أولًا، من حيث الألفاظ: يجمع طرفة بين العذوبة الجميلة السلسة والوحشية الغريبة المعقدة في ألفاظه. فإذا وصف رأيت ألفاظًا بعيدة غريبة قوية ضخمة مسرفة في حوشيتها وغرابتها، وإذا فخر أو هجا رأيته يقرب من السهولة والوضوح في لفظه، وإذا أرسل الحكمة رأيت جمالًا وسلاسة وسهولة.
والظاهر أن مرجع ذلك هو حياة الشاعر الشعرية، فقد بدأ في صغره ينظم الشعر، يصف به مشاهد الطبيعة وروائعها الماثلة أمام بصره، وكانت شاعريته في بدء أمرها قوية خشنة قوة البداوة وخشونة الصحراء، فقوي في ألفاظه وأغرب، ثم أخذت شاعريته تنضج وبدأ يكثر من قصائده في الفخر بأحسابه وهجاء خصومه فأخذت ألفاظه تلين وتسهل، ثم خبر الحياة وطاف في الأرجاء وشاهد ألوانًا من التفكير والمذاهب والآراء، فكانت شاعريته قد كمل نضجها. فبدأت ألفاظه تسلس وتسهل وتقرب من ذوق البدوي المتحضر الذي يبعد عن حياة الخشونة ومظاهر الإغراب في البداوة.
ثانيًا، من حيث الأسلوب: وأسلوب طرفة قوي جزل رصين، يمتاز بالمتانة، وأسر اللفظ وفخامة الأسلوب وقوة القافية مع سهولتها.
تجد فيه جزالة وقوة في كثير من شعره، ورقة وسهولة في بعض غزله وفي حكمته وفي عتابه وفي وصف مطامحه وآماله وآلامه.
والجزالة والرقة تختلف موضعها باختلاف المقام ومواطن الكلام وفنونه والمناسبات التي تسنح للشاعر فتجعل نفسه مرحة فرحة أو تجعلها مكتئبة كزة نافرة.
وفي أسلوبه معاظلة في التركيب وتعقيد في الكلام حينًا، وفي غالب الأحايين نجد وضوحًا ودقة تصوير وجمال تعبير وقرب مأخذ وسهولة عرض ورشاقة بيان.
ثالثًا، من حيث المعاني والأخيلة: معاني طرفة تتصل بنفسه وحياته وقبيلته وبالصحراء والبادية التي عاش فيها وبتاريخ قومه وأحسابهم وبالحياة العربية عامة اتصالًا وثيقا.
وطرفة في معانيه قريب، واضح أحيانًا، وخفي معقد حينًا، يقتصر على بيان الحقيقة، قليلة الغلو والمبالغة، يصور الحقائق والواقع تصويرًا قويًا.
وخياله خيال يقظ مشبوب حاد. يحلق قريبًا من الحياة والواقع، يظهر في أسلوب الاستعارة والتشبيه أحيانًا، ويجنح إلى القصد والاعتدال والصدق. وفي معانيه معان مكرورة، متقاربة الخيال. وطرفة على أي حال من المقلين في الشعر، ومعلقته سبب شهرته وتمتاز بوفرة معانيها وتنوع أغراضها وقوة قافيتها وصدق تصويرها.
رابعًا، من حيث أغراض الشعر وفنونه: ولقد نظم طرفة الشعر في أغراض كثيرة وأجاد فيها إجادة بليغة. ومن أهم هذه الأغراض: ١ - الهجاء: فقد كان طرفة هجاء. هجا عمرو بن هند الملك، كما هجا ابن عمه عبد عمرو. وهجا قومه كما هجا أعداءهم، وتنبأ له المتلمس منذ طفولته بالقتل بسبب نشأته وفطرته على الهجاء.
ترجع أسباب ميله إلى الهجاء إلى توقد عاطفته وحدة شعوره واضطرام حسه وإلى قوة اعتزازه بنفسه وشدة تأثره مما يشعر به من تقصير في حقه من قومه وسواهم وإلى يتمه الذي جعله يتوهم العداوة من الصديق والضر حتى من القريب.
