سيغلب أهل الغلبة. ورأيت خصالا تعجبني، رأيته يحب الفقير، ويفك الأسير، ويرحم الصغير، ويعرف قدر الكبير، وما رأيت أجود ولا أكرم منه، فإن يكن نبيًا فللسابق فضله، وإن يكن ملكًا فلن تزال في عز ملكه، فقدم عدي إلى رسول الله فأسلم، وأسلمت سفانة!.
- ٦ - ويروى أن عبد قيس بن خفاف البرجمي أتى حاتم طيء في دماء حملها عن قومه، فأسلموه فيها، وعجز عنها، فقال: والله لآتين من يحملها عني. وكان شريفًا شاعرًا شجاعًا.
فلما قدم عليه قال: إنه وقعت بيني وبين قومي دماء فتواكلوها، وإني حملتها في مالي وأهلي، فقدمت مالي وأخرت أهلي، وكنت أملي، فإن تحملتها فرب حق قد قضيته، وهم قد كفيته، وإن حال دون ذلك حائم لم أذمم يومك، ولم أيأس من غدك، ثم أنشأ يقول:
حملت دماء للبراجم جمة فجئتك لما أسلمني البراجم
وقالوا سفاهًا: لم حملت دماءنا فعلت لهم: يكفي الحمالة حاتم
متى آته فيها يقل لي مرحبًا وأهلا وسهلا أخطأتك الأشائم
فيحملها عني، وإن شئت زادني زيادة من جلت عليه المكارم
يعيش الندى ما عاش حاتم طيء فإن مات قامت للسخاء مآتم
ينادين: مات الجود معك فلا ترى مجيبا له ما حام في الجو حائم
وقال رجال: أنهب العام ماله فقلت لهم: إني بذلك عالم
ولكنه يعطى من أموال طيء إذا جلف المال الحقوق اللوازم
فيعطى التي فيها الغنى وكأنه لتصغيره تلك المطية جارم
بذلك أوصاه عدي وحشرج وسعد وعبد الله تلك القماقم
فقال له حاتم: إني كنت لأحبن مثلك من قومك، هذا مرباعي من مغارة على بني تميم خذه وافرا، فإن وفى بالحمالة، وإلا كملتها لك، وهو مائنا بعير سوى نيبها وفصالها، مع أني لا أحب أن تؤبس قومك بأموالهم.
فضحك أبو جبيل، وقال: أي بعير دفعته إلي، وليس ذنبه في يد صاحبه فأنت منه بريء، فدفعها إليه وزاده مائة بعير فأخذها وانصرف راجعًا إلى قومه، فقال حاتم في ذلك:
أتاني البرجمي أبو جبيل لهم في حمالته طويل
فقلت له: خذ المرباع منها فإني لست أرضى بالقليل
على حال ولا عودت نفسي على علاتها علل البخيل
فخذها إنها مائنا بمير سوى الناب الرذية والفصيل
[ ١١٧ ]
فلا من عليك بها، فإني رأيت المن يزرى بالجميل
فآب البرجمي وما عليه من أعباء الحمالة من فنيل
يجر الذيل ينفض مذرويه خفيف الظهر من حمل ثقيل!
- ٧ - وقالت ماوية امرأة حاتم: أصابتنا سنة اقشعرت لها الأرض، واغبر أفق السماء وراحت الإبل حدبا حدابير، وضنت المراضع على أولادها، فما تبض بقطرة، وحلقت ألسنة المال، وأبقنا بالهلاك. فوالله أنا لفي ليلة صنبر، بعيدة مابين الطرفين، إذ تضاغى صبيتنا جوعًا: عبد الله وعدي وسفانة، فقام حاتم إلى الصبيين، وقمت أنا إلى الصبية، وأقبل يعللني بالحديث، فعرفت ما يريد، فتناومت.
فلما تهورت النجوم، إذا شيء قد رفع كسر البيت ثم عاد. فقال حاتم: من هذا؟ قالت: جارتك فلانة، أتيتك من عند صبية يتعاوون عواء الذئاب، فما وجدت معلولا إلا عليك يا أبا عدي. فقال: أعجليهم فقد أشبعك الله!.
