١ - لا ندري متى ولد طرفة على وجه التحديد. وإن كان قد أدرك عهد عمرو بن هند ملك الحيرة، وأمر عمرو بقتله في أوائل حكمه، وقد حقق بعض المؤرخين والمستشرقين أن عمرو بن المنذر الثالث المشهور بابن هند تولى ملك الحيرة عام ٥٦٢ م، فإذا كان طرفة قد قتل في مطلع حكمه، فيكون تاريخ موته نحو عام ٥٦٥ م، وإن كان جورجي زيدان يذكر أن وفاته سنة ٥٥٠ م.
وقد قتل طرفة وهو شاب صغير في العشرين أو الخامسة والعشرين أو السادسة والعشرين من عمره على اختلاف الروايات، إذ تقول أخته الخرنق تبكيه:
عددنا له ستًا وعشرين حجة فلما وتوفاها استوى سيدا ضخما
فجعنا به لما رجونا إبابه على خير حال، لا وليدا ولا قحما
فيكون ميلاد طرفة نحو عام ٥٤٠ ميلادية وتكون حياته على الراجح من سنة ٥٤٠ إلى ٥٦٥ م. ويجعل باحث آخر ميلاده عام ٥٣٨ م، والرأيان متقاربان.
٢ - نشأ طرفة في هذه البيئة العامة من بلاده، وتلك البيئة الخاصة من أسرته وحسنها، يجول ببصره في هذه الفيافي المترامية القبح ومشاهدها، ويصعد بفكره في هذه الحياة البدوية، وما خالطها من أفكار وأديان ومبادئ ليفهمها ويتمثلها، وأخذ يعيش بين حسب كريم وعدد كثير وحمية ظاهرة. ولكنه فوجئ وهو طفل صغير بوفاة والده، فكان لذلك أثره البليغ في نفسه وحياته، فكفله أعمامه وقاموا بواجب تربيته.
وبعثت بيئته وحياته ووراثته مواهب الشاعرية في نفسه، فنظم الشعر وهو صغير، يصف فيه مناظر الصحراء وألوان حياته فيها، ولذاته منها، وما يجده من قومه من تقصير في حق رعايته، ويشيد فيه بمجد قومه وأحسابهم، ويذود عن شرفهم وحياضهم ويهجو خصومه وخصومهم.
وكان ليتمه أثره الواضح فيه منذ حداثته فشب متوقد الذهن، مضطرم الشعور، حاد العاطفة سريع التأثر والغضب قوي الفطرة، صادق النظر يفزع إلى هجاء من يشعر منه بتقصير نحوه كما كان لحسبه ومجد قومه أثره في اعتزازه بنفسه، وتمجيده لشخصيته، وحبه الظهور بمظهر البطل الشجاع والشاب المقدام.
وأول شعر قاله هو هذه الأبيات التي أنشدها حين وجد أعمامه يظلمونه ويغتصبون حقًا لوردة أمه إذ أبوا أن يقسموا مال أبيه، ومنعوا حق أمه منه فثارت نفسه واشتعلت شاعريته، وقال:
ما تنظرون بحق وردة فيكم صغر البنون ورهط وردة غيب
قد يبعث الأمر العظيم صغيره حتى تظل له الدماء تصبب
والظلم فرق بين حي وائل بكر تساقبها المنايا تغلب
إلى أن قال:
أدوا الحقوق تفر لكم أعراضكم إن الكريم إذا يحرب يغضب
٤ - وأخذ الشعر يميل إلى اللهو ويسرف فيه ويعتنق البطالة والدعة والعبث ويهجو قومه وسواهم، ويسير وفق رغبات نفسه ونوازعها. ويذهب إلى حوانيت الخمر ويشربها مع نداماه وأصدقاء لهوه. فأخذ أهله يلومونه وينصحونه ويعاتبونه، حتى ضاق بعتابهم، فاقتاد راحلته يسير متنقلًا بين القبائل والأحياء.
