من يشكر بن وائل، فارس مقدام وشاعر مجيد، وسيد من سادات بكر، كما كان عمرو بن كلثوم سيد تغلب وشاعرها، وهو أحد شعراء المعلقات، ومطلع معلقته:
آذنتنا ببينها أسماء رب ثاو يمل منه الثواء
وكان سبب إنشاده هذه القصيدة أن عمرو بن هند ملك الحيرة - وكان جبارًا عظيم السلطان - جمع بين بكر وتغلب وأصلح بينهم، وأخذ من الحيين رهنا من كل حي مائة غلام. فكف بعضهم عن بعض، وكان أولئك الرهن يكونون معه في سيره يغزون معه، فأصابتهم سموم في بعض مسيرهم فهلك عامة التغلبيين وسلم البكريون، فقالت تغلب لبكر بن وائل: أعطونا دية غلماننا، فأبت بكر ذلك فاجتمعت تغلب إلى عمرو بن كلثوم واجتمعت بكر إلى النعمان بن هرم اليشكري، واجتمع الجمع عند الملك عمرو بن هند، وتلاحى عمرو بن كلثوم والنعمان بن هرم أمام الملك فغضب عمرو بن هند، وكان يؤثر بني تغلب على بكر، واشتد غضبه على بكر والنعمان صاحبهم فقام الحارث بن حلزة وارتجل قصيدته ارتجالًا وهو متوكئ على قوسه، وكان الملك يسمع قصيدة الحارث من وراء حجاب لأنه كان لا يحب رؤية أحد فيه سوء، وكان الحرث به وضح فلما أنشد القصيدة أدناه حتى خلص إليه.. ويقال إن الحارث عندئذ كان طاعنا في السن وكان فوق المائة، وترى أثر السن ونضوجها وحكمتها وحلمها ووقارها في القصيدة واضحًا جليا حيث رد على تغلب في أناة وهدوء وحملها تبعة الحرب واستدرج عمرو بن هند إلى أن يكون في جانب قومه فمدحه ومدح قومه، وبها قضى عمرو لبكر على تغلب، وأطلق رهنهم وكانوا عدة فتيان من أشراف بكر. وقد بدأها بالغزل ووصف الناقة، ثم وصل إلى غرضه من الخصومة بين بكر وتغلب:
[ ٩٠ ]
وأتانا عن الأراقم أنبا ء، وخطب نعنى به ونساء
ويرد على عمرو بن كلثوم بقوله:
أيها الناطق المرقش عنا عند عمرو، وهل لذاك بقاء؟
ثم يأخذ في مدح عمرو بن هند:
فملكنا بذلك الناس حتى ملك المنذر بن ماء السماء
ملك أضلع البرية لا يو جد فيها لما لديه كفاء؟
وفي المعلقة بعد ذلك أبيات لها قيمة كبيرة في شرح أحداث تاريخية وسياسية، من صلح كان بين تغلب:
واذكروا حلف ذي المجاز وما قد م فيه العهود والكنفلاء
وأيام كانت بين تغلب أخرى غلبت فيها تغلب: أعلينا جناح كندة: أن يغنم غازيهم، ومنا الجزاء؟ وعداء قديم كان بين المنذر ملك الحيرة والتغلبيين لما امتنوا به من نصرته وعلى العكس من ذلك ولاء البكريين لملوك الحيرة. وينتقل من ذلك إلى مدح عمرو بن هند وآبائه:
أيها الناطق المبلغ عنا عند عمرو، وهل لذاك انتهاء؟
ملك مقسط وأفضل من يم شي، ومن دون ما لديه الثناء؟
وطبعت المعلقة في أوربا لأول مرة عام ١٨٢٧ م.
وعلى الجملة، فقد كان عمرو بن كلثوم في قوله أعز نفسًا وأعلى قدرًا، وضع نفسه وقومه موضع الند لعمرو بن هند وقومه.. وكان الحارث أحكم وأعقل.
وضع الحارث أمام نفسه غرضًا تحايل على الوصول إليه، في دهاء وإيماء وملق، حتى وصل إليه فحكم له ولقومه.