فأقبلت المرأة تحمل اثنين ويمشي بجانبها أربعة، كأنها نعامة حولها رثالها، فقام حاتم إلى فرسه فوجأ لبته بمدية فخر. ثم كشطه ودفع المدية إلى المرأة، فقال لها: شأنك! فاجتمعنا على اللحم نشوي ونأكل. ثم جعل يمشي الحي يأتيهم بيتًا بيتًا فيقول: هبوا أيها القوم، عليكم بالنار، فاجتمعوا والتفع وجلس في ناحية ينظر إلينا. فوالله إن ذاق منه مزعة وانه لأحوج إليه منا، فأصبحنا وما على ظهر الأرض من الفرس إلا عظم وحافر، فأنشأ حاتم يقول:
مهلا نوار أقلي اللوم والعذلا ولا تقولي لشيء فات ما فعلا
ولا تقولي لمال كنت مهلكه مهلا وإن كنت أعطي السهل والجبلا
يرى البخيل المال واحدة إن الجواد يرى في ماله سبلا
- ٨ - ولما تزوج حاتم ماوية، وكانت من أحسن النساء، لبثت عنده زمنًا ثم إن ابن عم له يقال له مالك قال لماوية: ما تصنعين بحاتم؟ فوالله لئن وجد شيئًا ليتلفنه، ولئن لم يجد ليتكلفن، ولئن مات ليتركن ولده عيالا على قومه، طلقي حاتمًا وأنا أتزوج بك، فأنا خير لك منه وأكثر مالًا، وأنا أمسك عليك وعلى ولدك. فقالت ماوية: صدقت إنه لكذلك فلم يزل بها حتى طلقت حاتمًا.
وكانت النساء أو بعضهن يطلقن الرجال في الجاهلية. وكان طلاقهن أنهن يحولن أبواب بيوتهن إن كان الباب إلى المشرق جعلنه إلى المغرب، وإن كان الباب قبل اليمن جعلنه قبل الشام، فإذا رأى ذلك الرجل علم أنها قد طلقته فلم يأتها.
فأتى حاتم فوجدها قد حولت باب الخباء فقال لابنه: يا عدي ما ترى أمك؟ ما عدا عليها! قال: لا أدري غير أنها غيرت باب الخباء، وكأنه لم يلحن لما قال. فدعاه فهبط به بطن واد.
وجاء قوم فنزلوا على باب الخباء، كما كانوا ينزلون فتوافى خمسون رجلًا فضاقت بهم ماوية ذرعًا، فقالت لجاريتها: اذهبي إلى مالك فقولي له إن أضيافًا لحاتم قد نزلوا بنا وهم خمسون رجلًا فأرسل إلينا بنات نقرهم ولبن نعبقهم.
وقالت لجاريتها: انظري إلى جبينه وفمه فإن شافهك بالمعروف فاقبلي منه وإن ضرب بلحييه على زوره فارجعي ودعيه.
فلما أتت مالكًا وجدته متوسدًا وطبا من لبن، فأيقظته وأبلغته الرسالة وقالت، إنما هي الليلة حتى يعلم الناس مكانه، فأدخل يده في رأسه وضرب بلحييه على زوره، فقال لها: أقرئي ﵍، وقولي لها هذا الذي أمرتك أن تطلقي حاتمًا من أجله. فما عندي من كبيرة، قد تركت العمل، وما كنت لأنحر صفية غزيرة بشحم كلاها، وما عندي لبن يكفي أضياف حاتم.
فرجعت الجارية فأخبرتها بما رأت منه، وأعلمتها بمقالته، فقالت لها: ويلك ائتي حاتمًا فقولي له: إن أضيافك قد نزلوا الليلة بنا، ولم يعلموا بمكانك، فأرسل إلينا بنات ننحرها ونقرهم، وبلبن نسقهم، فإنما هي الليلة حتى يعرفوا مكانك.
فأتت الجارية حاتمًا فصرخت به، فقال حاتم لبيك، قريبًا دعوت، فقالت: إن ماوية تقرأ عليك السلام، وتقول لك: إن أضيافك قد نزلوا بنا الليلة، فأرسل إليهم بناب ننحرها لهم ولبن نسقهم. فقال: نعم وأبي! ثم قام إلى الإبل فأطلق اثنتين من عقاليهما، ثم صاح بهما حتى أتى الخباء، فضرب عراقيبهما، فطفقت ماوية تصيح وتقول: هذا الذي طلقتك فيه، تترك ولدك وليس لهم شيء.
- ٩ -
[ ١١٨ ]
وكانت امرأة من العرب من بنات ملوك اليمن ذات جمال وكمال، وحسب ومال، فآلت ألا تزوج نفسها إلا من كريم، ولئن خطبها لئيم لتجد عن أنفه، فتحاماها الناس حتى انتدب إليها زيد الخيل، وحاتم بن عبد الله، وأوس بن حارثة الطائيون، فاتحلوا إليها.
