١ - صناجة العرب أعشى قيس المعروف بالأعشى الأكبر، وهو أبو بصير ميمون بن جندل بن شراحبيل بن عوف بن سعد من قيس بن ثعلبة من بكر بن وائل من ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان.
وقيس بن ثعلبة من أشهر القبائل شاعرية وأكثرهم شعراء، والأعشى هو أحد الأعلام من شعراء الجاهلية وفحولهم، وكانت العرب تتغنى بشعره وتسميه صناجة العرب.
ولقب بالأعشى لضعف في بصره.
٢ - والده قيس بن جندل يسمى قتيل الجوع، قال جهنام البكري:
أبوك قتيل الجوع قيس بن جندل وخالك عبد من خماعة راضع
روي أنه دخل غارًا يستظل به من لفح الحر فوقعت صخرة فسدت الغار فمات جوعًا.
وأمه أخت المسيب بن علس الشاعر ٥٨٠م من بني خماعة من بني ضبيعة وتزوج امرأة من بني عنزة من هزان ثم طلقها.
[ ١٠٨ ]
٣ - ولد الأعشى بقرية من قرى اليمامة يقال لها منفوحة ونشأ راوية لخاله المسيب وتتلمذ عليه في الشعر وبدأ حياته شابًا فقيرًا ماجنًا يلعب القمار ويشرب الخمر، ثم سكن الحيرة وتردد على النصارى فيها يأتيهم ويشرب الخمر معهم، ثم جاب الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها يمدح ملوكها وأمراءها:
قد جبت مابين بانقيا إلى عدن وطال في العجم تردادي وتسياري
ويقول:
وطوفت للمال آفاقه عمان فحمص فأورشليم
أتيت النجاشي في داره وأرض النبيط وأرض العجم
وكان تطوافه سببًا في كثرة معارفه وسعة ثقافته.
اتصل بنصارى نجران وبأهل الحيرة وبشريح بن السموءل اليهودي صاحب تيماء بحصنه "الأبلق" وعده بعض الباحثين من النصارى، والظاهر أنه لم يؤمن بدين وأن مسحة العقيدة النصرانية التي قد تبدو على شعره إنما كان منشؤها كثرة تردده على الحيرة ومعاشرته لأهلها.
وكان يوافي سوق عكاظ وينشد فيه شعره فيحفظ عنه ويغني به ولذلك كانت العرب تضيفه وتهاديه ليمدحها ويطير ذكرها.
قيل إن عبد العزى المحلق الكلابي كان أبوه من أشراف العرب فمات، وقد أتلف ماله وبقي المحلق وثلاث أخوات له لم يترك لهم إلا ناقة واحدة وحلتي برود جيدة فأقبل الأعشى في بعض أسفاره يريد منزله باليمامة، فنزل الماء الذي به المحلق فقراه أهل الماء فأحسنوا قراه فأقبلت عمة المحلق فقالت يا ابن أخي هذا الأعشى نزل بمائنا وقد قراه أهل الماء والعرب تزعم أنه لم يمدح قومًا إلا رفعهم ولم يهج قومًا إلا وضعهم، فاحتل في زق خمر من عند بعض التجار فأرسل إليه بهذه الناقة والزق وبردى أبيك، فوالله لئن اعتلج الكبد والسنام والخمر في جوفه ونظر إلى عطفيه في البرد ليقولن فيك شعرًا يرفعك به. قال: ما أملك غير هذه الناقة وأنا أتوقع رسلها، فأخذت عمته تحضه، ثم دخل عليها وقال قد ارتحل الرجل. قالت الآن والله أحسن ما كان القرى تتبعه ذلك مع غلام أبيك فحيثما أدركه أخبره عنك أنك كنت غائبًا عند نزوله الماء وأنك لما وردت فعلمت أنه كان به كرهت أن يفوتك قراه، فإن هذا أحسن لموقعه عنده. فمازالت به حتى فعل ذلك فخرج مولاه يتبع الأعشى، فكلما مر بماء قيل له: قد ارتحل أمس عنه، حتى صار إلى منزله بمنفوحة، فوجد عنده جماعة من الفتيان قد غداهم بغير لحم وسقاهم، فقرع الباب فقال لهم: انظروا من هذا. فدخلوا عليه وقالوا: رسول المحلق الكلابي أتاك بكيت وكيت، ومازالوا به حتى أذن له، فدخل وأدى الرسالة فقال له: أقرئه السلام وقل: وصلتك رحم سيأتيك ثناؤها. وقام الفتيان فنحروا الجزور وأخذوا يشوون ويأكلون ويشربون من الخمر، فلما شبع الأعشى قال:
أرقت وما هذا السهاد المؤرق وما بي من سقم وما بي تعشق
فسارت القصيدة وشاعت في العرب، فما أتى على المحلق سنة حتى زوج إخوته الثلاث كل واحدة على مائة ناقة، فأيسر وشرف.
