هو شاعر جاهلي قديم مقل، ذكر ابن الشجري أنه كان كاتبًا في ديوان كسرى، ولم يكن بيد الناس من شعره في زمن صاحب الأغاني إلا قصيدة كتب بها إلى قومه يحذرهم ما اعتزمه كسرى من غزوهم وقتالهم، وقطع أخرى لطاف متفرقة، فإذا صحب رواية ابن الشجري - وفي ما قاله أبو الفرج ما يقويها وإن لم يصرح وكان لقيط قد خدم الأكاسرة وكتب لهم - فهو أقدم من بلغنا خبره ممن أتقن الفارسية من العرب وأجدرهم بأن يتأثر بها شعره.
وليس من المستطاع اليوم وقد ضاع شعر لقيط تعيين ما كان لعلمه بالفارسية واتصاله بخدمة الملوك من أثر فيه، ولكن القصيدة التي بقيت له وانتهت إلينا تتميز من شعر ذلك العهد بأنها نسق واحد لا خلة فيه ولا وثبة، وأنها لا تبدأ معنى حتى تتمه وتستوفيه، ولا تنتقل عنه إلى آخر حتى يكون هو الذي أدى إليه واقتضاه. ولعل خير ما يدل على مذهب الشاعر ويكشف عن طريقته إثبات أبيات منها تجمع إلى وضوح الدلالة كثيرًا من الفائدة.
قال لقيط يحذر قومه عاقبة أمرهم إذا قهرهم الفرس، ويذكرهم بما يحل بهم إذا دارت عليهم الدائرة وغلبهم الأجنبي على سلطانهم، ويوصيهم باجتماع الكلمة والتشمير للحرب وتقليد زمامهم من توفرت فيه خلالها وتمت له أداتها:
هيهات لا مال من زرع ولا إبل يرجى لغابركم إن أنفسكم جدعا
لا تلهكم إبل ليست لكم إبلا إن العدو بعظم منكم قرعا
لا تثمروا المال للأعداء إنهم إن يظفروا يحتووكم والتلاد معا
يا قوم إن لكم من إرث أولكم إن ضاع آخره أو ذل واتضعا
ماذا يرد عليكم عن أولكم مجدًا قد أشفقت أن يفنى وينقطعا
فلا تغرنكم دنيا ولا طمع أن تنعشوا بزماع ذلك الطمعا
[ ١٠٢ ]
يا قوم لا تأمنوا إن كنتم غيرا على نسائكم كسرى وما جمعا
يا قوم بيضتكم لا تفجعن بها إني أخاف عليها الأزلم الجذعا
هو العناء الذي تبقى مذلته إن طار طائركم يوما وإن وقعا
هو القتاد الذي يجتث أصلكم فمن رأى مثل ذا رأيا ومن سمعا
قوموا قياما على أمشاط أرجلكم ثم افزعوا، قد ينال الأمن من فزعا
وقلدوا أمركم لله دركم رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا
لا مترفا إن رخاء العيش ساعده ولا إذا عض مكروه به خشعا
لا يطعم النوم إلا ريث يبعثه هم تكاد حشاه تحطم الضلعا
مسهد النوم تعنيه أموركم تروم منها إلى الأعداء مطلعا
ما انفك يحلب در الدهر أشطره يكون متبعا طورًا ومتبعا
وليس بشغله مال يثمره عنكم ولا ولد يبغي له الرفعا
قد استمر على شرر مريرنه مستحكم السن لا قحما ولا ضرعا