١ - قال الأصمعي: لم يكن طرفة يحسن أن يتعشق. قال في قصيدته:
أصحوت اليوم أم شاقتك هر ومن الحب جنون مستعر
أرق العين خيال لم يقر طاف والركب بصحراء بسر
أي زار في مكان لا يزار فيه، فتراه يقول هذا القول، أنه لم ينم ولم يهج من حبها، ثم يقول:
وإذا تلسنني ألسنها إنني لست بموهون غمر
٢ - وقال المبرد: عاب الناس قول طرفة:
أسد غيل فإذا ما شربوا وهبوا أمون وطمر
فقيل إنما يهبون عند هذه الآفة التي تدخل على عقولهم، وفضلوا قول عنترة:
وإذا شربت فإنني مستهلك مالي وعرضي وافر لم يكلم
وإذا صحوت فأقصر عن ندى وكما علمت شمائلي وتكرمي
فخبر عنترة أن جوده باق لأنه لا يبلغ من الشراب ما يثلم عرضه. قالوا: وقول عنترة حسن جميل إلا أنه أتى به في بيتين، هلا قال كما قال امرؤ القيس:
سماحة ذا، وبر ذا، ووفاء ذا ونائل ذا، إذا صحا وإذا سكر
قال الصولي: وقد تبغ حسان طرفة، فقال وهو أعيب من الأول:
ونشربها فتتركنا ملوكا وأسدا ما ينهنهنا اللقاء
فقول طرفة خير من هذا، لأنه قال "أسد غيل فإذا ما شربوا" فجعل الشجاعة لهم قبل الشرب، وحساب قال نشرب فنشجع ونهب كأنا ملوك إذا شربنا، فلهذا كان قول طرفة أجود، وقول عنترة أحسن، لأنه احترس من عيب الإعطاء على السكر وأن السكر زائد في سخائه، فقال: "وإذا شربت فإنني مستهلك - البيتين".
وقال زهير:
أخي ثقة لا تهلك الخمر ماله ولكنه قد يهلك المال نائله
[ ٦٥ ]
فهذا من أحسن الكلام، يريد أنه لا يشرب بماله الخمر، ولكنه يبذله للحمد. وقال البحتري:
تكرمت من قبل الكؤوس عليهم فما اسطعن أن يحدثن فيك تكرما
٣ - وكان النبي ﷺ يتمثل بقول طرفة، ولا يقيم وزنه:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وكان ابن عباس يقول إنه كلام نبي يجمع الحكمة والمثل.
٤ - ويقال إن أمير شعره قوله:
قد يبعث الأمر الكبير صغيره حتى تظل له الدماء تصيب
٥ - ويمتثل من شعره قوله:
بحسام سيفك أو لسانك وال كلم الأصيل كأرغب الكلم
٦ - وقال ناقد أمام الأصمعي إن طرفة أحسن الناس تشبيهًا في قوله:
ووجه كأن الشمس ألقت رداءها عليه نقي اللون لم يتخدد
وفي قوله:
يشق حباب الماء حيزومها بها كما قسم الترب المفايل باليد
قال الأصمعي: فقلت هذا حسن، وغيره حسن منه، وقد شركه في هذا المعنى جماعة من الشعراء، وبعد فطرفة صاحب واحد لا يقطع بقوله مع التجوز، وإنما يعد أصحاب الواحدة.
قال: ومن أصحاب الواحدة؟ قلت الحرث بن حلزة في قوله:
آذنتنا ببينها أسماء رب ثاو يمل منه الثواء
والأسعر الجعفي في قوله:
هل دان قلبك من سليمى فاشتفى ولقد عنيت بحبها فيما مضى
والأفوه والأودي في قوله:
إن ترى رأسي فيها نزع وشواتى خلة فيها دوار
وعلقمة في قوله:
طحابك قلب في الحسان طروب بعيد الشباب عصر حان مشبب
وسويد بن أبي كاهل في قوله:
بسطت رابعة الحبل لنا فوصلنا الحبل منها فاتسع
وعمرو بن كلثوم في قوله:
ألا هبي بصحنك فأصبحينا ولا تبقى خمور الأندرينا
وعمرو بن معد يكرب في قوله:
أمن ريحانة الداعي السميع يؤرقني وأصحابي هجوع
٧ - وقال طرفة:
يشق حباب الماء حيزومها بها كما قسم الترب المفايل باليد
أخذه لبيد فقال يصف ثورا:
تشق خمائل الدهنا يداه كما لعب المقامر بالفيال
٨ - وقال طرفة:
وبلاد زعل ظلمانها كرجال الحبش تمشى بالعمد
قد تبطنت وتحتي جسرة غير أسفار كمخراق وحد
أخذه لبيد فقال:
وبلاد زعل ظلمانها كحزيق الحبشيين الزجل
قد تبطنت وتحتي جسرة حرج في مرفقيها كالقتل
٩ - ولطرفة أبيات مشهورة منها:
كلهم أروغ من ثعلب ما أشبه الليلة بالبارحة
ومنها:
قد يبعث الأمر العظيم صغره حتى تظل له الدماء تصبب
وقوله:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند
وقوله:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وقوله:
ثم راحوا عبق المسك بهم يلحفون الأرض هداب الأزر
وقوله:
نحن في المشتاة ندعو الجفلى لا ترى الأدب فينا ينتقر
وقوله:
تذكرون زعل نقاتلكم إذا لا يضير معدما عدمه
وقوله:
للفتى عقل يعيش به حيث تهدى ساقه قدمه
١٠ - وينسب إليه شعر منحول، ومنه قصيدته:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك، بعض الشر أهون من بعض
١١ - ويقول امرؤ القيس في ديار محبوبته:
وقوفا بها صحبي على مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجمل
أخذه طرفة بنفسه فقال:
وقوفا بها صحبي على مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجلد
١٢ - ويقول طرفة في الفخر بنفسه:
إذا القوم قالوا: من فتى؟ خلت أنني عنيت فلم أكسل ولم أتبلد
أخذه النهشلي فقال في الفخر بقومه:
لو كان في الألف منا واحد فدعوا من فارس؟ خالهم إياه يعنونا
فالمعنى واحد. ولكن طرفة: أ - أسلوبه بدوي مطبوع جزل عن أسلوب النهشلي.
[ ٦٦ ]
ب - ومعناه أتم، فقال قال: "القوم" وهو يشمل القليل والكثير مهما تجاوز العدد. وقال النهشلي "الألف" فقصر بهذا التسديد. وقال طرفة "من فتى" وقال النهشلي "من فارس"، فشمل كلام طرفة تميزه عليهم بالشجاعة والجود وكرم الخلق وسمو النفس وجلال المحتد وسواها، من حيث قصر النهشلي فخره على الشجاعة. وقال طرفة "فلم أكسد ولم أتبلد" وهي زيادة لا نظير لها في بيت النهشلي.