ويروى أن امرأة كسدت عليها بناتها فأتت الأعشى وسألته أن يشبب بواحدة فواحدة منهن وبعثت له هدايا فما زال يشيب بواحدة منهن واحدة حتى زوجن جميعا.
٤ - وفد الأعشى على كسرى، وقصد النعمان بن المنذر وأنشده:
إليك أبيت اللعن
كان كلالها
تروح مع الليل الطويل وتغتدي
ثم أنشده قصيدته:
أأزمعت من آل ليلى ابتكارا وشطت على ذي هوان تزارا
ويقال: إن الأعشى أول من سأل بشعره وانتجع به أقاصي البلاد ورحل به إلى الملوك والأمراء وكان يغنى بشعره، فكانت العرب تسميه صناجة العرب، وكان بين علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل مفاخرة، وكان الأعشى يمدح عامر بن الطفيل ويهجو علقمة، ومما قال فيه:
علقم ما أنت إلى عامر الناقض الأوتار والواتر
فلما بلغ ذلك علقمة نذر دمه وجعل له على كل طريق رصدا، فخرج الأعشى يومًا يريد وجهًا فأخطأ به الدليل فألقاه في ديار عامر، فأخذه رهط علقمة فأتوه به فقال:
علقم قد صيرتني الأمور إليك وما أنت لي منقص
فهب لي نفسي فدتك النفوس ولازلت تنمو ولا تنقص
[ ١٠٩ ]
فهم علقمة بقتله، ثم دخل إلى أمه، فقال لها: قد أمكنني الله من هذا الأعمى الخبيث. قالت: فما تراك فاعلًا به؟ قال سأقتله شر قتله. فقالت: يا بني قد كنت أرجوك لقومك عامة وإني اليوم لأرجوك لنفسك خاصة وإنما الرأي أن تكسوه وتحمله وتسيره إلى بلاده، فإنه لا يمحو عنك ماقاله إلا هو. ففعل ما أمرته به وأحسن صلته، فقال الأعشى:
علقم يا خير بني عامر للضيف والصاحب والزائر
والضاحك السن على همه والغافر العثرة للعائر
ومدح شريح بن السموءل والأسود بن الهنذر أخا النعمان لأمه وكان من تيم الرباب وهي قبائل من الياس بن مضر وكان أخوه ولاه عليهم وقد كان عنده أسرى من بني سعد بن ضبيعة، فأتاه الأعشى ومدحه بقصيدته:
ما بكاء الكبير بالأطلال وسؤالي وما ترد سؤالي
وسأله أن يطلقهم ففعل. وهذه القصيدة عند بعض العلماء معدودة من المعلقات وبعضهم يذكر أن معلقته هي قصيدته:
ودع هريرة إن الركب مرتحل وهل تطيق وداعًا أيها الرجل
وبعضهم يجعل معلقته هي مدحته للرسول:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا وبت كما بات السليم مسهدا
وهي قصيدة رائعة.
ومدح قيس بن معد يكرب الكندي، وسواه.
