[ ٨٩ ]
أ - وعمرو بن كلثوم شاعر غمر البديهة رائق الأسلوب، نبيه الغرض وإن كان مقلًا، لم يتقلب في فنون الشعر ولم يرخ العنان لسليقته، شغلته الرياسة وخوض الحروب وتكسب الشعراء بالشعر عن أن يفيض في الشعر ويطرق أكثر أبوابه، ولذلك لم يشتهر إلا بمعلقته التي قامت له مقام الشعر الوفير، لحسن لفظها وانسجام عبارتها ووضوح معناها ورشاقة أسلوبها وعلو فخرها ونباهة مقصدها، ورويت له مقطعات، لم يخرج فيها عن أغراض معلقته.. ولعل شهرته بالخطابة لا تقل عن شهرته بالشعر.
ب - وأسباب شاعريته ترجع إلى: ١ - أسرة الشاعر وكثرة الشعراء منها ومن قبيلته.
٢ - بيئته في الجزيرة الفراتية واتصالها بثقافات كثيرة منها ثقافة النصرانية التي انتشرت فيها، ومنها الثقافة الفارسية التي لابد أن تكون قد أحدثت آثارها في هذه النواحي الخاضعة لنفوذ الحيرة وملوكها.
٣ - مجد الشاعر وحسبه فقد أنطقاه بهذا الشعر الرائع والفخر القوي البليغ.
٤ - كثرة الخصومات والحروب بين تغلب وبكر، وقد شاهدها الشاعر وأججت ثورة الشاعرية في نفسه.
٥ - الخصومات الأدبية بينه وبين خصمه شاعر بكر الحارث بن حلزة، إلى غير ذلك من بواعث شاعريته.
ج - وأهم أغراض الشعر عند عمرو هو الفخر، ومن أولى من عمرو بن كلثوم بأن يفتخر بمجده ومجد قومه وحسبهم وشرفهم ومحتدهم الرفيع وفخره في معلقته صفحة من تاريخ قومه الحربي والسياسي.
د - ومهما كان فأسلوب عمرو يمتاز بقوته وسلاسته وحلاوته، وتمتاز معانيه بالوضوح وكثرة المبالغة وبالصراحة وروح الصحراء البادية فيه.