انتقل عدي من الحيرة إلى المدائن حيث كان يعمل كما ذكرنا في ديوان كسرى، يؤذن له عليه في الخاصة، وهو معجب به، قريب منه، كما أصبح له نفوذه عند أمراء الحيرة، فعلا له بذاك صيت عظيم، وذكر كريم.
وكانت إقامته الغالبة في المدائن عاصمة كسرى فإذا أراد المقام بالحيرة في منزله مع أهله استأذن كسرى فأقام فيهم الشهر والشهرين وكثيرًا ما كان ينزل البادية قريبًا من الحيرة.
[ ١٠٣ ]
وأرسله كسرى رسولًا له إلى إمبراطور الدولة الرومانية الشرقية بالقسطنطينية وأكرمه القيصر وطاف به في أرجاء مملكته الواسعة، وكان من البلاد التي زارها في هذه الرحلة دمشق ويؤثر له فيها قصيدة قالها وكانت فيما يروى أول شعر نظمه. ومن هذه القصيدة:
رب دار بأسفل الجزع من دو مة أشهى إلى من جيرون
وندامى لا يفرحون بما نا لوا ولا يرهبون صرف المنون
وقدم عدي المدائن على كسرى بهدية قيصر، وبلغة خبر موت والده أثناء رحلته فاستأذن كسرى في زيارة أهله بالحيرة فتلقاه ملكها في وجوه الناس يعزونه.
وتزوج عدي هندًا بنت النعمان بن المنذر، وكانت من أجمل نساء أهلها وزمانها، وكان لعدي فضل في تولي النعمان عرش الحيرة بعد المنذر، فعظمت منزلة عدي في دولة المناذرة، وخاصة أن النعمان ربي على يد أستاذه عدي، ثم وشى الوشاة به إلى النعمان فحبسه حتى مات في حبسه.