يقول في قومه:
أدوا الحقوق تفر لكم أعراضكم إن الكريم إذا يحرب يغضب
ويقول في ابن عمه:
ولا خير فيه غير أن له غنى وأن له كشحا إذا قام أهضما
ويقول في عمرو بن هند:
فليت لنا مكان الملك عمرو رغوثا حول قبتنا تخور
[ ٦٣ ]
٢ - الفخر: ولقد كان طرفة يشعر بحسب قومه ومجدهم بين العرب وكثرة عددهم وقوتهم وشوكتهم، ويعتز بذلك اعتزازًا كبيرًا، وينظم شرف قومه في قصائده، فيمدحهم بحماية الجار، وقرى الضيف والغناء في الحرب وجلال المجلس ووقاره، ويسوي ذلك من مظاهر الفخر وألوانه.
(أ) قال في قومه من قصيدة في الفخر:
يزعون الجهل من مجلسهم وهم أنطارى ذي الحلم الصمد
سماء الفقر أجواد الغنى سادة الشيب، مخاريق المرد
(ب) وقصيدته:
أصحوت اليوم أم شاقتك هر ومن الحب جنون مستعمر
وقف على الفخر بقومه وأحسابهم ومجدهم.. وهي إحدى قصائده الجياد وأشاد بها ابن سلام وسواه من النقاد، بدأها بالنسيب والتغزل في محبوبته "هر" في أبيات طويلة، ثم ذكر الناقة في بيتين، ثم التفت إلى نفسه وقومه فافتخر ببأسهم وكرمهم وبطولتهم ومكانتهم بين العرب واعتزازهم بالخيل للحرب والنضال، فخرًا قويًا كثيرًا، جاء فيه قوله:
وهم ما هم إذا ما لبسوا نسج داود لبأس محتضر
ولقد تعلم بكر أننا آفة الجزر مساميح يسر
ولقد تعلم بكر أننا فاضلو الرأي وفي الروغ وقر
ثم ختمها بالرضاء على قومه وذكر ما آل إليه من رشد:
ولقد كنت عليكم عاتبا فعقبتم بذنوب غير مر
كنت فيكم كالمغطى رأسه فانجلى اليوم قناعي وخمر
سادرًا أحسب غي رشدًا فتناهيت وقد صابت بقر
ويبدو من هذه الأبيات أنه نظمها بعد عودته إثر تنقله بين الأحياء والبلاد، وأن قومه أعانوه بمالهم وعطفهم، وأنه رضي بعد سخط، واطمأن فيهم بعد قلق، ورشد بعد غي.
(ج) ويقول طرفة من قصيدة في الفخر؛ ختمها بحكمته:
إنا لنكسوهم وإن كرهوا ضربا يطير خلاله شرره
والمجد ننميه ونتلده والحمد في الاكفاح ندخره
(د) ويقول يفتخر بقومه وأبيه من قصيدة طويلة بدأها بالحديث عن نفسه وغربته وتنقله بين القبائل:
وأنمي إلى مجد تليد وسورة تكون تراثًا عند حي لهالك
أبي أنزل الجبار عامل رمحه عن السرج حتى خر بين السنابك
_هـ) ويفتخر بقومه وبطولتهم وما سجلوه في أمسهم البعيد من مجد تليد وبطولة نادرة في حروبهم يوم التحاليق، وهو يوم من أيام حرب البسوس وكان لبكر على تغلب، وذلك في قصيدة مطلعها:
سائلوا عنا الذي يعرفنا بقوانا يوم تحلاق اللمم
وهي وقف على الفخر ويقول فيها:
نزع الجاهل في مجلسنا فترى المجلس فينا كالحرم
وتفرعنا من ابني وائل هامة المجد وخرطوم الكرم
نمسك الخيل على مكروهها حين لا يمسك إلا ذو كرم
(و) ويفتخر بنفسه في قصيدته في مدح قتادة الحنفي وقد مضت الإشارة إليها، وكذلك قصيدته:
أشجاك الربع أم قدمه أم رماد دارس حممه
قد ذكر فيها شيئًا من تاريخ قومه إبان حرب البسوس، وسعى الغلاق" أحد قواد ملك الحيرة بين تغلب وقومه بكر من أجل الصلح، وكان الغلاق يميل إلى تغلب، وهدد طرفة فيها تغلبًا بالعودة إلى الحرب باللسان وبالسيوف جميعًا، وعلى الجملة، فقد كان طرفة مجيدًا في فخره، كما كان لاذعًا في هجائه.