سار إلى اليمامة وأناخ راحلته بفناء قتادة بن سلمة الحنفي فمدحه بقصيدة، ذكر فيها طرفة إسراف ابن عمه عبد عمرو في تنقصه وشتمه، ثم افتخر بنفسه، وخلص إلى مدح قتادة، وذكر ما كان من صنيعه مع قومه حين أتوه في قحط أصابهم فأكرم وفادتهم وبذل لهم من ماله وأكرم مثواهم ورفدهم، قال:
[ ٥٨ ]
إن امرأ سرف الفؤاد يرى عسلًا بماء سحابة شتمي
وأنا امرؤ ألوي من القص ر البادي وأغشى الدهم بالدهم
وأصيب شاكله الرمية إن صدت بصفحتها عن السهم
إلى أن قال:
أبلغ قتادة غير سائله من الثواب وعاجل الشكم
إني حمدتك للعشيرة إذ جاءت إليك مرقتة العظم
ففتحت بابك للمكارم حين تواصت الأبواب بالأزم
فسقى بلادك غير مفسدها صوب الربيع وديمه تهمي
وتعيره حبيبته لسيره في البلاد وتنقله فيها بعيدًا عن أهله وبلاده فيقول:
تعير سيري في البلاد ورحلتي ألا رب دار لي سوى حر دارك
وليس امرؤ أفنى الشباب مجاورا سوى حبه إلا كآخر هالك
ألا رب يوم لو سقمت لعادني نساء كرام من حي ومالك
وطال تنقله في البلاد فذهب إلى اليمن، ثم رحل منها إلى النجاشي في الحبشة، وقال في اطراده إلى النجاشي قصيدته: لخولة بالأجزاع من إضم طلل.
ولم فزعته الغربة وحرق قلبه الحنين إلى أهله وبلده، عاد إلى الموطن الذي هجره، فأمده أخوه "معبد" بمال من ماله، ولكنه أتلفه في لذاته ولهوه وعبثه.
٤ - ثم قصد أملًا في إصلاح حاله ملك الحيرة عمرو بن المنذر الثالث الذي يلقب باسم أمه حتى اشتهر بعمرو بن هند، وتولى ملك الحيرة عام ٥٥٤ م كما يقول البعض، أو عام ٥٦٢، أو ٥٦٣ كما يرجح آخرون. وكان الشعراء يرحلون إليه وينشدونه قصائدهم في مدحه فيجزل لهم العطاء. فوفد عليه طرفة مع خاله المتلمس فأحسن وفادتهما وجعلهما في حاشية أخيه قابوس بن المنذر وكان مرشحًا للملك بعده، وكان شابًا يميل إلى اللهو والترف، ويخرج إلى الصيد، فكان يخرج معه طرفة إذا خرج وينادمه على الشراب، وهكذا اطمأن به الحال، واستقرت حياته بعض الاستقرار. ولكن طرفة الشاعر لم يرضه أن يكون تابعًا لأحد، أو أن يشعر بأنه أقل شرفًا ومجدًا من إنسان.
٥ - طرفة وابن عمه عبد عمرو: كان عبد عمرو بن بشر بن مرثد بن سعد بن مالك زوجًا للخرنق أخت طرفة، وكان عبد عمرو سيدًا كريمًا شجاعًا مطاعًا في قومه، ظاهر الثراء والقوة والفتوة، وكان من أجمل العرب، كما كان أثيرًا رفيع المنزلة عند عمرو بن هند يداعيه وينادمه، وسيد أهل زمانه كما يقولون.