وقال الأعشى يمدح السموءل، ويستجير بابنه شريح بن السموءل من رجل كلبي كان الأعشى هجاه ثم أغار على قوم كان الأعشى نازلًا فيهم، فأسره وهو لا يعرفه، ثم سار حتى نزل بشريح بن السموءل فأحسن ضيافته، ومر بالأسرى فناداه الأعشى:
سريح، لا تسلمني بعد ما علقت حبالك اليوم بعد القد أظفاري
قد سرت ما بين بلقاء إلى عدن وطال في العجم تكراري وتسياري
فكان أكرمهم عهدًا وأوثقهم عقدًا أبوك بعرف غير إنكار
كالغيث مااستمطروه جاد وابله وفي الشدائد كالمستأسد الضاري
كن كالسموءل إذ طاف الهمام به في جحفل كسواد الليل جرار
إذ سامه خطتي خسف فقال له قل ما تشاء فإني سامع حار
فقال: غدر وثكل أنت بينهما فاختر. وما فيهما حظ لمختار
فشك غير طويل ثم قال له: اقتل أسيرك، إني مانع جاري
هذا له خلف إن كنت قاتله وإن قتلت كريما غير خوار
وسوف يعقبنيه إن ظفرت به رب كريم وقوم أهل اطهار
فاختار أدراعه كي لا يسب به ولم يكن وعده فيها بخنار
فجاء شريح الكلبي فقال: "هذا الأسير المنصور" فقال "هو لك" فأطلقه وقال له الأعشى "إن تمام إحسانك إلى أن تعطيني ناقة ناجية وتخليني الساعة" فأعطاه ناقة ناجية، فركبها ومضى من ساعته. وبلغ الكلبي أن الذي وهب لشريح هو الأعشى، فأرسل إلى شريح: "ابعث إلي الأسير الذي وهبت لك حتى أحبوه وأعطيه" فقال: "قد مضى" فأرسل الكلبي في أثره فلم يلحقه.
ولما وفد الأعشلا إلى النبي ﷺ، مدحه بقصيدته التي أولها:
ألم تغمض عيناك ليلة أرمدا وعاك ما عاد السليم المسهد
وما ذاك من عشق النساء وإنما تناسيت قبل اليوم خلة مهددا
وفيها يقول لناقته:
فأليت لا أرثي لها من كلالة ولا من حفا حتى تزور محمدا
نبي يرى مالا ترون وذكره أغار لعمري في البلاد وأنجدا
متى ما تناخى عند باب ابن هاشم تراحى وتلقى من فواضله يدا
فبلغ خبره قريشًا قط، فرصدوه على طريقه وقالوا: هذا صناجة العرب ما مدح أحدًا قط إلا رفع قدره.
فلما ورد عليهم قالوا له: أين أردت يا أبا بصير؟ قال: أردت صاحبكم هذا لأسلم. قالوا: إنه ينهاك عن خلال ويحرمها عليك. قال: وما هي؟ فقال أبو سفيان بن حرب: الزنا. قال: لقد تركني الزنا وتركته، ثم ماذا؟ قالوا: القمار. قال لعلي إن لقيته أن أصيب منه عوضًا من القمار، ثم ماذا؟ قالوا: الربا. قال: ما دنت ولا أدنت، ثم ماذا؟ قالوا: الخمر. قال أوه! أرجع إلى صبابة قد بقيت في المهراس فأشربها.
[ ١١٠ ]
قال له أبو سفيان: هل لك في خير مما هممت به؟ قال: وما هو؟ قال: نحن وهو الآن في هدنة، فتأخذ مائة من الإبل، وترجع إلى بلدك سنتك هذه، وتنظر ما يصير إليه أمرنا، فإن ظهرنا عليه كنت قد أخذت خلفا، وإن ظهر علينا أتيته. فقال: ما أكره ذلك. قال أبو سفيان: يا معشر قريش، هذا الأعشى! والله لئن أتى محمدًا وأتبعه ليضر من عليكم نيران العرب بشعره. فاجمعوا له مائة من الإبل. ففعلوا، فأخذها وانطلق إلى بلده، فلما كان بقاع منفوحة رمى به بعيره فقتله.