٣ - الغزل: ويتغزل طرفة في شعره بخولة:
لخولة أطلال ببرقة ثهمد تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
وينسبها إلى قومها الحنظليين فيقول من قصيدة بدأها بذكر خوله:
فقل لخيال الحنظلية ينقلب إليها فإني واصل حبل من وصل
ويذكرها في معلقته بالمالكية ولعل ذلك نسبة إلى مالك بن ضبيعة من عمومة الشاعر. ويتغزل بهر "أصحوت اليوم أم شاقتك هر" كما يتغزل بهند "لهند بحزان الشديف طلول"، وبسلمى:
ديار سليمى إذ تصيدك بالمنى وإذ حبل سلمى منك دان تواصله
وهو في غزله يذكر الديار ويقف عليها ويبكيها كما في معلقته، ويذكر خيال الحبيب وسراه إليه، ويصف جمال حبيبته وتقاطيع جسمها كما في قصيدته "أصحوت اليوم"، ويدعو لدارها بالمطر كما في قصيدته "لخولة بالأجزاع من إضم طلل".
وله قصيدة مفردة في الغزل قصرها عليه، ومطلعها:
أتعرف رسم الدار قفرًا منازله كجفن اليماني زخرف الوشي ماثله
وهي في محبوبته سليمى أو سلمى، بدأها بذكر ديارها، ثم قال:
[ ٦٤ ]
ديار سليمى إذ تصيدك بالمنى وإذ حبل سلمى منك دان تواصله
وإذ هي مثل الرئم صيد غزالها لها نظر ساج إليك تواغله
غنينا وما نخشى التفرق حقبة كلانا غرير ناعم العيش باجله
ليالي أقتاد الصبا ويقودني يجول بنا ربعانه ونجاوله
ثم يصف خيالها الذي سرى إليه من مكان بعيد ويتعجب لاهتدائه إليه، ثم يقول:
وقد ذهبت سلمى بعقلك كله فهل غير صيد أحرزته حبائله
كما أحرزت أسماء مرقش بحب كلمع البرق لاحت مخايله
ثم يذكر قصة المرقش مع محبوبته أسماء، ويختمها بقوله:
فوجدي بسلمى مثل وجد مرقش بأسماء إذ لا تستفيق عواذله
قضى نحبه وجدا عليها مرقش وعلقت من سلمى خبالا أماطله
وبعد، فمعاني طرفة في غزله قليلة بدائية وشتان بينه وبين امرئ القيس في هذا الباب والنقاد يقولون إن طرفة لا يحسن العشق، أليس هو الذي يقول:
وإذا تلسنني ألسنها أنني لست بموهون قفر
أي إذا افتخرت عليه افتخر عليها لأنه ليس بضعيف ولا دنيء. وهو الذي يقول:
فقل لخيال الحنظلية ينقلب إليها فإني واصل حبل من وصل
وأين هذا من قول امرئ القيس:
أغرك مني أن حبك قائلي وأنك مهما تأمري القلب يفعل
٤ - الوصف: وهو كثير في شعر طرفة، ويمتاز بغرابة اللفظ وقوة الأسلوب وصدق الوصف وصحة التصوير والرسم، ويبدو فيه أثر بيئته واضحًا، فوصفه للسفينة في معلقته يرجع إلى كثرة ما شاهد من سفن تسير في البحر في البحرين وسواها. ووصف الصحراء كما وصف الناقة والفرس ومجالس الشراب، والغيث والرعد، وسوى ذلك من مشاهد الصحراء ومناظرها، ولاشك أن شعره يتصل بالصحراء اتصالًا وثيقًا لأنه صورة منها ورسم لمناظرها وألوان الحياة والطبيعة فيها، ونماذج وصفة في معلقته فارجع إليها.
٥ - الحكمة: وهي كثيرة في شعر طرفة، عميقة رائعة تدل على صدق النظر وقوة الفراسة وعلى ثقوب الذهن وحدة الفكر، وهي مبكرة في طرفة الشباب، ولعل أسفاره ورحلاته وبيئته وقربه من ألوان الحياة والتفكير في الحيرة قد نمتها فيه رغم صغر سنه، ومعلقته فيها الكثير من الحكم.. ومن حكمه قوله:
والأثم داء ليس يرجى برؤه والبر برء ليس فيه معطب
والصدق يألفه اللبيب المرتجى والكذب يألفه الدني الأخيب
ويقول:
وليس امرؤ أفنى الشباب مجاورا سوى حيه إلا كآخر هالك
ويقول:
للفتى عقل يعيش به حيث تهدى ساقه قدمه
وسوى ذلك من صادق حكمه وبعيد فراسته وتفكيره للأمور وحكمه عليها.