فلما دخلوا عليها قالت مرحبا بكم، ما كنتم زوارا، فما الذي جاء بكم؟ قالوا: جئنا زوارا خطابا، قالت أكفاء كرام، ثم أنزلتهم وفرقت بينهم وأسبغت لهم القرى، وزادت فيه.
فلما كان اليوم الثاني بعثت بعض جواريها متنكرة في زي سائلة تتعرض لهم، فرفع إليها زيد وأوس شطر ما حمل إلى كل واحد منهما، فلما صارت إ لى رحل حاتم دفع إليها جميع ما كان من نفقته، وحمل إليها جميع ما حمل إليه.
فلما كان اليوم الثالث دخلوا عليها، فقالت ليصف كل واحد منكم نفسه في شعره، فابتدر زيد وأنشأ يقول:
هلا سألت بني ذبيان ما حسبي عند الطعان إذا ما احمرت الحدق
وجاءت الخيل محمرا بوادرها بالماء يسفح من لباتها العلق
والجار يعلم أني لست خاذلة إن ناب دهر لعظم الجار معترق
هذا الثناء، فإن ترضى فراضية أو تسخطي فإلى من تعطف العنق؟
وقال أوس بن حارثة: إنك لتعلمين أنا أكرم أحسابا، وأشهر أفعالا من أن نصف أنفسنا لك، أنا الذي يقول فيه الشاعر:
إلى أوس بن حارثة بن لأم ليقضي حاجتي ولقد قضاها
فما وطئ الحصا مثل ابن سعدى ولا لبس النعال ولا احتذاها
وأنا الذي عقت عقيقته، وأعتقت عن كل شعرة فيها عنه نسمة، ثم أنشأ يقول:
فإن تنكحي ماوية الخير حاتما فما مثله فينا ولا في الأعاجم
فتى لا يزال الدهر أكبر همه فكاك أسير أو معونة غارم
وإن تنكحي زيدا ففارس قومه إذا الحرب يومًا أقعدت كل قائم
وإن تنكحيني تنكحي غير فاجر ولا جارف جرف العشيرة هادم
ولا متق يومًا إذا الحرب شمرت بأنفسها نفسي كفعل الأشائم
وإن طارق الأضياف لاذ برحله وجدت ابن سعدى للقرى غير عائم
فأي فتى أهدى لك الله فاقبلي فإنا كرام من رؤوس أكارم
وأنشأ حاتم يقول:
أماوي قد طال التجنب والهجر وقد عذرتني في طلابكم عذر
أماوي إن المال غاد ورائح ويبقى من المال الأحاديث والذكر
أماوي إني لا أقول لسائل إذا جاء يومًا: حل في مالنا النزر
أماوي إما مانع فمبين وإما عطاء لا ينهنهه الزجر
أماوي ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يومًا وضاق بها الصدر
أماوي إن يصبح صداي بقفرة من الأرض لا ماء لدي ولا خمر
ترى إن ما أنفقت لم يك ضائري وأن يدي مما بخلت به صفر
أماوي إني رب واحد أمه أخذت فلا قتل عليه ولا أسر
وقد علم الأقوام لو أن حاتمًا أراد ثراء المال كان له وفر
أماوي إن المال مال بذلته فأوله شكر وآخره ذكر
وإني لا آلو بمالي صنيعة فأوله زاد وآخره ذخر
يفك به العاني ويؤكل طيبا وما إن يعريه القداح ولا القمر
ولا أظلم ابن العم إن كان إخوتي شهودًا وقد أودى بإخوته الدهر
غنينا زمانا بالتصعلك والغنى وكلا سقاناه بكأسيهما الدهر
فما زادنا بأوًا على ذي قرابة غنانا، ولا أزرى بأحسابنا الفقر
وما ضر جارًا ياابنة القوم فاعلمي يجاورني ألا يكون له ستر
بعيني عن جارات قومي غفلة وفي السمع مني عن أحاديثها وقر
فقالت أما أنت يا زيد فقد وترت العرب، وبقاؤك مع الحرة قليل، وأما أنت يا أوس فرجل ذو ضرائر، والدخول عليهن شديد، وأما أنت يا حاتم فمرضي الأخلاق، محمود الشيم، كريم النفس، وقد زوّجتك نفسي.