فجاءت أخت طرفة تشكو إليه شيئًا من أمر زوجها، فغضب الشاعر وهجاه بعد ذلك بقصيدته:
أيا عجبا من عبد عمرو وبغيه لقد رام ظلمي عبد عمرو فأنعما
ولا خير فيه غير أن له عني وأن له كشحا إذا قام أهضما
يظل نساء الحي يعكفن حوله يقلن: عسيب من سرارة ملهما
وبدأت الخصمة والشحناء بين الشاعر وابن عمه، وفيه أيضًا يقول من قصيدة له:
ألا أبلغ عبد الضلال رسالة وقد يبلغ الأنباء عنك رسول
دببت بسري بعد ما قد علمته وأنت بأسرار الكرام نسول
وكيف تضل القصد والحق واضح وللحق بين الصالحين سبيل
ومنها:
وأعلم علمًا ليس بالظن أنه إذا ذل مولى المرء فهو ذليل
وإن لسان المرء ما لم تكن له حصاة على عوارته لدليل
قتل طرفة: ١ - كان ملك الحيرة عمرو بن هند جبارًا عنيدًا متكبرًا، لا يرى في الناس من يدانيه شرفًا ومجدًا، وكان له يوم بؤس ويوم نعيم كل سنة، يركب يوم بؤسه فيقتل أول من يلقاه، وفي يوم نعيمه يقف الناس ببابه فإن اشتهى حديث رجل أذن له فأصاب مجدًا ومالًا وملك ثلاثًا وخمسين سنة، وكان العرب تهابه هيبة شديدة، وكان أخوه قابوس ولي عهده جبارًا متكبرًا مستبدًا كذلك. ولم يرض طرفة الشاعر عن طغيانهما واستبدادهما وكبريائهما، فنظم قصيدة يهجوهما بها، وهي طويلة.. ومنها:
فليت لنا مكان الملك عمرو رغوثا حول قبتنا تخور
لعمرك إن قابوس بن هند ليخلط ملكه نوك كثير
ومنها:
ولما أن أنخت إلى مليك مساكنه الخورنق والسدير
لينجزني مواعد كاذبات بطي صحيفة فيها غرور
فأوعدني فأخلف ثم ظني وبئس خليقة الملك الفجور
وتمادى طرفة في هجاء عمرو بن هند وأسرته. ومما هجاه به قوله:
ولا خير فيه غير أن له غنى وأن له كشحا إذا قام أهضمها
[ ٥٩ ]
تظل نساء الحي يعكفن حوله يقلن عسيب من سرارة ملهما
٢ - وبلغ ذلك عمرو بن هند فامتلأ حقدًا وغضبًا على طرفة وأضمر له الشر.
قالوا: إن الذي نقل إليه أهاجي طرفة فيه هو عبد عمرو ابن عمر الشاعر، فثارت حفيظة الملك عليه، ولكنه كره العجلة عليه لمكان قومه فتظاهر بالرضا عن طرفة والتنويه به وبشعره، حتى أمن الشاعر ولم يخفه على نفسه وظن أنه قد رضي، فقدم طرفة والمتلمس على عمرو بن هند يتعرضان لفضله ومعروفه وكان المتلمس أيضًا قد هجا عمرو بن هند الملك في قصيدة من شعره، وكان في نفس الملك موجدة عليه يكتمها عنه كذلك.
أظهر عمرو بن هند الاحتفاء بالشاعرين، وتلطف معهما تلطفًا جميلًا وكتب لكل منهما كتابا إلى عامله بالبحرين وأوهمهما أنه أمر لهما بعطاء كثير سيدفعه إليهما هذا العامل عندما يتوجهان إليه بهجر، وقال لهما: انطلقا إليه فخذا جوائزكما منه، وكان قد أعطاهما هدية من عنده وحملهما.
ولعل إيثاره لهذا الأسلوب في الانتقام من الشاعرين لخوفه من قبيلتهما - بكر - حتى لا يرمى الملك بقتلهما، أو بمثابة الرد على قول طرفة في هجائه:
لينجزني مواعد كاذبات بطي صحيفة فيها غرور
كان مكتوبًا في صحيفة المتلمس: "باسمك اللهم، من عمرو بن هند إلى المكعبر: إذا جاءك كتابي هذا مع المتلمس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حيًا"، وكذلك كانت صحيفة طرفة.
وخرج الشاعران من بلاط الملك، فلما وصلا النجف قال المتلمس: يا طرفة إنك غلام حديث السن، والملك من عرفت حقده وغدره، وكلانا قد هجاه فلست آمنا أن يكون قد أمر بشر، فهلم فلننظر في كتبنا هذه، فإن يكن قد أمر لنا بخير مضينا فيه، وإن تكن الأخرى لم نهلك أنفسنا، فأبى طرفة أن يفك خاتم الملك، وعدل المتلمس إلى غلام من غلمان الحيرة عبادي، فأعطاه الصحيفة ليقرأها، والغلام لا يعرف المتلمس ولا من كتب الصحيفة، فقرأها فقال: ثكلت المتلمس أمه، فانتزع المتلمس الصحيفة من يده، واتبع طرفة فلم يلحقه.
٣ - ألقى المتلمس الصحيفة في نهر الحيرة، وسار هاربًا إلى الشام وهو يقول:
وألقيتها بالشنى من جنب كافر كذلك أقنو كل قط مضلل
رضيت لها بالماء لما رأيتها يجول بها التيار في كل جدول
وأخيرًا استقر به المقام عند بني غسان فأكرموا وفادته، وأخذ الشاعر يهجو ملوك الحيرة وبني المنذر، فشق ذلك على عمرو بن هند، وكان بنو غسان قد قتلوا أباه يوم "أباغ" فحلف ألا يدخل المتلمس العراق ولا يطعم بها حتى يموت، وكتب إلى عماله بنواحي الريف يأمرهم أن يأخذوا المتلمس إن قدروا عليه وهو يمتار طعامًا أو يدخل الريف، وفي ذلك يقول المتلمس يحرض قومه بعد قتل طرفة:
يا آل بكر ألا لله دركمو طال الثواء وثوب العجز ملبوس
ومنها:
آليت حب العراق الدهر أطعمه والحب يأكله في القرية السوس
وقال:
أيها السائلي فإني غريب نازح عن محلتي وصميمي
وقال:
إن العراق وأهله كانوا الهوى فإذا نآنا ودهم فليبعدوا
ومات ببصرى بأرض الشام نحو عام ٥٨٠ م.
٤ - وأما طرفة فقد سار حتى قدم على عامل البحرين ربيعة بن الحرث العبدي على الأرجح بهجر، فدفع إليه كتاب عمرو بن هند فقرأه فقال: هل تعلم يا طرفة ما أمرت به؟ قال: نعم، أمرت أن تجيرني وتحسن إلي. فقال: يا طرفة بيني وبينك خؤولة أنا لها راع حافظ فاهرب في ليلتك هذه فإني قد أمرت بقتلك، فاخرج قبل أن تصبح ويعلم بك الناس. فقال طرفة: اشتدت عليك جائزتي فأردت أن أهرب؟ فسكت ربيعة، وأصبح الصباح فأمر بحبسه ولم يقتله، وكتب إلى عمرو بن هند ابعث إلى عملك من تريد فإني غير قاتله، فبعث عمرو بن هند رجلًا من تغلب فاستعمله على البحرين وأمره بقتل طرفة وربيعة بن الحارث العبدي، فاجتمعت بكر تريد الفتك بالعامل الجديد، ولكنها لم تستطع، وجيء بطرفة إليه فقال له: إني قاتلك لا محالة فاختر لنفسك ميتة تهواها. فقال: إن كان ولابد فاسقني الخمر وافصدني. ففعل به ذلك، فما زال ينزف دمه حتى مات.
قال صاحب الجمهرة ٢١٥ هـ وقبر طرفة اليوم معروف بهجر بأرض لبنى قيس بن ثعلبة، ويروى أنه قال قبل صلبه:
فمن مبلغ أحياء بكر بن وائل بأن ابن عبد راكب غير راجل
[ ٦٠ ]
على ناقة لم يركب الفحل ظهرها مدببة أطرافها بالمناجل
وقال أيضًا:
لعمرك ما تدري الطوارق بالحا ولا زاجرات الطير ما الله فاعل
وهكذا انتهت حياة هذا الشاعر الشاب طرفة، وودع الدنيا وداع الناقم عليها، الساخط من ظلمها وآلامها، وكان قتله نحو عام ٥٦٥ م.
٦ - ورثت الخرنق أخاها طرفة وبكته بكاء شديدا، وهجت عبد عمرو الذي وشى به إلى الملك عمرو بن هند فقالت:
ألا ثكلتك أمك عبد عمرو أبا الخزيات وأخيت الملوكا
فيومك عند زانية هلوك تظل لرجع مزهرها ضحوكا
وقال المتلمس يحرض قوم طرفة:
أبني "قلابة" لم تكن عاداتكم خذ لدنية قبل خطة معضد
وقال:
من مبلغ الشعراء عن أخويهم خبرا فتصدقهم بذاك الأنفس
أودى الذي علق الصحيفة منهم ونجا حذار حبائه المتلمس
الق الصحيفة لا أبا لك إنه يخشى عليك من الحباء النقرس